ينسى كثير من الناس أو يتناسون حقيقة واضحة كوضوح الشمس في عز النهار: أن إبليس الذي نشبه به كل إنسان من البشر غوى عن إتباع الحق وأغوى غيره من البشر، كان ملكا من الملائكة قبل أن يلعنه الله ويطرده من رحمته. يقول القران الكريم:

( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين )

والله يخبرنا أنه أمر الملائكة بمافيهم إبليس أن يسجدوا لآدم، إلا أن إبليس رفض الإنصياع لأمر الله، وقد بلغ به الكبر أن رأى نفسه أكبر من ان تسجد لمخلوق من طين " آدم " وهو المخلوق من " النار ". وربما هو لم يرفض أمر الله إلا لأنه قد رأى ذاته أعظم من الذات الإلهية.

وهذه طبيعة كل من ينتمي إلى سلالة إبليس عندما يضع نفسه في مرتبة الرب. فيصنف الناس بما يجعلهم أقل منه إيمانا أو نوعا.

لكن الجهلة من الناس عندما يمنحون ثقتهم لمن يدعي الهدى والتقوى يرفضون أن يسحبوا ثقتهم بذلك المدعي للهدى والحق حتى وان تعرت حقيقته وأنكشف زيف إيمانه، دون أن يتعضوا من قصة إبليس الذي كان يوما ملكا من ملائكة الله فهوى من عرش الملائكة إلى جهنم الشياطين.

وشياطين البشر ليسوا من سلالة آدم، وإنما هم أبالسة على هيئة صور بشرية. مما يجعلهم يتمادون في الغي والظلالة حتى وان كانوا الأحرص على ادعاء إتباع الحق. وكلما استماتت تلك الصور البشرية في ادعآتها بأنها الوحيدة التي تملك الحقيقة وما عداها باطل، كلما أثبتت صدق المقولة بأنها لا تنتمي إلى آدمية البشر بقدر ما تنتمي إلى استكبارية الأبالسة.لأن الذي ينتمي إلى الحق لا يدعي انه الوحيد الممثل للحق، و الذي ينتمي إلى الباطل لايرضى بغير الباطل أن يسود.

ومثلما أن النسل الآدمي لم ينقطع، فان النسل الإبليسي لم ينقطع أيضا. وإلا لما تحدثت البشرية في كل مكان عن غوايات الأبالسة على مر العصور، مما يدل على أن هناك نسلا إبليسيا يتوارث الباطل والإغواء، مثلما يكون هناك نسل آدمي يتناسل الحق في كل زمان ومكان.

وإذا كان إبليس رمزا للاغواء فان آدم رمز للهداية. أي أن إبليس وسلالته سبب في كل ما يجر التدمير للبشرية كردة فعل على ما ناله من عقاب الهي عندما خسف الله به نتيجة استكباره وطغيانه. بينما كلف الله آدم أن يعمر الأرض و سلالته المهدية من بعده.

وهكذا يكون آدم ممثلا للخير، و يكون إبليس ممثلا للشر، وكلاهما ملائكة من ملائكة الله استكبر أحدهما وعصى الإمتثال لأوامر الرب، وأطاع احدهما ربه ولم يعص أوامره حتى وهو ينزله من عرش السماء ليتحمل مسئولية تعمير الأرض.

أي أن الصراع بين الخير والشر قائم منذ الأزل وسيظل إلى يوم القيامة. لأننا بدون وجود الأشرار لا نستطيع أن نعرف الباطل، مثلما أننا لانستطيع أن نعرف الحق في غياب الأخيار.

إلا أن النصر دائما للحق وأهله. فالأوادم يدعون أنهم أهل الحق دون أن يرغموا الآخرين على إتباع ما يدعون، والأبالسة يدعون بهتانا أنهم أهل الحق وهم يعرفون كذب ادعائهم، إلا أنهم يرغمون من يختلف معهم على اتباعهم، حتى وان وصل بهم الأمر إلى إراقة الدماء. مما يجعل الجهلة من بني آدم يتبعون الأبالسة دون وعي منهم، إلا أن الله لايغفر لكل آدمي تعرت أمامه حقيقة الأبالسة فظل يتبعهم حتى أصبح منهم.

ولا أعتقد أن البشرية قد عاشت عصرا تتكشف فيه الحقائق أمام كل آدمي مثل هذا العصر الذي نعيشه. حيث أصبحت الحقيقة تجري إلى كل آدمي في بيته وتدخل إلى زواياه المظلمة كأشعة الشمس التي تدخل عبر الشقوق بدون استئذان من أحد. ولا يرفض تصديق الحقيقة إلا كل نسل إبليسي يتصف بصفات جده الأول ابليس في التكبر والاستكباروالغطرسة، مما يجعل كل آدمي لا يملك قدرة التمييز بين الاوادم والأبالسة أمام فرصة لم تتوفر في أي عصر من عصور البشرية، وهي فرصة التمييزبين ادعآت الأوادم وادعآت الأبالسة، دون أن يضيع عقله وسط الصور الآدمية المزورة التي لا تمثل في حقيقتها سوى جوهر الغواية الابليسية الشريرة.

هذا زمن تتعرى فيه الشياطين بعد أن خلعت ثيابها بفعل قوة إشعاع الحضارة التي لم تكن من صنع الأبالسة الذين لاغاية لهم سوى الهدم، وإنما من صنع الأوادم الذين أمرهم الله بالبناء والتعمير، فبنوا وعمروا وأسسوا لحضارة بشرية ينعم فيها الإنسان بالحرية والرفاهية.

إذا كان ابليس يستحق اللعن نظير استكباره وإغوائه لمن اتبعوه، فإن سلالة إبليس يعتبرون أكثر استحقاقا للعن من جدهم إبليس إن ظلوا يسيرون على نفس الدرب الابليسي في الإغواء والاستكبار والتجبر.

إن في تاريخ عالمنا الإسلامي آلاف الأبالسة ممن قاموا بإغواء آلاف الناس عن الحق منذ مئات السنين، وبسببهم سُــــفكت الدماء، وأستمرت جراح الأمة في النزف حتى يومنا هذا. لكن الفرق بين إبليس و أتباعه: أن إبليس أعلن تمرده وعصيانه لتعاليم ربه واتخذ من الغواية منهجا بينا، أما أتباعه فقد اتخذوا من ادعاء الحق وسائل ينحرون بها رقاب الأوادم ويثيرون بينهم الفتن.

الأوادم: يعمرون الأرض إتباعا لأوامر الرب

والأبالسة: غايتهم هدم كل ما يبنيه الآدمي انتقاما لجدهم إبليس الذي كفر بربه بسبب رفضه للسجود لآدم.

إنه صراع الخير مع الشر

والحق مع الباطل

والحقيقة مع الزيف

والمعرفة مع الجهل.

وإذا كان إبليس قد رفض أن يسجد لآدم، فان قلوب سلالته لم تسجد لله بإيمان قط!

لأن من في قلبه ذرة من إيمان حقيقي لن يكره أبدا!!

سالم اليامي [email protected]