هل يُسقِط العراق إمبراطورية أمريكا كما أسقطت إسبانيا إمبراطورية نابليون؟
كانت المكتبات الفرنسية على موعد في التاسع من سبتمبر الجاري مع مولود جديد عنوانه "القِّرش والنورس" (Le requin et la mouette)، صادر عن دار النشر الفرنسية بلون ألبين ميشيل (Plon-Albin Michel) في 280 صفحة. "القِّرش والنورس" عنوان يصلح لديوان شعر أو لقصيدة تنساب فيها الأبيات والقوافي وتتراقص فيها الألفاظ والمعاني لتسحر القارئ وتُدخله عوالم الأحاسيس والعواطف؛ لكن أن يكون عنواناً لمٌؤَلَفٍ يغوص في وقائع وأحداث سياسية ويعرض لأفكار وتحليلات سياسية وفكرية فذاك جدير بالاهتمام. اهتمام يزداد حين ندرك هوية مؤلفه ونطَّلع على تاريخه وموقعه داخل دوائر صنع القرار في إحدى الدول الأكثر حضوراً على الساحة الدولية.
يتعلق الأمر بالسياسي والمفكر الفرنسي الذي سطع نجمه في الفترة التي سبقت الحرب على العراق كأكبر مدافع عن الشرعية الدولية ومعارض لمبدأ القوة في حل الأزمات الدولية ومحذر من أثارها وتبعاتها. إنه السياسي والمسؤول الفرنسي الذي خاطب ضمائر العالم يوم السابع من مارس 2003، خلال الاجتماع الذي عقده مجلس الأمن للبث في الأزمة العراقية، قائلاً "قد يعتقد البعض أنه بوسعنا حل هذه المشاكل (في إشارة إلى الأزمة العراقية) باللجوء إلى القوة وبالتالي، تأسيس نظام عالمي جديد بهذا الشكل. هذا الموقف يعارض قناعات فرنسا، لأننا نرى أن استعمال القوة قد يُذكِّي الضغائن والأحقاد و يُغَذِّي صدام الهويات والثقافات التي من أول واجبات جيلنا بالتحديد تفاديها". نعم إنه دومينيك دو فيلبان (Dominique de Villepin)، وزير الداخلية الحالي في حكومة رافاران (Rafarin) ورئيس الدبلوماسية الفرنسي السابق.
استعار دومينيك دو فيلبان عنوان مؤلَفه "القِّرش والنورس" من قصيدة للشاعر الفرنسي ريني شار (René Char) -1907/1988-، ليطرح فيه ثلاثة محاور أو وحدات موضوعية، يصعب الفصل بينها أو ربطها بجزء محدد من الكتاب بسبب تداخلها وتشابكها بل وانصهارها فيما بينها، هذه المحاور هي:
•قراءة في الأوضاع السياسية العالمية والتوازنات الجديدة داخل "النظام العالمي الجديد".
•شرح الموقف الفرنسي قبل الحرب على العراق وعرض أفكار عن وزن الدبلوماسية الفرنسية ودورها المستقبلي في رسم معالم السياسة الدولية وبناء "ديمقراطية عالمية".
•قراءة في "الأزمة العراقية" والدروس والعبر التي تُستفَاد من هذه "التجربة المريرة".
يقدِّم دوفيلبان في مؤلفه هذا نظرة واقعية ومتفائلة عن العالم، محذراً منذ البدء من الانسياق وراء قوافل المتشائمين الذين يرون في كل واقعة أو نازلة تحل بعالمنا "إمارة تنذر بقرب الكارثة". لهذا السبب نجده مند السطور الأولى يبحث جاهداً لإيجاد صيغة للتوفيق بين الأضداد والمتناقضات التي تحكم عالمنا اليوم، ويطرح أفكاراً ووصفات لكيفية المصالحة بين مفاهيم قد تبدو للكثيرين أنها متنافرة، لكنها في الحقيقة "متناغمة ومتناسقة" إذا ما نحن استوعبنا عمقها وأبعادها. مفاهيم من قبيل القوة والقانون، الهوية الوطنية والهوية العالمية، حقوق الإنسان واقتصاد السوق.
كما يحذرنا دوفيلبان، الدبلوماسي والسياسي المحنك، من الوقوع في شَّرَك أولئك الذين يُروِّجون "لألعوبة" صِدَام الحضارات والديانات؛ منبهاً إلى أن هذا الصدام "ليس قدراً محتوما" إذا ما تذكرنا أننا نحن من "يختار العالم الذي نريد أن نحيا فيه". لهذا السبب، نحن مدعوون إلى أن "نتصالح مع أنفسنا أولا"، حتى يكون بوسعنا أن "نستوعب العالم المحيط بنا" وأن نتجاوز "عقدة الشك والريبة التي عادة ما يثيرها الأخر في نفوسنا"، سواء أكان هذا الأخر فرداً أو مجموعة عِرقِيَة أو دينية أو ثقافية. أنداك سيكتسي مفهوم "الهوية العالمية" معناه الحقيقي دون أن يناقض مفهوم "الهوية الوطنية" أو يكون على حسابه.
وفي معرض حديثه عن فرنسا ودورها في صياغة سياسة عالمية توافقية، يرى دوفيلبان أن فرنسا مدعوة إلى أن تضطلع بدورها التاريخي في عدم خيانة الأمانة "الأبدية" التي ورثتها عن ثورة 1789، وذلك بأن لا تتعذَّر بأن ما يقع خارج حدودها لا يعنيها، بل على العكس من ذلك فـ"كل ما يحدث خارج حدودنا له تأثير على حياتنا اليومية".
ويتابع دوفيلبان مبيِّناً أن تجربته في وزارتي الخارجية ثم الداخلية كشفت له أنه "لا يمكن تصنيف القضايا الدولية في جانب والمشاكل الداخلية في جانب آخر"، لأن "كبريات التحديات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية تُحسَم على مستوى دولي". ويستدل على ذلك بأن ظاهرتي الهجرة والشبكات الإجرامية والإرهابية، اللتين تصنفهما كل دولة غربية في خانة مشاكلها الداخلية، لن تجدا حلا نهائياً وفعالاً إلا من خلال "مقاربة جماعية".
ويذكِّرنا دوفيلبان بأن "فرنسا لم تكن أكثر وفاء لنفسها إلا حينما تولي وجهها إلى ما هو عالمي وتتحرى بالجرأة لمعانقة مشاكله". ويضيف بأن فرنسا "قوة في خدمة الشعوب" لأنها "تحمل رسالة أمل عليها أن تؤديها" فهي "متعلقة بقيم التعايش والديمقراطية والسلم".
ثم ينتقل دوفيلبان بعد ذلك إلى الحديث عن "الأزمة العراقية" أو "الفخ العراقي الذي أوقعت أمريكا فيه العالم"؛ مخصِّصاً له الحيز الأكبر من مُؤلَفِه. يبدأ الكاتب برسم المراحل التي قادت إلى الحرب، مع شرح تحليلي لموقف فرنسا المعارض منذ البدء للخيار العسكري لحل الأزمة. ليعرض بعد ذلك موقفه بالتحليل والتفصيل من "الأزمة العراقية" ومن المشروع الأمريكو-بريطاني (المُسَانَدِ أوروبياً من طرف حكومة اليميني أثنار في إسبانيا)؛ واصفاً إياه بـ"إمبريالية" المحافظين الجدد في أمريكا.
ويبقى المؤلف وفياً لروح الأفكار والقناعات التي كانت تُحرِّكه حين كان رئيساً للدبلوماسية الفرنسية، فنجد كتابه انتصب مدافعاً عن ضرورة إيجاد "نظام عالمي متعدد الأقطاب"، قادر على الوقوف في وجه "النزعة الأحادية" لأمريكا وإيمانها بمبدأ "القوة المفرطة" أو "الضربات الاستباقية".
ويخلص دوفيلبان إلى أن أمريكا قد سلَّمت العراق "البلد المفتاح في الشرق الأوسط" إلى "قوى الفوضى" بانقيادها وراء الخيار العسكري. بل أكثر من ذلك، فهو يرى أن الرئيس الأمريكي بوش قد ارتكب "الخطأ القاتل" نفسه الذي وقع فيه نابليون بونابرت حين أصرَّ على توجيه حملة ضد إسبانيا عام 1808.
ويمضي المؤلف في شرح وتفصيل استنتاجاته مبيِّناً أن حملة نابليون ضد إسبانيا شكَّلت في واقع الأمر "حرباً وقائية" ضد إنجلترا، لكن ما سجَّله التاريخ ولم يفطن له المحافظون الجدد -منظرو "الحرب الوقائية"- وبوش هو أن هذه الحملة "لم تُعجِّل فقط سقوط الإمبراطورية النابليونية، ولكنها أفقدت مبادئ الثورة (الثورة الفرنسية 1789) مصداقيتها، وأخَّرت بشكل مأسوي انتقال إسبانيا إلى الديمقراطية".
ويستمر دوفيلبان في قراءته الاستراتيجية للتاريخ، مذكِّراً بأن الجيوش النابليونية طُردت من شبه الجزيرة الإيبيرية بعد ست سنوات من الحرب، وينقل عن السياسي الفرنسي ماكسيميليان روبيبيير (Maximilien de Robespierre) –القرن الثامن عشر- شرحه لأسباب ذلك بأنه "لا أحد يحب المُبَشِرِين المُسلَّحِين".
ويُلاحظ دوفيلبان أن أمريكا حققت جزءاً يسيراً من مخططاتها في العراق وخلعت بالفعل نظام صدام حسين، لكنها فشلت بامتياز في الاختبار الجوهري والمفصلي، إذ أن "العراق تحوَّل في غضون شهور قلائل إلى أرضية حقيقية لأنشطة الجماعات الإرهابية".
ويتابع المؤلِف استخلاص العبر والدروس من "الفخ العراقي"، موضحاً أن العالم يقف اليوم على منعطف مهم في تاريخه، وهو ما يعني تغيُّر أو خضوع المعايير والثوابت الفكرية والإيديولوجية لاعتبارات ثقافية أو دينية أو ثراتية. ويسوق مثالاً على ذلك إيمان العالم منذ زمن بعيد بحقيقة أن "الأسباب التقليدية للقوة" تتلخص في امتلاك التفوق التكنولوجي والقوة العسكرية والازدهار الاقتصادي، لكن حرب العراق أقبرت هذا المعطى وبيَّنت أن توافر كل الأسباب السالفة الذكر لا يعني "القدرة على خلق أو ضمان السِلم".
ويختم الكاتب حديثه عن الأزمة العراقية بخلاصة تشرح أسباب التوتر والاحتقان الذي يَعُمُّ العالم اليوم والذي سيُغرقه لا محالة في دوامة لا قعر لها إذا لم نتدارك أنفسنا، قائلاً إن "الأزمة العراقية" لم تكن مجرد حادث عابر في تاريخ العالم، بل أخطر من ذلك لأنها "فتحت إمكانية حدوث طلاق بين الثقافات والأديان المختلفة".
منذ السطور الأولى، يُصارحنا دوفيلبان بأن "هذا الكتاب نتاج لتجربة أود تقاسمها"، وبالفعل هو كذلك فقد جاء واضحاً وصريحاً ومباشراً بعيداً عن لغة الغموض ومتاهات عدم تسمية الأشياء بمسمياتها وتفانين السياسيين في اللعب بالعقول، ليُقدِّم لنا خلاصة مفادها أن العالم الذي نحيا فيه هو من اختيارنا وأن الخوف ليس هو الحل والقوة ليست بالتأكيد هي الحل الأمثل.
كم نتمنى أن نجد يوماً في مكتباتنا العربية، رغم ندرتها، مراجع ومؤلفات وسير جادة وواقعية بأقلام سياسيينا ومسؤولينا يعرضون فيها خلاصة تجاربهم ومسيراتهم، تكون نبراساً ينير درب من سيخلفونهم، خاصة أن المسؤولين والسياسيين العرب يعمرون طويلاً على الكراسي الوثيرة في مراكز صناعة القرار في العواصم العربية.
عبدالرزاق بنـــان فــــلالي
كـــاتب مــــغربي
الدوحـة – قطــر
[email protected]




التعليقات