بالرغم من أن الألم يعتبر شكوى عامة عند جميع المرضى، إلا أنه أقل الأعراض المرضية تفهما في الطب وعلم النفس . لقد تبين أن مئات الالاف من الأشخاص يقضون أوقاتهم باحثين عن معالجة لتخليصهم من الألم الذي لا يطاق، وأكثرهم من الأشخاص الذين تتطور الحالةعندهم الى حدوث أمراض ومشكلات عضوية ونفسية كنتيجة مباشرة للألم المستمر الذي يعانونه . إن هؤلاء يعانون مما يسمى بالألم المزمن،ويقدمون للعيادات باحثين عن المعالجة العضوية، ولكن بدون نتيجة . وبعضهم أجرى ما لا يقل عن عشر عمليات جراحية للتخلص من الألم . إن جزءا منهذه المشكلة تم النظر إليه على أنه ذو منشأ عضوي أو نفسي في طبيعته وقج شجع هذا العديد من الأطباء وعلماء النفس في البحث في هؤلاء المرضى وتفهم حالاتهم .
تعقد حالة الألم
إن الرأي القائل بأن العوامل أو المتغيرات السيكولوجية تسهم بدور فعال في إحداث برةالألم ليست جديدة، فقد وصف بيتشر العناصر العضوية للألم بإعتبارها مكونات حسية، وأن العناصر أو المكونات السيكولوجية أكثر أهمية من العناصر والمكونات الحسية .أما الفروق الثقافية والسلالية في إدراك الالم والإحساس به، فقد تمت ملاحظتها وبحثها لفترة طويلة (weisenberg) ، فالعوامل الثقافية تؤثر في تحمل الالم أكثر من الإدراك الحسي له . فالثقافات والمجتمعات الختلفة، لهاإتجاهات متباينة نحو رد فعل الشخص للألم وإستجابته النفسية له. هذه الإتجاهات نحو الألم تتكون منخلال التنشئة الإجتماعية، والدراساتالتي أجريت على خوف الأطفال من جراحة الأسنان، فقد بينت أن خبرة وإتجاه الأسرة نحو طب الأسنان وجراحتها هي العامل الرئيسي الذي يحدد درجة قلق الشخص نحو معالجة الأسنان وجراحتها هي العامل الرئيسي الذي يحدد درجة قلق الشخص نحو معالجة الأسنان، مثلا، الأطفال الذين تبدي أماتهم إتجاهات وسلوكيات سلبيةنحو إقتلاع الأسنان وعلاجها، هم أكثر قلقا نحو ذلك، مقارنة بالأطفال الذين تبدي أمهاتهم إتجاهات طبيعية واقل قلقا , لقد بين ميلزاك أن الألم أكثر من مجرد خبرة حسية بسيطة وفردية . فقد إقتراح لخبة الألم ابعادا غضافية _ غير البعد الحسي _ هذه الأبعاد هي :
* البعد الدافعي او النزعوي او الوجداني الذي يعزى الى الصفة الإنفعالية والوجدانية غير السارة التي تميز الألم عن غيره من الإنفعالات الاخرى . ويمكن للألم أن يؤثر بكل اشكال السلوك الأخرى ويطبعها بطابعه السلبي .
* البعد المعرفي التقويمي، الذي يؤثر في إدراك الألم ويدخل في ذلك العوامل الثقافية والإجتماعية والعوامل الموقفية الخاصى بالوضع .لقد أتى ميلزاك بالعديد من الأدلة التي تدعم إتجاهه في القول بأن للألم ثلاثة أبعاد .
ومن الامثلة التي طرحها، المرض النادر المسمى بعدم الحساسية الخلقية ( الفطرية ) للألم وهو العض الذي يميز بعض الأشخاص الذين لا يعانون إطلاقا من خبرة الألم . والمعيار التالي هو ما يميز هذه الحالة :
1- النقص ( العرض المرضي) يجب أن يظهر منذ الولادة وليس مكتسبا او ناتجا عن مرض ما أو صدمة معينة .
2- عدم الحساسية الخلقية للالم يجب أن يتم تعميمها الى كل مثيرات الالم ولكامل أعضاء الجسم أيضا وليس لجزء منه .
3- بقاء الاجهزة الحسية الأخرى سليمة تماما ( كاللمس، والإحساس بالحرارة والبرد والضغط )
إن هؤلاء الأفراد يتميزون بعدم حساسيتهم للألم فقط دون غيرها من الحالات النفسية الأخرى .إن النثيرات المؤلمة تستدعي الإحساس بالوخز أو الإهتياج الخفيف والحكة او الإثارة، ففي كلا الحالتين ( اي حالتي الألم المزمن وفقدان الحساسيةالخلقية للالم ) لا يوجد أي خلل عصبي أو عضوي، فالعلاقة المنطقية المتوقعة بين الخبرة الشخصية وأعضاء الجسم غير موجودة تماما .
نظرية التحكم ببوابة الالم
إن نظرية بوابة الالم والتحكم بها قد تم وضعها من قبل العالمين ميلزاك و ول وذلك لتقدر :
1- الدرجة العليا من التخصص الفيزيولوجي للمستقبلات والالياف العصبية والاثار الشوكية للجهاز العصبي المركزي .
2- التاثير المباشر للعمليات السيكولوجية على إدراك الألم والإستجابة له .
3- إستمرار الالم المرضي والاكلينكي بعدالعلاج .
تفترض هذه النظرية أن الاليات العضويةالعصبية للاقران الظهرية للحبل الشوكي تعمل بما يشبه البوابة التي يمكنها أن تزيد أو تنقص منتدفق النبضات او الدفعات العصبية من الالياف المحيطةالىالجهاز العصبي المركزي . ولذلك يكون المدخل الجسمي عرضةلتاثر معدل من البوابةقبل أن يستدعي إدراك الالك والاستجابة له . إن الدرجة التي تزيد من خلالها البوابة أو تنقص النقل العصبي الحسي تتحدد عن طريق النشاط المتعلق بالسماكة العليا لألياف بيتا _A والسماكة الصغرى لألياف دلتا B -، وعن طريق صعود الآثار من المخ نفسه . وعندما تكون المعلومات التي تمر عبر البوابة فإنها تتخطى المستوى الحرج، وتنشط المناطق العصبية المسؤولة عن خبرةالالم والإستجابة له .
مرضى الالم المزمن
إن خبرةالألم عادة ما تكون قصيرةومن الشائع دوث الالام الناتجة عن الم الأسنان والجروح والرضوض والكدمات بحيث تكونآثارها واضحة وتستدعي المساعدة .إلا أن الألم المزمن أقل وضوحا من السابق واقل تميزا من حيث طبيعته واسبابه ومظاهره، كما أن آثاره تمتد لتشمل كامل الشخصية وليس جزءا معينا من جسمه . وإن الوضع بالنسبة للذين يعانون من الألم المزمن قد تم وصفه على أنه أحد الأشكال التي تنتهي فيها عند الشخص حالات الرغبة والامل والرغبة، بحيث يسيطر عليه طوال حياته . لقد دلت العديد من هذه الحالات على أن الالم المزمن، إذا طال فإنه يبدل من إدراك الفرد المتألم ونشاطه . وحالما يحدث هذا التغيير، فإن أشكالا من السلوك تكون أكثر إجرائية وعملية نتيجة إستدعاء الإحساس بالالم، أكثر منها حالة الصدمة العضوية الأصلية . هناك بعض الادلة التي تدعم الراي القائل بأن مرضى الألم المزمن يظهرون صفات سيكولوجية مميزة، وأن هذه الخصائص تؤثر على إستجابتهم للعلاج . لقد طبق ستيرنباخ ودولف ومورفي واكسون إختبار مينسوتا متعدد الاوجه للشخصية، وقارنوا بين إستجابات مجموعة من مرضى الألم الحاد لاكثر من 6 اشهر معإستجابات مجموعة مشابهة من مرضى الالم المزمن ولاكثر من 6 أشهر أيضا .
لقد تم الحصول على البروفيل الخاص بمرضى الالم الحاد والمزمن كما بينه الإختبار، إن المتوسط ( المعدل) بالنسبة للناس الطبيعيين قد إعتبرت الدرجة 50، والدرجات التي تزيد عن إنحرافين معياريين فوق المتوسط 70 وما فوق .
لقد إختلفت المجموعتان بشكل ذي دلالة إحصائية في المقاييس الثلاثة الأولى للإختبار، وهي توهم المرض ( الانشغال الزائد بأعضاء الجسم والصحة وتوهم المرض) HYPOCHANDRIASIS والإكتئاب والهيستيريا ( يبدو على شكل اعراض متنوعة في الحس والحركة او الذاكرة بالرغم من وجود اي خلل عضوي عصبي -لذلك سميت تحويلية، لأنها تحويل للصراعات النفسيةاللاشعورية الى حالة خلل عضوي ظاهر )
إن المعايير الثلاثةمجتمعة تضم ما يسمى بـ سمة العصابية وأؤلئك الأشخاص الذين يعانون من الألم المزمن قد حصلوا على درجات ذات دلالة إحصئية من الناحية الإكلينيكية المرضية في هذه المقاييس .
الألم العضوي مقابل الالم النفسي (المنشأ)
بالرغم من ان التشخصي الإكلينكي للألم لا يعطي دورا للعوامل او المتغيرات السيكولوجيةلاي مريض من مرضى الالم، فإن الدراسات والفحوص العصبيةتقدم لنا الكثير من الإجابات حول شكاوى مرضى الألم ومعاناتهم، وحديثا ظهر ميل للنظر الى الألم العضوي كأحد أنواع الألم وأن الالم النفسي (المنشأ) هو النوع الثاني .
إن مصطلح نفسي المنشأ PSYCHOGENIC يعزي ذلك الى "أن اسبابه ذات منشأ نفسي ونتيجة لعوامل سيكولوجية عند الشخص "، حيث ان المريض يتخيل المه الذي لا يكونفي الواقع الما حقيقيا لان الالم العضوي ببساطة غير موجود عنده ابدا فالالم النفسي المنشأ يخبره الشخص بنفس الطريقة التي يخبر فيها الالم العضوي الناتج عنصدمةمعينة . وكلا النوعين من الالم، لهما نفس رجة الاذى والازعاج . وفوق ذلك، وكما يتبين من نظرية ميلزاك في الية ضبط البوابة فإن خبرة الالم قد تثار بواسطة أحداث سيكولوجية من خلال تنشيط وتفجير عملية الضبط العصبي المركزي .
وعلاوة على ذلك / حتى غذا ما أدثت الصدمة الخلل العضوي في السايق، فإن إجتماع الخبرات السابقة والخبرات النفعالية الحالية يمكن أن يستدعي خبرة الالم الحقيقة والاصلية نفسها .واوضح مثال على ذلك حالة الشخص الذي تم علاجه منالم عضوي المنشأ، حيث نلاحظه يعاني من عودة الالم طوال فترة إنفعاله السلبي ومعاناته للاكتئاب . فحين يكون فرحا ومسرورا ن فإن الالم يختفي، وحين يكونحزينا ومكتئبا يعاوده شعوره بالالم مرة ثانية .
إن كلا النوعين من الالم ( العضوي والنفسي ) يتشابهان مع مرور الوقت عند الفرد وخلال محاولته المتسمرةفي التكيف مع وجعه ووضعه .
لقد اظهرت الدراسات ان الانشغال الزائد والمستمر بالجسد واعضائه هوالعنصر الاساسي والمشترك لمرضى الالم النفسي والعضوي .ووفقا لدراسة انجل فإن الافراد الذي يميلون للانشغال بإعضائهم ويعانون من توهم المرض يتميزون بالخصائص التالية :
1- مشاعر الذنب المستمر التي تميل للإختفاء عن طريق معاناة الالم وخبرته .
2- تاريخ الاسرة المتميز بالقسوة و العقاب الجسدي والتي تعاني الكثير من الصدمات العضوية والخلل الفحوصات والمعليات الجراحية .
3- عدوان وغضب عنيف موجه نحو الآخرين والذي نادرا ما يتم التعبير عنه بطريقةمباشرة، ولكنه بدلا من ذلك فإنه يوجهنحو الذات ويأخذ شكل المعاناة والألم .
4- صراعات نفسيةمتعلقة بالدوافع الجنسيةعادة ما تكون لا شعورية ويرافقها بعض منمشاعر الذنب والعدوان وتظهر جميعها بشكل غير مباشر ورمزي على شكل خبرة الالم .
5- ان نمو الالم وتطوره غالبا ما يرتبط بفقدان شخص عزيز او قريب .
بالرغم من أن هذه الصفات السيكولوجية جميعها ليس لها اساس تجريبي كاف فإنه من غير المشكوك فيه إطلاقا أن معاناة الشخص للالم المزمن يصبح مركز الانشغال والاهتمام والمميز الاساسي لحياة الأفراد الذي يعانون هذا النوع من الالم _ هذا الانشغال الدائم في الالم ووضع الجسد والتوهم له الدور الحاسم في إزمان الالم .
قال ساس ان الاشخاص الذين يعانون من توهم المرض يحملون درجة بكالوريوس في الالم، والاشخاص العاجزين الذين اجرواالعديد من العمليات الجراحية فانهم يحملون درجةدكتوراه في الالم والمرضى الذين يوصفون بأنهم يعانون من الم غير قابل للشفاء ( اصحاب الالم المزمن النفسى المنشأ ) يحملون جائزةنوبل في الالم .



التعليقات