ميشيل فوكو كاتب شهير يحظى بعدد غير متناه من القراء في فرنسا والخارج؛ فهو يكتب ضمن شريحة واسعة من الموضوعات حدّ أنك تجد بين قراءه الكثير من المهتمين بالأدب والفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع والسياسة والطب النفسي والطب واللسانيات والسميوطيقا. وهو كاتب رشيق العبارة، وإن بدا غامضا للبعض؛ كاتب يتسم بالجرأة والتميز على نحو صار فيه شخصية تفرض حضورها في الأوساط الثقافية العالمية. ولما كان دوره مهم في النظرية الاجتماعية، وقع الاختيار على عرض الكتاب الحالي، مع قدمه نسبياً، وذلك لأهميته الواضحة في حقل السوسيولوجيا، ولا سيما النظرية، الذي غالباً ما يتم تصويره بوصفه ينطوي على حدود واضحة وتقسيمات فرعية مرتبة وباراديمات متنوعة.

يعنى هذا الكتاب بما وصلت إليه عبقرية فوكو وطروحاته وأفكاره التي فرضت نفسها دون منازع. لكن ترجمة نتاجات مبدع مثله أمرٌ عسير للغاية لوجود اهتمامات مختلفة ضمن صعد ثلاثة: اهتمامات المؤلفين واهتمامات القراء واهتمامات الكاتب نفسه. ويأتي كتابتنا ليعزز سمعة مؤلفيه بوصفهما أبرز مفسران أمريكيان لما بعد البنيوية الفرنسية. ويتناول المؤلفان في توطئة الكتاب أسئلة مهمة تمنح القارئ نفسه رؤى عميقة من الإجابات المرفقة بها في الوقت الذي ترفض فيه إغراء التبسيط الساذج لأسلوب فوكو المتسم بالغموض القصدي. يتألف الكتاب من مقدمة وافية فيها عرض مكثف لممل النظرية، وأربعة فصول يشكل الفصل الأول منها ترسيمة واضحة للمسار الذي سلكه فكر فوكو، ويناقش الفصلان التحليليان حفرياته التاريخية ومفهوم سلطة المعرفة قبل أن نصل إلى الفصل الأخير الذي يعمد، وبأسلوب نقدي متميز، إلى تقويم إسهامات هذا المُنظِّر الاجتماعي المهم والإشكاليات التي يثيرها . أما المناقشة الختامية فتتقصى مضامين أهم المفاهيم السوسيولوجية عند فوكو في حقول السلطة والنظرية والمنهج بطريقة تربط ما بعد البنيوية بالتراث السوسيولوجي الكلاسيكي ببراعة. وجدير بالذكر أن فصول الكتاب تتمحور حول الأسئلة التي كثيرا ما يطرحها قراء فوكو المتعطشين للإرشاد والوضوح والتفسير الوافي. ويبدو أن هذه الأسئلة تنقسم على أربعة أنواع، على الأقل، يمكن طرحها عن كتابات فوكو:

ـ من أين جاء فوكو؟

يرغب أي قارئ لفوكو بمعرفة خلفيته الفكرية لأنه يبدو لمعظم قراءه قادماً من لا مكان. قد يرجع سبب ذلك إلى رفضه ذكر أسماء الذين تأثر بهم، وكذلك بسبب منهجه الذي لا يحمل هوية انتماء. إلا انه في الحقيقة يمتلك خلفية واضحة تتجلى في رفضه لفكرة تأسيس تراث للفكر. ولهذا السبب يفسر الفصل الأول من هذا الكتاب أسباب عدم إمكان حشره في خانة " الماركسي " أو " البنيوي " أو " السميوطيقي ". وقد بين المؤلفان في هذا الفصل انه على الرغم من ان فوكو يرتكز في أعماله على مؤرخي " الحوليات " وتاريخ العلم عند باشلار بالضبط مثلما يرتكز على نيتشه، نجده منشغلاً بالأسئلة التي أثاروها أكثر من اهتمامه بإجابتهم. ولعل أهم المشكلات التي يسلط فوكو عليها الضوء هي مشكلات التاريخ ومعرفة الإنسان واللغة.

لماذا يكتب بهذه الصورة؟

هذا سؤال كثيراً ما يثار عن فوكو؛ فقد اتُهم بأنه يتعمد الغموض إلا أن هذا الاتهام يسير باتجاه معاكس لحقيقة انه يطرح ما يقوله بقصدية واضحة. فإذا كان فوكو يثير انطباع الغموض في نفوس قراءه؛ فهذا له أسبابه ولا شك. وقد يثار الجدل بشأن الأسباب التي يذكرها هو، إلا أن صعوبة أسلوبه لا ترجع لكونه غير بارع أدبيا فأسلوبه الأدبي انعكاس مباشر لمنهجه الفكري، ولا سيما التاريخي. ولهذا السبب يتناول الفصل الثاني منهج فوكو، إلا انه يبدأ بتفسير الكيفية التي يرتبط بها منهجه بالمواصفات الأسلوبية التي تسبب الاضطراب لدى القراء، وحاول المؤلفان، في مناقشاته لمنهج فوكو، تبيان تحرر القراء من الفكرة التي تقول بأهمية كتابه " حفريات المعرفة " بقوله أن هذا الكتاب لا يعد بيانا منهجيا، وإن كان يقدم إرشادات مقبولة. وأكد في هذا الفصل، والفصول الأخرى، أنه لفهم ما يحاول فوكو القيام به، ينبغي للقارئ أن يطلع على دراساته التاريخية تحديداً.

ـ ما الذي يرمي إليه؟

لابد من طرح هذا السؤال ملفوفا بشيء من الغموض والإيهام. ففوكو لا يكتب لغرض التعليم أو لتعزيز خط سياسي أو فلسفي معين، بل ان كتاباته تعد تاريخية من زاويتين: (1) تسعى دراساته التاريخية إلى تفسير الظروف التي تمخضت عنها صراعات اجتماعية معينة في مجتمعنا. (2) انه يكتب بنفس سياسي، بمعنى انك تجده يتحدى التراث في كل موضع، ويعمل على فرض أسئلة جديدة بوساطة مناهج جديدة. ولهذا السبب تجده يرمي إلى شيء أشبه ما يكون بسلسلة من المشكلات.

ويسلط الفصل الثالث الضوء على جوهر الإطار النظري عند فوكو؛ فهو يرفض العمل ضمن أي تخصص أكاديمي أو أدبي يتم تحديده تحديدا ضيقا أو فضفاضا، بل يعمل عبر حدود شاسعة تربط بين الحقول المعرفية على نحو يجمع فيه بين التاريخ والفلسفة والسياسة وهذا الأمر يشتمل على ابرع ما برز به فوكو، واعني به في مجال " السلطة / المعرفة "، وكذلك على الحقل الذي أسئ فهمه فيه، أي: " الخطاب ". وبعد تبيان تطور هذه المفاهيم الأساسية، يسعى هذا الفصل إلى تحليل الطريقة التي لعبت فيها هذه المفاهيم دورا بارزا في دراساته التاريخية ومقالاته الفلسفية. كما يقدم المؤلفان مناقشات ذات صلة بأهم مفاهيمه التي تصف السلطة / المعرفة وتحللها، وهذه المفاهيم هي: الانتهاك، الجسد، السياسة، الموت.

ـ أين موضع الخطأ عند فوكو ؟ ولماذا نكلف أنفسنا عناء قراءته؟

القضايا النقدية المبثوثة في الفصل الرابع تعرض، بوضوح، للمشكلات الكبرى في أعمال فوكو وتتأمل، بصراحة، بالإسهامات التي قدمها للنظرية الاجتماعية. ولم يحاول المؤلفان إدراج أو تلخيص كل ما كُتب عن فوكو، بل اتسم نقدهما بالمحاثية. وربما كان من العبث افتراض انه لو اتبعا فوكو مساراً آخر لتجنب الفخ الذي هو فيه الآن، بل ربما قد يقال انه لو كان ماركسيا أكثر مما هو عليه الآن، لكان تحليله الطبقي اكثر وضوحا، ولو قدم تاريخا تقليديا لدامت حقائقه أكثر من التأويلات المعتادة، ولو لم يرفض الظاهراتية رفضاً قاطعاً لقدم لنا حلا افضل لمشكلة الذات. لكن لأنه ليس ماركسيا أو وضعيا أو ظاهراتياً أو أي شئ آخر على وجه الخصوص، يصعب تقويم عمله تقويماً تقليديا.

وتجدر بالإشارة هنا إلى أن هذا الكتاب يضم ملحقا مهما جداً بعنوان " المفاهيم التي استعملها فوكو " ويعد دليلا مفيدا للمشكلات التي يجدها قارئ فوكو. ورغم كل محاولات تبسيط أسلوب فوكو يبقى الأمر مثلما أشار إليه فوكو نفسه الذي يصر على ان التفكير والكتابة لا بد أن يكونا خـارج حدود المألوف. وربما كان من غير المجدي كتابة دليل عن رائعة جيمس جويس " عوليس"، لكن فوكو مثل جويس؛ العرى بين أسلوبه وفكره لا انفصام لها وحقيقة أنه يحظى بعدد متزايد جدا من القراء المثقفين من مختلف الحقول المعرفية توحي بشيء ما عن أهميته. ولعل لمثل المسألة أهمية بالغة لأنها تدلنا على الطريقة التي نقارب بها فوكو.

ربما يكون فوكو أروع ما يكون حينما يتخصص في عمله في مشكلات تاريخية أو أدبية أو فلسفية، ويرجع ذلك إلى سببين، أولهما تعقيد دراساته الامبريقية تعقيدا نظريا. وثانيا: تغاضيه عن التقليد لأنه ينتهك القواعد التقليدية. ويعني هذان السببان انه يستمر بتقديم التاريخ الاجتماعي والنظرية الاجتماعية في الوقت الذي يتحداهما معا ويبدو لنا أن هذا هو افضل نموذج للعمل في زمن مثل زماننا الراهن، فضلا عن انه يتطلب منا أن نقرأ فوكو بعناية أكبر، لا بوصفه بطلا بل عاملا فاعلا في أبحاث المستشفيات والسجون والأكاديميات و.. الخ، وليس عاملا في مجال إيجاد نظرية عامة للمجتمع أو للإنسان وهذا يعني أننا ينبغي أن نقرأه بمصطلحاته هو، وهذا هو بالضبط ما حاول المؤلفان القيام به هنا في هذا الكتاب.