‬يقول‮ ‬مرشال‮ ‬مكلوهن‮ ‬ان‮ ‬الشعر‮ ‬كسائر‮ ‬الفنون‮ ‬الكتابية‮ ‬محكوم‮ ‬ عليه‮ ‬بإخلاء‮ ‬مكانه‮ ‬للوسائط‮ ‬السمعمرئية‮. ‬ومع‮ ‬ذلك،‮ ‬فقد‮ ‬يكون‮ ‬في‮ ‬مقدور‮ ‬الشعر‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬العصر‮ ‬المخيف‮ ‬الذي‮ ‬يصوره‮ ‬لنا‮ ‬المتنبىء‮ ‬الكندي،‮ ‬ان‮ ‬ينجو‮ ‬من‮ ‬هذا‮ ‬المصير‮ ‬لأنه‮ ‬ليس‮ ‬فنا‮ ‬كتابيا‮ ‬فحسب،‮ ‬وهذا‮ ‬رغم‮ ‬فشل‮ ‬كل‮ ‬المحاولات‮ ‬لضمه‮ ‬الى‮ ‬الفنون‮ ‬السمعمرئية‮ (‬وبعض منها‮ ‬التلفزيون‮). ‬ومهما‮ ‬يكن‮ ‬من‮ ‬امر،‮ ‬فان‮ ‬السؤال‮: "‬هل‮ ‬يوجد‮ ‬مستقبل‮ ‬لـ‮..." ‬هو‮ ‬سؤال‮ ‬من‮ ‬الطراز‮ ‬العصري‮. ‬قبل‮ ‬عشرات‮ ‬السنين‮ ‬طرح‮ ‬سؤال‮ ‬كهذا‮ ‬فيما‮ ‬يخص‮ ‬الرواية‮ ‬كنوع‮ ‬فني ؛‮ ‬وقبل‮ ‬سنوات‮ ‬ليست‮ ‬بعيدة‮ ‬اعلن‮ ‬رواد‮ ‬الفن‮ ‬المفهومي‮ ‬أن‮ ‬الرسم‮ ‬بشكله‮ ‬التقليدي‮ ‬قد‮ ‬مات‮ ‬نهائيا،‮ ‬وأما‮ ‬سيمون‮ ‬دي‮ ‬بوفوار‮ ‬فقد‮ ‬حاولت‮ ‬ان‮ ‬تعرف،‮ ‬مجاراة‮ ‬لروح‮ ‬العصر،‮ ‬هل‮ ‬الجنس‮ ‬النسائي‮ ‬ما‮ ‬زال‮ ‬موجودا‮ ‬وهل‮ ‬نتوقع‮ ‬له‮ ‬مستقبلا‮.‬

الحقيقة‮ ‬هي‮ ‬أن‮ ‬الرواية‮ ‬ما‮ ‬زالت‮ ‬حية،‮ ‬بل‮ ‬انها‮ ‬اثبتت‮ ‬قدرتها‮ ‬على‮ ‬التكيف‮ ‬وتطوير‮ ‬الشكل‮ ‬اكثر‮ ‬مما‮ ‬كان‮ ‬متوقعا‮ ‬لها؛‮ ‬وأن‮ ‬فن‮ ‬الرسم،‮ ‬اذا‮ ‬اخذنا‮ ‬بالإعتبار‮ ‬مدى‮ ‬الإقبال‮ ‬عليه،‮ ‬فهو‮ ‬لم‮ ‬يعرف‮ ‬أياما‮ ‬خيرا‮ ‬من‮ ‬أيامنا‮ ‬هذه؛‮ ‬وأما‮ ‬الجنس‮ ‬النسائي،‮ ‬فرغم‮ ‬كل‮ ‬التكهنات‮ ‬المتفائلة‮ ‬او‮ ‬المتشائمة‮ - ‬حسب‮ ‬زاوية‮ ‬الرؤية‮ ‬طبعا‮ - ‬فهو‮ ‬الآخر‮ ‬لم‮ ‬يعد‮ ‬زائدا‮ ‬ عن‮ ‬الحاجة‮. هذا‮ ‬لا‮ ‬يعني‮ ‬بطبيعة‮ ‬الحال‮ ‬أن‮ ‬كل‮ ‬شيء‮ ‬على‮ ‬ما‮ ‬يرام‮ ‬في‮ ‬مملكة‮ ‬الشعر‮. ‬ولا‮ ‬نقصد‮ ‬هنا‮ ‬ ان‮ ‬ما‮ ‬كتب‮ ‬من‮ ‬شعر‮ ‬ذي‮ ‬قيمة‮ ‬هو‮ ‬بكمية‮ ‬كافية،‮ ‬او‮ ‬ان‮ ‬كمية‮ ‬الشعر‮ ‬المكتوب‮ ‬لا‮ ‬تسيء‮ ‬ابدا‮ ‬لقيمته‮. ‬وثمة‮ ‬أسئلة‮ ‬متفرعة‮ ‬اخرى‮ ‬تتعلق‮ ‬بجمهور‮ ‬القراء‮ - ‬هل‮ ‬هو‮ ‬في‮ ‬تزايد‮ ‬ام‮ ‬تقلص،‮ ‬هل‮ ‬ذوقه‮ ‬في‮ ‬صعود‮ ‬ام‮ ‬هبوط‮ - ‬وكذلك‮ ‬لعدد‮ ‬قراء‮ ‬الشعر،‮ ‬اي‮ ‬مقتني‮ ‬الكتب،‮ ‬وللمكانة‮ ‬التي‮ ‬يحتلها‮ ‬الشعر‮ ‬بين‮ ‬الجمهور‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬وسائل‮ ‬الإعلام‮ ‬وبرامج‮ ‬دور‮ ‬النشر‮. ‬وفوق‮ ‬كل‮ ‬هذا‮ ‬وذاك،‮ ‬من‮ ‬يشعر‮ ‬بالخسران‮ ‬في‮ ‬عالم‮ ‬بلا‮ ‬شعر،‮ ‬وما‮ ‬هو‮ ‬الخسران‮ ‬بالضبط‮.‬

ان‮ ‬اقصاء‮ ‬الشعر‮ ‬الى‮ ‬هوامش‮ ‬عالم‮ ‬الكتب‮ ‬الذي‮ ‬تتصدره‮ ‬روايات‮ ‬سقيمة‮ ‬وكتب‮ ‬الطبخ‮ ‬ومذكرات‮ ‬سياسيين‮ ‬ومخادعين‮ ‬ذوي‮ ‬شهرة،‮ ‬كما‮ ‬أن‮ ‬انسحابه‮ ‬امام‮ ‬الأغاني‮ ‬الرائجة‮ ‬الرخيصة‮ ‬على‮ ‬منوال‮ "‬ميا‮-‬هيملايا‮" ‬وأغاني‮ "‬الخنافس‮" ‬الشعرية‮ ‬على‮ ‬حد‮ ‬سواء،‮ - ‬كل‮ ‬هذا‮ ‬اصبح‮ ‬معروفا‮ ‬لدى‮ ‬الجميع‮ ‬وليس‮ ‬في‮ ‬مجتمعنا‮ ‬فحسب‮. ‬يكفي‮ ‬للمرء‮ ‬أن‮ ‬يقيم‮ ‬فترة‮ ‬قصيرة‮ ‬في‮ ‬اي‮ ‬بلد‮ ‬كان‮ - ‬ولنأخذ‮ ‬انكلترا‮ ‬على‮ ‬سبيل‮ ‬المثال‮ - ‬لكي‮ ‬يتحقق‮ ‬من‮ ‬اقصاء‮ ‬الشعر‮ - ‬والكلام ‬هنا‮ ‬عن‮ ‬الشعر‮ ‬الإنكليزي‮ ‬الرفيع،‮ ‬ذخيرة‮ ‬كل‮ ‬مثقف‮ ‬انكليزي‮ ‬او‮ ‬غيره‮ ‬في‮ ‬الأجيال‮ ‬الماضية‮ - ‬الى‮ ‬متحف‮ ‬الدمى‮ ‬الشمعية‮ ‬للسائح‮ ‬الباحث‮ ‬عن‮ ‬المآثر‮ ‬التاريخية،‮ ‬والى‮ ‬قاعات‮ ‬ المحاضرات‮ ‬في‮ ‬الجامعات؛‮ ‬وأما‮ ‬بخصوص‮ ‬الشعر‮ ‬المعاصر،‮ ‬فالإقصاء‮ ‬هو‮ ‬الى‮ ‬دوائر‮ ‬المنح ‮ ‬الحكومية،‮ ‬حيث‮ ‬تؤخذ‮ ‬القرارات‮ ‬لأية‮ ‬مجلة‮ ‬مملة‮ ‬ومغمورة‮ ‬تمنح‮ ‬الصدقة‮ ‬الرسمية‮ ‬وما‮ ‬ مقدارها‮. ‬
‮ ‬
‮‬من‮ ‬الجدير‮ ‬بنا‮ ‬ان‮ ‬نذكر‮ ‬ازمنة‮ ‬اخرى‮ ‬كان‮ ‬فيها‮ ‬الشعر‮ ‬في‮ ‬متناول‮ ‬الكثيرين‮ ‬وان‮ ‬لم‮ ‬يكونوا‮ ‬الأغلبية‮. ‬بهذا‮ ‬الأمر‮ ‬يحدثنا‮ ‬الشاعر‮ ‬ادوين‮ ‬ميور‮ ‬عن‮ ‬اسكوتلندا‮ ‬من‮ ‬ايام‮ ‬ طفولته‮ ‬وصباه‮ - ‬ويقصد‮ ‬جزر‮ ‬اوركناي‮ ‬النائية‮ ‬وليس‮ ‬المراكز‮ ‬المدنية‮ ‬كأدنبرا‮ ‬وغلاسك و‮ - ‬حيث‮ ‬احتل‮ ‬الشعر‮ ‬محل‮ ‬الصحافة‮ ‬في‮ ‬ايامنا‮ ‬هذه‮. ‬الناس‮ ‬كانوا‮ ‬يحفظون‮ ‬الأشعار‮ ‬التي‮ ‬يحبونها،‮ ‬اذ‮ ‬أن‮ ‬الشعر‮ ‬كان‮ ‬ملكا‮ ‬للجميع،‮ ‬مرآة‮ ‬تتطلع‮ ‬فيها‮ ‬الأجيال‮ ‬الى‮ ‬صورتها‮ ‬في‮ ‬الحاضر‮ ‬والماضي‮. ‬بالنسبة‮ ‬لهم،‮ ‬كان‮ ‬الشعر‮ "‬امرا‮ ‬طبيعيا،‮ ‬شحذا‮ ‬للمشاعر‮ ‬والخيال‮"‬‮. ‬الأقلية‮ ‬فقط‮ ‬كانت‮ ‬تهتم‮ ‬بالصحف،‮ ‬اذ‮ ‬فيها‮ ‬يقرأ‮ ‬المرء‮ ‬عن‮ ‬امور‮ ‬لا‮ ‬علاقة‮ ‬مباشرة‮ ‬له‮ ‬بها،‮ ‬امور‮ ‬غريبة‮ ‬حدثت‮ ‬في‮ ‬اماكن‮ ‬بعيدة‮ ‬ولمخلوقات‮ ‬اخرى،‮ ‬امور‮ "‬محسومة‮" ‬ومغلقة‮ ‬امام‮ ‬الخيال‮. ‬المكتوب‮ ‬في‮ ‬الصحيفة‮ ‬لا‮ ‬يمكن‮ ‬انشاده‮ ‬في‮ ‬الأعياد‮ ‬والمواسم،‮ ‬ومصائر‮ ‬الغرباء‮ ‬لم‮ ‬تكن‮ ‬لتثير‮ ‬تعاطف‮ ‬اي‮ ‬اسكوتلندي‮ ‬على‮ ‬غرار‮ ‬ ما‮ ‬كانت‮ ‬تثيره‮ ‬الأشعار‮ ‬عن‮ ‬مصير‮ ‬Bonnie‭ ‬Prince‭ ‬Charles‮ ‬العاثر‮.‬

الشعر‮ ‬كملك‮ ‬للجميع،‮ ‬كمعبر‮ ‬عن‮ ‬وعي‮ ‬القبيلة،‮ ‬وكصياغة‮ ‬دراماتيكية‮ ‬لوقائع‮ ‬الفرد‮ ‬بكونه‮ ‬جزءا‮ ‬من‮ ‬مجموع‮ ‬،‮ - ‬تعريف‮ ‬كهذا‮ ‬للشعر‮ ‬لم‮ ‬يعد‮ ‬مقبولا‮ ‬اليوم‮ ‬،‮ ‬ان‮ ‬لم‮ ‬نقل‮ ‬ممجوجا،‮ ‬سواء‮ ‬في‮ ‬لندن‮ ‬وغلاسكو‮ ‬او‮ ‬في‮ ‬باريس‮ ‬ونيو‮ ‬يورك‮. ‬في‮ ‬اسرائيل‮ ‬ما‮ ‬زالت‮ ‬عملية‮ ‬اقصاء‮ ‬الشعر‮ ‬من‮ ‬المركز‮ ‬الى‮ ‬الهامش‮ ‬حديثة‮ ‬العهد،‮ ‬بينما‮ ‬في‮ ‬اوروبا‮ ‬الغربية‮ ‬فتغريب‮ ‬الشعر‮ ‬مما‮ ‬يحيطه‮ - ‬اي‮ ‬كل‮ ‬ما‮ ‬يتعلق‮ ‬بالحياة‮ ‬السياسية‮ ‬والعامة‮ - ‬قد‮ ‬بلغ‮ ‬شأوا‮ ‬بعيدا‮.‬
‮ ‬

ما‮ ‬هو‮ ‬دور‮ ‬الشعر‮ ‬نفسه‮ ‬في‮ ‬هذه‮ ‬العملية،‮ ‬وبأي‮ ‬مدى‮ ‬اعتبرها،‮ ‬وربما‮ ‬ما‮ ‬زال‮ ‬يعتبرها، ‬تطورا‮ ‬مرغوبا،‮ ‬او‮ ‬تطورا‮ ‬مؤسفا،‮ ‬وربما‮ ‬هذا‮ ‬وذاك‮ ‬معا؟‮ ‬الجواب‮ ‬هو‮ ‬أن‮ ‬العملية‮ ‬كان‮ ‬ لا‮ ‬بد‮ ‬منها‮ ‬وأنها‮ ‬ايضا،‮ ‬كما‮ ‬هو‮ ‬متوقع،‮ ‬مشتركة‮. ‬الشاعر‮ ‬ابتعد‮ ‬عن‮ ‬جمهور‮ ‬لم‮ ‬يعد‮ ‬يرى‮ ‬فيه‮ ‬جمهوره،‮ ‬واما‮ ‬الجمهور،‮ ‬او‮ ‬قسم‮ ‬منه‮ ‬على‮ ‬الأقل،‮ ‬فقد‮ ‬تعود‮ ‬ان‮ ‬يحيا‮ ‬بدون‮ ‬الشعراء‮ ‬الذين‮ ‬لا‮ ‬يطرقون‮ ‬بابه‮. ‬ولكن‮ ‬البديل‮ ‬للشعر‮ ‬الفردي‮ - ‬وهنا‮ ‬اعود‮ ‬واستشهد‮ ‬بأدوين‮ ‬ميور‮ - ‬ليس‮ ‬بطبيعة‮ ‬الحال‮ ‬الشعر‮ ‬الشعبي‮. ‬فالسبيل‮ ‬لإعادة‮ ‬القارىء‮ ‬الى‮ ‬الشعر،‮ ‬او‮ ‬حتى‮ ‬لإيقافه‮ ‬على‮ ‬مدى‮ ‬الخسارة‮ ‬باختياره‮ ‬ان‮ ‬يحيا‮ ‬في‮ ‬عالم‮ ‬بلا‮ ‬شعر،‮ ‬هو‮ ‬ليس‮ ‬بتسطيح ‬الشعر‮ ‬وتخفيضه‮ ‬لمستوى‮ ‬ادراك‮ ‬قارىء‮ ‬لا‮ ‬رغبة‮ ‬له‮ ‬فيه‮ ‬اصلا‮. ‬اما‮ ‬الحل‮ ‬الذي‮ ‬قد‮ ‬يقترحه‮ ‬المؤمن‮ ‬بالمبدأ‮ ‬الواقعي‮ ‬الشتراكي‮ - ‬حل‮ ‬غايته‮ ‬تحقيق‮ ‬المصالح‮ ‬التي‮ ‬يصبو‮ ‬اليها‮ ‬ - ‬فهو‮ ‬الإنتحار‮ ‬بعينه‮ ‬لكل‮ ‬من‮ ‬لا‮ ‬استعداد‮ ‬له‮ ‬للتضحية‮ ‬بفنه‮ ‬على‮ ‬مذبح‮ ‬تلك‮ ‬المصالح‮.‬
‮ ‬

يبدو‮ ‬لي‮ ‬ان‮ ‬لا‮ ‬حل‮ ‬آخر‮ ‬عدا‮ ‬تجديد‮ ‬الحوار‮ ‬واعادة‮ ‬النظر‮ ‬في‮ ‬الموقف‮ ‬من‮ ‬الشعر‮. ‬لا‮ ‬اقصد‮ ‬بالحوارتلك‮ ‬الندوات‮ ‬العادية‮ ‬حيث‮ ‬الكل‮ ‬يتكلم‮ ‬ويستمع‮ ‬ثم‮ ‬يفترق،‮ ‬وانما‮ ‬لأمر‮ ‬اكثر‮ ‬من‮ ‬هذا‮ ‬واقل‮. ‬قد‮ ‬يكون‮ ‬استعداد‮ ‬الشاعر‮ ‬للتسليم‮ ‬بأن‮ ‬الشعر‮ - ‬كما‮ ‬قال‮ ‬احد‮ ‬النقاد - ‬هو‮ ‬نوع‮ ‬من‮ ‬لقاء‮ ‬يقدم‮ ‬فيه‮ ‬الشاعر‮ ‬الكلمات‮ ‬والقارىء‮ - ‬المعنى‮. ‬وبعبارة‮ ‬اخرى،‮ ‬التسليم‮ ‬بأن‮ ‬الجمهور‮ - ‬والجمهور‮ ‬موجود،‮ ‬من‮ ‬يعارض‮ ‬ذلك؟‮ - ‬هو‮ "‬شريك‮ ‬في‮ ‬اللعبة‮"‬،‮ ‬وبأن‮ ‬الشعراء‮ ‬ايضا‮ - ‬مثلهم‮ ‬مثل‮ ‬لاعبي‮ ‬الكرة‮ - ‬لا‮ ‬متعة‮ ‬لهم‮ ‬في‮ ‬عزلتهم‮ ‬،‮ ‬واغلبهم‮ ‬لا ‬يجيدون‮ "‬اللعب‮" ‬طويلا‮ ‬بدون‮ ‬جمهور‮. ‬لا‮ ‬مناص‮ ‬للشاعر‮ ‬احيانا،‮ ‬بل‮ ‬من‮ ‬الضروري‮ ‬له،‮ ‬ ان‮ ‬لا‮ ‬يكتب‮ ‬للآخرين،‮ ‬الا‮ ‬أنه‮ ‬يجد‮ ‬نفس‮ ‬احيانا‮ ‬مدفوعا‮ ‬بنزعته‮ ‬الطبيعية‮ ‬ان‮ ‬يجدد‮ ‬الميثاق‮ ‬الإجتماعي‮ ‬للشعر،‮ ‬اي‮ ‬ان‮ ‬يعترف‮ ‬ويقر‮ ‬بأنه‮ ‬هو‮ ‬والقارىء‮ ‬يتواجدان‮ ‬في‮ ‬نفس‮ ‬المكان‮. ‬هذا‮ ‬على‮ ‬الأقل‮. ‬

بهذا‮ ‬الشأن‮ ‬كتبت‮ ‬فيرجينيا‮ ‬وولف‮ ‬في‮ "‬رسالة‮ ‬لشاعر‮ ‬شاب‮": " ‬كيف‮ ‬تستطيع‮ ‬أن‮ ‬تلج‮ ‬عالم ‬أناس‮ ‬آخرين؟‮ ‬هذه‮ ‬مشكلتك‮ ‬الآن،‮ ‬أن‮ ‬تجد‮ ‬العلاقة‮ ‬الصحيحة،‮ ‬وانت‮ ‬واع‮ ‬لذاتك،‮ ‬بين‮ ‬ال أنا‮ ‬المعروف‮ ‬لديك‮ ‬وبين‮ ‬العالم‮ ‬الخارجي‮. ‬انها‮ ‬لمشكلة‮ ‬صعبة‮". ‬في‮ ‬هذه‮ ‬الرسالة‮ ‬عبرت عن‮ ‬رؤيتها‮ ‬الشخصية‮ ‬على‮ ‬غرار‮ "‬رسالة‮" ‬ريلكة‮ ‬المعروفة‮ ‬اكثر‮.‬

والآن‮ ‬لمسألة‮ ‬اعادة‮ ‬النظر‮ ‬في‮ ‬الموقف‮ ‬من‮ ‬الشعر‮. ‬الشعر‮ ‬هو‮ ‬الكتيبة‮ ‬الطليعية‮ ‬الحقة ‬وكتيبة‮ ‬المؤخرة‮ ‬الحقة‮ ‬ايضا‮. ‬الشعر‮ ‬يسبك‮ ‬بالكلمات‮ ‬الصورة‮ ‬المتغيرة‮ ‬للتجربة‮ ‬الإنسانية،‮ ‬وذلك‮ ‬عن‮ ‬طريق‮ ‬انعاش‮ ‬اللغة‮ ‬المستمر‮ ‬وتجديد‮ ‬قواها‮. --- ‬وعلى‮ ‬هذا،‮ ‬فلا‮ ‬بد‮ ‬للشعر‮ ‬من‮ ‬ان‮ ‬ينهج‮ ‬ابدا‮ ‬نهج‮ ‬التجدد‮ ‬المتواصل،‮ ‬ولا‮ ‬بد‮ ‬له‮ ‬من‮ ‬ان‮ ‬يطرح‮ ‬الأسئلة‮ ‬التي‮ ‬ لم‮ ‬تعد‮ ‬أجوبة‮ ‬الأمس‮ ‬ملائمة‮ ‬لها‮. ‬ولكن‮ ‬التجدد‮ ‬لا‮ ‬يعني‮ ‬التحديث‮ ‬لغاية‮ ‬التحديث، ‬رغم‮ ‬أن‮ ‬الغالبية‮ ‬ترى‮ ‬في‮ ‬ذلك‮ ‬عملية‮ ‬مشروعة‮. ‬المشكلة‮ ‬هي‮ ‬ان‮ ‬هؤلاء‮ ‬يسعون‮ ‬للشهرة‮ ‬السريعة‮ ‬وللظهور‮ ‬بمظهر‮ ‬ذوي‮ ‬الأصالة؛‮ ‬فالركض‮ ‬وراء‮ ‬التحديث‮ ‬يؤدي‮ ‬غالبا‮ ‬الى‮ ‬المحاكاة‮ ‬الممجوجة‮: ‬اي‮ ‬محاكاة‮ ‬المحدثين‮ ‬في‮ ‬عمليتهم‮ ‬المتكررة‮. ‬

يقول‮ ‬سترافينسكي‮: ‬في‮ ‬الماضي‮ ‬كان‮ ‬النقاد‮ ‬المحافظون‮ ‬يسخرون‮ ‬من‮ ‬كل‮ ‬تجديد‮ ‬في‮ ‬الموسي قى‮. ‬اما‮ ‬اليوم‮ ‬فالملحنون‮ ‬لا‮ ‬يكادون‮ ‬يسدون‮ ‬رغبات‮ ‬النقاد‮ ‬في‮ ‬التجديد‮. ‬والنتيجة‮ ‬احيانا‮ ‬هي‮ ‬تجديدات‮ ‬لا‮ ‬تثير‮ ‬الإهتمام‮ ‬بعد‮ ‬الإستماع‮ ‬اليها‮ ‬مرة‮ ‬واحدة‮. ‬أما‮ ‬انا‮ ‬فأخشى ‬المادحين‮ ‬اكثر‮ ‬من‮ ‬المعارضين،‮ ‬فمع‮ ‬هؤلاء‮ ‬لا‮ ‬مجال‮ ‬للتفاهم،‮ ‬لا‮ ‬بحاسة‮ ‬السمع‮ ‬ولا‮ ‬بالمنطق‮. ‬فالتعامل‮ ‬معهم‮ ‬ضرب‮ ‬من‮ ‬السياسة‮ ‬الموسيقية،‮ ‬دون‮ ‬الموسيقى‮." ‬

وخلاصة‮ ‬القول‮: ‬الإنسان‮ ‬في‮ ‬حقيقة‮ ‬الأمر‮ ‬تواق‮ ‬للشعر،‮ ‬او‮ ‬على‮ ‬الأقل‮ ‬في‮ ‬حاجة‮ ‬للشعر، ‬اذ‮ ‬بدونه‮ ‬لا‮ ‬يبقى‮ ‬له‮ ‬سوى‮ ‬النثر،‮ ‬وهذا‮ ‬لا‮ ‬يكفي‮. ‬الخطر‮ ‬يكمن‮ ‬في‮ ‬حالة‮ ‬تعوده‮ ‬للحياة‮ ‬بدون‮ ‬شعر،‮ ‬عندما‮ ‬يجهل‮ ‬ما‮ ‬ضاع‮ ‬له،‮ ‬ما‮ ‬تفتقده‮ ‬حياته‮ ‬الروحية‮. ‬الشعر،‮ ‬في‮ ‬نهاية‮ ‬المطاف،‮ ‬هو‮ ‬شجرة‮ ‬الحياة‮ ‬لمن‮ ‬يستظل‮ ‬بظلها،‮ ‬هكذا‮ ‬كان‮ ‬وهكذا‮ ‬ينبغي‮ ‬ان‮ ‬يكون‮. ‬

ناتان زاخ يعتبر أهم شاعر إسرئيلي... لعب دوارا كبيرا في تطوير اللغة الشعرية العبرية وأنتج أعمالا شعرية تتسم بحداثة أثرت على معظم الأجيال الشعرية الجديدة في إسرائيل.

ترجمها عن العبرية الروائي الإسرائيلي (العراقي الأصل) شمعون بلاص

انقر على ما يهمك:
عالم الأدب
الفن السابع
المسرح
شعر
قص

ملف قصيدة النثر
مكتبة إيلاف