حسام شحادة من دمشق: العديد من المصادر التاريخية التي أرخت للمقهى بشكل عام، والمقهى الثقافي بشكل خاص، تؤكد أن ظاهرة المقهى في البلاد العربية تعود إلى نهايات القرن الثامن عشر، حيث ترافق هذا الظهور مع بدايات بروز ظاهرة المثقفين الجدد من خارج الطبقات الأرستقراطية التي كانت أمسياتها تعقد في صالونات منزلية. فقد أتاح المقهى لأبناء الطبقات الوسطى والفقيرة من المثقفين، الحضور والمشاركة في الحوار والجدل الثقافي والسياسي بحرية، وهذا ما أتاح لهذه الفئات دوراً فاعلاً في الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية. وقد حازت المقهى، على اهتمام شريحة اجتماعية واسعة، فهي وإن بدت للوهلة الأولى فرصة للتلاقي والتعارف واللهو، إلا أنها في وقت من الأوقات كانت وسيلة متاحة وحيدة لتنشيط آليات الثقافة والفكر. وقد ذكر الكاتب الفرنسي "لوميير"، أن مقاهي الشرق: "كانت مركزاً فيه حرية التعبير"، والمقهى بعبارة بسيطة هو المكان الذي تقدم فيه القهوة أو المشروبات الأخرى، لكنه تحول مع مرور الوقت إلى ما يشبه البرلمان كمكان لتلاقي الأفكار.
وثمة ارتباط وثيق بين المقهى والمثقف جسدته علاقة دافئة بين أهم عمالقة الأدب والفن، والمقاهي، بارتيادهم إياها وإجراء الحوارات في أجوائها الحميمة إضافة إلى توفير إمكانية الإطلاع على الجديد في عالم الثقافة والأدب والسياسة .. فنجيب محفوظ كان يرتاد مقهى "الفيشاوي" القاهري، منذ كان طالباً في المرحلة الثانوية ومقهى السي عبده الذي ورد ذكره في الثلاثية، وأيضاً مقهى علي بابا الذي كان يفتتح به برنامجه اليومي لسنوات طويلة. كما دأب نجيب محفوظ واعتباراً من عام 1967، على عقد ندوة أسبوعية صباح كل يوم جمعة في المقهى. كما أن الروائي الراحل مؤنس الرزاز كان من بين أكثر الأدباء الأردنيين مواظبة على وقت المقهى باعتباره وقت قراءة الصحف والمجلات ومحاورة الأصدقاء، وبعد أن هدم مقهى العاصمة في عمان، كتب مؤنس الرزاز مقالاً رثى فيه الأوقات التي قضاها في المكان قائلاً: "هل بدأت المعالم التي تشبهنا تختفي فجأة؟ وهل علينا أن نشد الرحال إلى مجهول دائماً كلما اعتدنا مكاناً وألفناه". أما الروائي الفلسطيني رشاد أبو شاور وفي سياق تجسيده للعلاقة الحميمة مع المقهى، فيكتب في روايته "القرية وانتحار رائد الفضاء" مخاطباً الحكام العرب: "أنتم مرتابون منا دائماً، لا تثقون بنا، تحسدوننا لأننا نتكوم في المقاهي".
المقاهي الثقافية في سورية:
المجتمع السوري شأنه في ذلك شأن المجتمعات العربية الأخرى، عرف ظاهرة ارتياد المقاهي من قبل الأدباء والسياسيين والأعيان منذ نهايات القرن التاسع عشر، حيث كان المقهى مجالاً لجمع الأخبار ونشرها في مجال الثقافة والتجارة أو في مجال أحوال الناس أفراداً وجماعات. وعموماً في الشرق العربي، انتشرت المقاهي منذ عام 1750م، وإذا كانت المقاهي في بداياتها مكاناً للقاء وتمضية الوقت واحتساء القهوة والشاي، فإنها أصبحت فيما بعد ملتقى "الأكابر"، وانتقل إليها الحكواتي .. وفيما بعد النخبة من سياسيين ومثقفين وفنانين.
فقد تمكن الدمشقيون من إيجاد الوسائل المختلفة والتي تساعدهم على تمضية أوقات الفراغ بطرق إيجابية، فمن سهرات البيوت التي تجمع الأهل والأقرباء والأصدقاء حيث كانوا فيها يستمعون إلى الآلات الموسيقية والنوبات، إلى المقاهي التي ظلت المكان الأوفر حظاً والأنسب حالاًَ لجمعات اللهو وتبادل الحديث ولعب النرد أو الشطرنج أو الضوما، أو للاستماع إلى الحكواتي. ولشدة ولع الدمشقيين بالمقاهي، فقد أولوها مكان الصدارة في حاراتهم وأزقتهم وشوارعهم الرئيسية وهذا أدى إلى ازدياد عددها منذ مطلع القرن التاسع عشر، فالمؤرخ نعمان قساطلي في مؤلفه "كتاب الروضة الغناء في دمشق الفيحاء"، يشير إلى أن دمشق كان فيها أكثر من 100 مقهى في القرن التاسع عشر، ومن أشهرها "مقهى باب السكرية" في باب الجابية، و"قهوة القماصين" بالقرب منها. ومع بدايات القرن الماضي، وفي ضوء التطورات التي طرأت على المجتمع السوري بعامة والدمشقي بخاصة، راحت ظاهرة المقاهي تنتشر في المحافظات السورية.
فترة العشرينات حتى الخمسينات:
خلال هذه الفترة انتشرت في دمشق، ظاهرة المقاهي على طول ضفاف نهر بردى الذي كان يخترق المدينة بأفرع سبعة، حيث كان شارع بغداد وشارع العابد في وسط مدينة دمشق يغصان بالمقاهي، ومن أشهر هذه المقاهي:
*مقهى "اللونابارك" الذي سمي فيما بعد بالرشيد، وبقي حتى بداية الخمسينات، وقد اشتهر هذا المقهى بكونه مسرحاً صيفياً إضافة إلى تقديمه الأفلام السينمائية أيضاً، وكثيراً ما تحول مسرحه الى منبر للمناسبات الخطابية السياسية والانتخابية.
*إلى جانب هذا المقهى، اشتهرت دمشق في هذه الفترة أيضاً، بمقهى "الفاروق" ومقهى "الزهور" ومقهى "الأزبكية"، وغالبية رواد هذه المقاهي كانوا من طلاب المرحلة الثانوية، يأتون إليها للقاء والتمتع بشرب الشاي والنرجيلة قبل أن يذهبوا إلى نادي بردى الرياضي الموجود في نفس الشارع.
*مقهى "الكمال": يقع في وسط مدينة دمشق بالقرب من ثانوية جودت الهاشمي "التجهيز" التي خرجت أهم السياسيين والمثقفين السوريين، وقد كان الأدباء يترددون على هذا المقهى منذ مطلع عشرينات القرن الماضي، وقد كان قطب رحاهم الشاعر العراقي "أحمد صافي النجفي" بعد خروجه من بغداد، وخليل مردم بيك .. وغيرهم.
فترة الخمسينات والستينات:
شهدت مقاهي دمشق ازدهاراً ملحوظاً، وتحولت من مجرد مكان لتمضية الوقت والتسلية إلى مكان يجتمع فيه السياسيين والمثقفين والصحفيين ونخبة المجتمع الدمشقي. وأهم هذه المقاهي:
*مقهى "الطاحونة الحمراء": كان يكتظ صباحاً بلفيف من صحفيي "الأيام" و"القبس" والصحف الأخرى إلى جانب عدد من أعضاء البرلمان.
*أما في الفترة المسائية، فإن المشهد الثقافي والسياسي أكثر حضوراً ووضوحاً في مقهى "البرازيل" حيث تجتمع النخبة السياسية ووزراء سابقون وظرفاء يتندرون على الجميع دون استثناء.
*وعلى الرصيف المقابل، يتكرر المشهد ذاته في مقهى "الهافانا"، وهو مقهى قديم يقع في منطقة فيكتوريا، والأدباء والسياسيون كانوا يرتادونه منذ مطلع الأربعينات وطوال فترة الخمسينات والستينات، ولعل من أبرز الوجوه الأدبية التي كانت ترتاد هذا المقهى، المرحوم الأديب والصحفي عبد الغني العطري، وسليمان عواد، وعادل أبو شنب وغيرهم الكثير. وقد كان الأدباء يقتسمون المكان مع شباب من مختلف الأحزاب والقوى السياسية والتيارات الفكرية. والأمر شبيه بمقهى "المرابط" الذي كان من أبرز زواره الرئيس السوري الأسبق شكري القوتلي. فترة السبعينات والثمانينات:
لا نجد ذات المشهد وذات الدور في غالبية هذه المقاهي الدمشقية، فكبار الحزبيين ورجالات الدولة والسياسة والوزراء لم يعودوا رواداً على هذه المقاهي، وباتت غالبية المقاهي اليوم تقتصر على المتقاعدين إلى جانب بعض المثقفين والصحفيين والمهتمين بقضايا الشأن العام، فمقهى الهافانا لم يعد يستقبل مثقفين من أمثال صدقي إسماعيل الذي كان يكتب صحيفته الساخرة "الكلب" بخط يده ومن ثم يستنسخها الأصدقاء كي يستمتعوا بالشعر "الحلمنتيشي" وهو يستعرض أحوال البلد والسياسيين، ثم لم يعد يستقبل سياسيين كبار ووزراء سابقين، رغم التحسينات العامة التي أدخلت على المكان، طبعاً هذا لا ينفي أن قلة من المثقفين والأدباء وبدافع الحنين أو لقاء صديق يعودون المقهى بين فينة وأخرى، مثل الأديب شوقي بغدادي والشاعر العراقي مظفر النواب والشاعر الفلسطيني خالد أبو خالد، وكذلك الأمر بالنسبة لبعض الصحفيين الذين يفتقدون المكتب أو المكان الخاص فيأتون إلى هذه المقهى لكتابة مقالاتهم وتحقيقاتهم.
ولكن في الغالب أصبحت الهافانا مكاناً للعابرين وعاقدي الصفقات التجارية وصفقات الحب والرومانسية.
وفي فترة السبعينات وحتى أواسط الثمانينات اشتهرت دمشق أيضاً بمقاهي ومطاعم "القنديل" في أول شارع الصالحية مقابل سينما السفراء، ومقهى ومطعم "قصر البللور" في باب توما، ومقهى ومطعم "اتحاد العمال" خلف سينما السفراء، حيث كان يرتاد هذه الأماكن الكثير من أشخاص الوسط الأدبي والفني وكذلك شباب الأحزاب والقوى السياسية على اختلاف تياراتها.
فترة التسعينات حتى اليوم:
بحكم التطورات الهائلة التي شهدتها الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية في سورية، من الطبيعي أن يطرأ تبدلات على الدور والمكانة التي كانت تتطلع بهما المقهى في بدايات النصف الأول من القرن الماضي. فالأديب السوري عادل أبو شنب في هذا السياق يقول: "في الخمسينات عندما كان عادل أبو شنب أو علي الجندي أو شوقي بغدادي أو عبد الباسط الصوفي أو محمد حيدر أو صلاح دهني، يكتب قصة، كانت هذه القصة الوليدة بمثابة احتفالية هائلة لمجموعة من الشباب، كأنها عروس تزف إلى عريس، كانت تتداول وتقرأ ويعقب عليها وتناقش من قبل المجموعات التي كانت تلتقي في المقاهي أو في الأندية الأدبية. الآن هات لي مثالاً واحداً على كاتب يستطيع أن يطارح آخر بما يكتب؟ أستطيع القول، بأن الصلة الروحية بين الأدباء والكتاب قد انعدمت، كما أن الصلة الجميلة بين الناس حول الاحتفاء أو انتقاد أثر أدبي فقدت مع الأسف، وصار المهم أن ينتج القاص قصة والشاعر قصيدة ويرسلها كي يقبض ثمنها فقط".
أما الأديب وعضو البرلمان السوري السابق وليد إخلاصي فيقول عن تراجع دور المقهى الأدبي والثقافي: "إن المقهى ظاهرة مدينية، والمدينة في العقود القليلة الماضية توسعت كثيراً وتطورت فيها الحياة بشكل كبير إلى درجة أن التلفزيون دفع الناس دفعاً إلى حالة الاعتزال والاعتكاف المنزلي، فأنا منذ سنوات لم أجلس في المقهى لا بسبب مضايقة أو إزعاج وإنما لكوني أصبحت أميل في هذه الظروف إلى الاعتزال، فالعلاقات الاجتماعية مع الآخرين أصبحت ضعيفة ولا سبب قسري لهذا الاعتزال.
الكاتب عمر الكوش يقول عن مقاهي الخمسينات والستينات بأنها مراكز النشاط الفكري والأدبي والسياسي، فقد خرجت من هذه المقاهي الأحزاب كالحزب العربي الاشتراكي بزعامة أكرم الحوراني ... ومن خلالها عرفنا أيضاً أهم الإبداعات الأدبية لعبد السلام العجيلي ووليد إخلاصي ولؤي كيالي.
وعن تأثير التطور الالكتروني وثورة المعلومات على دور المقهى، فإنه يعتقد بعدم تأثير ذلك على الأديب والمثقف والسياسي، التأثير محدود، لأن التلاقي في المقهى والتواصل المباشر قضية حميمية ومقدسة عند المثقف والأديب، ويعتقد الكوش أن الدور الأمني والنظام الشمولي هما السبب الرئيس في بث حالة الخوف من جلسات الحوار والمثاقفة في المقاهي، وهذا أدى بالضرورة إلى تراجع الدور المعهود للمقهى ثقافياً وسياسياً.
هذا طبعاً لا يعني بالإطلاق أن الأدباء والمثقفين والإعلاميين قد قاطعوا المقاهي، وإنما المقهى لم تعد تعنيهم إلا من زاوية عقد لقاءات سريعة لتبادل المعلومات الإخبارية أو لممارسة الثرثرة السياسية وتبادل عرائض وبيانات للتوقيع والاحتجاج، ومن ثم الاتفاق على موعد اللقاء المسائي في واحد من مطاعم دمشق القديمة أو في رابطة المحاربين القدماء أو في نادي الصحفيين، أو هي وسيلة لأولئك الذين لا يتيح لهم المنزل أو دائرة العمل فرصة كتابة موضوع أو تحقيق أو ما شابه ذلك حيث يجدون في المقهى ضالتهم، وهذا يؤكد أن المقهى لم تعد كما كانت في الخمسينات والستينات منبراً للخطابة والتنادي الثقافي0000وأهم المقاهي في هذه الفترة:
*مقهى الروضة: يقع هذا المقهى في شارع العابد مقابل مبنى البرلمان السوري، وهو مركزاً للاستراحة، ومكاناً باقتدار للنقاش الصاخب ودون ضابط وأكثر فترات ازدحام هذا المقهى هي فترة الظهيرة حيث يرتاده الكثير من المثقفين والفنانين والصحفيين العاملين في الحقل الرسمي بالإضافة إلى نشطاء المجتمع المدني وحقوق الإنسان أمثال ميشيل كيلو وياسين الحاج صالح وحسيبة عبد الرحمن ولقمان ديركي والمخرج غسان سلمان ... وغيرهم.
ولا يستبعد أن رخص الأسعار في هذه المقهى يعتبر سبباً وجيهاً لجذب الغالبية العظمى من أبناء الوسط الثقافي (سعر فنجان القهوة 15 ل.س).
*مقهى عالبال: يقع وسط مدينة دمشق القديمة، وكان قبل أن يحول إلى مقهى، إسطبلاً للخيول ومن ثم مستودعات للأخشاب، وأهم ما يميز هذا المقهى، أجواءه الهادئة والرومانسية، وأثاثه الخشبي الذي صمم بطريقة تراثية تلائم طبيعة المكان القديمة، وأيضاً يحر صوت فيروز المنبعث من المسجل، وجاذبية النباتات الطبيعية المتدلية بأناقة على الجدران التي تزينها أيضاً لوحات تشكيلية ... في هذا المقهى تجد الزبائن وهم يحتسون القهوة ويدخنون النرجيلة، يقرأون الصحف أو يطالعون كتاباً في جو رومانسي مجبول بسحر الشرق القديم والأهم أن بإمكانك في هذا المقهى تناول فطيرة البيتزا التي استبدلت عجينتها برغيف خبز الصاج "المشروح" تقدم لك على طبق خشبي.
*مقهى البرازيل: يقع وسط المدينة في أسفل فندق الشام، يرتاده صباح مساء، مراسلي الصحف العربية والأجنبية والكثير من وجوه الوسط الفني، حيث تدور نقاشات فنية وثقافية وتبادل للمعلومات والأخبار الصحفية والثقافية.
*مقهى النوفرة: مقهى قديم يقع خلف قلعة دمشق إلى جانب سوق الحميدية الأثري، يرتاده الزوار العرب والأجانب، وفي شهر رمضان يستضيف الحكواتي حيث يتحلق حوله الزبائن يروي لهم القصص التراثية، ولاعتبارات المكان التاريخية وكثرة الرواد الأجانب، فإن الفنان الفلسطيني شاهين جعل من المكان صالة عرض دائمة للوحاته الفنية مقابل أجر شهري يؤديه لصاحب المقهى. في حمص:
كان أهم مقهى يلتقي فيه الأدباء من أبناء المدينة هو "مقهى الفرح" والذي يقع بجانب مديرية المواصلات في المدينة، حيث كان يلتقي في هذا المقهى كما يقول الأديب والشاعر عبد المعين الملوحي من عشرة إلى عشرين من الكتاب والأدباء لتداول القضايا الأدبية والسياسية، وكان مدير الجلسة في ذلك الوقت (الخمسينات والستينات) الأستاذ المرحوم وصفي البني حيث كانت في تلك الأيام بقايا من مشكلة عالمية تتعلق بمقولة الأدب للمجتمع أم الأدب للأدب وكان لتأسيس الدولة اليهودية في فلسطين وهزيمة الجيوش العربية انتصاراً لوجهة نظر أن الأزمة في المجتمع.
وكان من أهم رواد هذا المقهى في الخمسينات والستينات، الأستاذ وصفي قرنفلي وعبد الباسط الصوفي وبدر الدين السباعي ود. نسيب الهندي وعبد المعين الملوحي، وفي المراحل التالية تبرز أسماء فرحان بلبل وآخرين.
ويأتي "مقهى الروضة" في المقام الثاني من حيث الأهمية الثقافية التي لعبتها المقاهي في حقبة الخمسينات والستينات. كما أن شظف العيش وضيق اليد كان يدفع بالعديد من المثقفين والأدباء للالتقاء في حديقة أمام مقهى الفرح وكانت تسمى حديقة "الدبابير". ويقول الأستاذ عبد المعين الملوحي أن الأدباء في تلك المرحلة انقسموا إلى فريقين، فريق الأدب للمجتمع وهو الأكثر ومن أهم رموزه وصفي البني وبدر الدين السباعي ونسيب الجندي وعبد السلام عيون السود، وفريق الأدب للأدباء وهو الأقل ومن أهم رموزه، رفيق فاخوري ومحي الدين درويش. ويشير الملوحي أيضاً، إلى أن رؤساء الأحزاب والمنظمات الشعبية في المدينة خرجوا من هذه المقاهي.
في حلب:
أهم المقاهي الأدبية والثقافية في فترة الخمسينات هو "مقهى البرازيل" و"مقهى القصر"، وكان من أبرز الوجوه الثقافية والأدبية التي ترتاد هذين المقهيين الأستاذ لؤي كيالي والأديب عبد السلام العجيلي والفنان التشكيلي فاتح المدرس والأديب إسماعيل حسني وهو بالمناسبة والد المخرج السوري هيثم حقي.
وفي فترة الستينات والسبعينات وحتى أوائل التسعينات ازدهرت في حلب كمقهى أدبي ثقافي كل من "مقهى السلطان"، و"الموعد"، و"منتدى الشام"، و"الكافتيريا السياحي"، و"الملتقى الصحفي". ومن أهم الأدباء والمثقفين رواد هذه المقاهي في العقود الثلاث الأخيرة من القرن الماضي محمد جمال باروت والدكتور عبد الرزاق عيد والأستاذ عمر الكوش.. وغيرهم. كما عرفت المدينة ظاهرة الصالونات الأدبية كصالون بشير يوركي الحلاق الشهير في حلب، بالإضافة لصالونات محامين وأطباء وبعض المثقفين كصالون الطبيب بشخاندي الذي كان يعقد أسبوعياً باستضافة شخص في موضوع محدد، وقد استضاف هذا الصالون مفتي حلب السيد الحكيم، ومطران حلب أيضاً.
خاتمة:
إن جملة التطورات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي طرأت على الوضع السوري في الربع الأخير من الربع الماضي وأثرت عميقاً في بنية المجتمع السوري وطرائق عيشه اليومية أدت فيما أدت إلى تراجع دور المقهى الثقافي، فلم تعد المقهى ذاك المكان المتاح والمفضل للتنادي والحوار الأدبي والثقافي والسياسي، بل عادت لتكون مكاناًَ لعابري المدينة الراغبين بأخذ قسط من الراحة قبل السفر أو قضاء أمر ما، أو مكاناً للمتقاعدين يقضون فيه الوقت بلعب النرد أو الورق وتدخين النرجيلة، أو مكاناً للتسلية وتمضية الوقت بالنسبة للشباب العاطل عن العمل الذين تغص بهم شوارع المدن الكبرى.
ولعل في مقدمة الأسباب التي أدت إلى تراجع دور المقهى الأدبي والثقافي والسياسي ما يلي:
-تطور وسائل الاتصال وثورة تقنياته التي أتاحت إمكانية التواصل الثقافي وتبادل الرأي والمشورة بوضع مريح وبزمن قياسي ودون عناء أو كلفة تذكر.
-انتشار المراكز الثقافية في مختلف المحافظات والبلدات السورية.
-كافتيريات النقابات والمنظمات المهنية والشعبية (كنقابة الفنانين، اتحاد العمال، اتحاد الشبيبة،...الخ)، والتي امتصت الكثير من النشاط الثقافي.
-المناخ السياسي والأمني العام، وخاصة بعد فترة الثمانينات والذي حد كثيراً من حرية الحوار والمثاقفة بحرية ودون تبعات المسائلة إن لم نقل التوقيف والاعتقال.
-الاستبداد السياسي الذي غيب الحراك السياسي المجتمعي .. فحتى أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية لفترة قريبة لم يكن مسموحاً لها حتى بإصدار صحف خاصة بها.
-تدهور القوة الشرائية وغلاء مستوى المعيشة وانتشار ظاهرة البطالة.
-الانتشار السرطاني لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة.
-عودة ظاهرة الصالونات الأدبية والمنتديات المنزلية.
على مدى العقود الثلاثة الماضية من القرن الماضي شهدت سورية مجموعة هائلة من التطورات الاقتصادية والتغييرات الاجتماعية ولدت ما يسمى بمقاهي النجوم الخمس في أحياء العاصمة الراقية. وإذا كانت الكثير من المقاهي في الماضي بمثابة (برلمانات) مصغرة يلتقي فيها المثقفون والأدباء والساسة والعامة من الشعب، تلقى فيها القصائد والخطب السياسية وبهذا ظلت على مدى سنوات الخمسين والستين من القرن الماضي تعكس حركية ودينامية الشارع السوري. الأمر الذي جعل المقاهي محط اهتمام الأعمال الدرامية السورية في الكثير من المسلسلات التاريخية وكذلك الأعمال الأدبية والروائية.
في مطلق الأحوال، المقاهي الثقافية التي عرفتها العاصمة وحمص وحلب لم تعد أكثر من ذكرى عند أولئك الذين عاشوها وتعايشوا معها، ومع ذلك, فإن الذاكرة تتسع لأشياء كثيرة ومهمة عن علاقة تلك المقاهي بحياتنا كما يجمع الأدباء عبد المعين الملوحي ونصر الدين البحرة حيث من وجهة نظرهم يمكن التركيز على محطات بارزة في ذاكرة المقاهي القديمة مثل:
-الدور السياسي: عبر حلقات الحوار والنقاش التي كان يعقدها كبار السياسيون في مقهى الهافانا والبرازيل، أمثال زكي الأرسوزي وأديب الشيشكلي.
-الدور الثقافي: فسعيد الجزائري مثلاً كان يبحث في هذه المقاهي عن كتاب لأخذ كتاباتهم وإبداعاتهم.
-هذه المقاهي ولدت شخصيات شعبية كشخصية أبو حسن وأبو أيوب والتي حولها الفنانون الى شخصيات كاريكاتورية تزيل صفحات المجلات مثل مجلة الصرخة.




التعليقات