- 1 -
منعم وكمال وأنا ضحكنا ونحن جالسون فوق الكنبة العريقة ، والمقعد المتهالك من كثرة الحديث الذي سمعه منذ وُضِعَ في ذلك المكان ، دخلتِ وفتحي أمامك ينظر شذراً باعثـًا إشارات بطرفي عينيه في كل اتجاه ليجذب الأنظار إليه . جلستما في ركن منـزو في مواجهتنا تمامـًا ، وضعتِ ذراعك اليسرى فوق غطاء البيانو الأسود المتراكم إهمالاً فتشبث بموضعه منذ تعرفت أقدامنا على المكان ، لملمتِ أطراف أصابعك ، طويت ساعدكِ ونفخت ذرات الغبار التي تعلقت به ، عدلت بلوزتكِ وأنت تفردين ظهرك فبدا لنا نسيجـًا خشنـًا خلف خيوط البلوزة الحريرية ، فتركنا عيوننا لتستكشف ما وراءه.
كمال استمر في حديثه وقفشاته ووجهه مستدير للخلف ، متحاشيـًا حدة نظرات فتحي ، ومن حين لآخر يتجه إليك فجأة .
منعم تحلل إلي أسطر من الشعر ، معقبـًا بها على كمال ، وهزاته الجامحة مختلطة بإيماءات واضحة يُهربها إليك .
اتكأتِ للوراء والمروحة تعلو رأسك ، تدور بهدوء ، تبرد الضوء المتساقط عليك الذي يمتزج بشعر فتحي الأشيب ، وهو يحوطك بكلابات سرطان بحر، تنفلتين منه ، عيناك صامتتان تأكلان الفراغ حولنا ، تنغرس في كُلِّ منا ، فنفتح عيوننا أكثر ، نبتلعك بأوداجنا وتمتماتنا تبارك اكتمال أنوثتك ، وذوق فتحي المنحوت بعناية متأنية .
وأنتِ هادئة في جلستك لا تتحركين ،سهم رشق منكِ فيَّ ، أصاب وترى الساكن في صدري ، التصقت بذراعيَّ أجنحة الحيرة فحملتني ، صرت أخمن هل تقصدين ذلك أم لا ؟ خروجـًا ودخولاً في المكان أوسوس أذنيَّ ، أهرب منك إليك – صرت كذلك – وأنتِ تنظرين في ساعتك ، تقومان ، تهمان بالخروج ، خرجتما وقد انطفأ في رأسي طيفك المنسحب أمامي .
خرجتُ وكلى رغبة أن ألحق بكما – لمجرد نظرة – وكنتما واقفين في انتظار التاكسي ، لم أدر إلا وأنا واقف أمامكما ، أُمازح صمت فتحي بعفوية ، واختراقي بدأ يتسرب فيكِ وأنت تثبتين النظر فيَّ ، تبادلنا معرفة أماكن إقامة ثلاثتنا ، فتحي رحب بتوصيلي معكما ، شكرته وأعلنت عن اتجاهي للمترو ، عندئذ تبدل وجهك ورغبتِ في صحبتي ، فتركك مع براءتي التي بدت له ، وانسحب فاتحـًا أبواب السماء لي .
- 2 -
في الطريق تراصت العمارات وكتل السحب السوداء تغطيها من أعلى ، وأضواء المحلات تسلط الكشافات تجاهنا في صخب شديد ، تعارفنا وكل منا يطعم نفسه لأذن الآخر ، بدون النظر لبعضنا لكوننا منشغلين باختراق سرب السيارات التي تكاثرت في هذا الوقت بالذات ، حتى أكلت خطواتنا الطريق بشكل أزعجني ، ونحن منـزلقان إلي جوف الأرض عبر مدخل المترو .
رنات حذاءكِ تنقر بلاط ممر المترو بإيقاع منتظم ، ذكرتني بقصيدة عروضية قديمة ، جرّت الحديث عن شاعر النيل – حافظ إبراهيم – قريب جدتك التي ما زالت تحفظ مجلداته في الركن المهمل من المكتبة ، واستمتاعك بالأغنيات الخفيفة التي تنطلق من الركن الآخر .
مررنا من بوابات المترو بتذكرتين ممغنطتين ، صعدنا العربة الأخيرة ، وقفنا وجهـًا لوجه ، متجاهلاً العيون التي تكاثرت حولي أتأمل قوامكِ النافر ، وعظامكِ المفرودة على راحتها ، كلها هالات لرشاقتك . كدت أرى أوردتك الزرقاء والدم يسرى ورديـًا متدفقـًا ، تحت بشرة من الشمع ، وأنت تتحدثين عن خزفكِ تتقلص أصابعك الدقيقة ، تلمس العجينة ، تضغط بخفة في موضع وترتعش مبتعدة في موضع آخر ، وأنا أتشكل بين يديك ، وأنت تتخلصين من خجلك المختبئ خلف رعشاتك .
تدورين حولي برأسك ، تطلين بعينين هاربتين تحت ظلال شعرك المتراقص بين ضحكاتك الهادئة ، وفمك المرسوم بدقة ، وصوتك الذي يُعزف من وتر خاص بك ، يغرى بوق أذني ليستريح بالإنصات التام ، تعودين لصمتك كلما طشت أبواب المترو الهواء المضغوط بداخلها فتنفتح أو تنغلق بعد صفارتين متتاليتين ، وحدها تنضم سريعة في تتابع للمحطة تلو الأخرى ، والوقت يسرق نفسه منا .
وصلنا إلي محطة نزولك ، نزلتُ معك ، مغممـًا بك ، ضمن ورقتين كتبتُ عن نساء تلعب برؤوسهن الرغبة ، ورجل يكتشف الحياة مع امرأة ، يدلى دلوه في البئر الساخن ، ويفرغه حين ينتصب الحبل ، يتنهدان ، وحيدين في كهف القمر ، طويت الورقتين ، نظرتِ إلي عنونهما ، دسستهما في حقيبتك السوداء ، وقّعتِ بخطك المنمنم ، اسمك وسبعة أرقام في دفتر تليفوناتى في باب – الخاء – رغم أن حرفك الأول – دال - ، تصافحنا ، تركت يدكِ مبللة بعرقي ، أحتضن طيفكِ وأنت تلفين أمامي ، تخرجين من البوابة الممغنطة ، وظهر كفك اليمنى يهز أصابعه مومئـًا لي أن مع السلامة .
- 3 -
بعد ساعة من وصولك ، تحديداً في الثانية عشرة مساءً ، اتصلت بك ، أتاني صوت طفل من الناحية الأخرى للهاتف ، يخبرني أنك نائمة ، وأنك ستخرجين في العاشرة صباحـًا ، وأن العصافير في شرفتكِ حبست زقزقاتها لتخرج في الصباح مع صوصوات المنبه .
أنقل مشهدك وأنت نائمة إلي رأسي ، قبل أن أغلق باب التليفون بهدوء حتى لا أوقظك .
أراك ممددة في سريرك ، تتلامس أهدابك على ابتسامة خفيفة ، تتحرك بين شفتين مضمومتين قليلاً ، تخرج أنفاسك هادئة ، معطرة ، تهفهف بلطف ، تحرك شعرات قليلة ، مارة فوق خديك في وضع مائل على جانبيَّ وجهك ، مداعبة نومك .
تتقلبين فتنبسطين على ظهرك ، انحسر قميصك الشفاف عن إحدى ركبتيك فانثنى في طيتين بارزتين فوق ساقيك ، تصلان إلي الدانتيلا المثبتة بحمالتي القميص ، اللتان تحملان – الديكولتيه - المار بمنتصف صدرك المتناغم في حركته فوق تنفسك الناعم ، والخارج إلي الحوائط من حولك ، وهى مزدانة بستائر أرجوانية اللون في مواجهة زجاج النوافذ ، وستائر بيضاء خلفها تتشرب بعضـًا من رمادية الليل الذي لفنى بين ذراعيه الباردتين ، وشدني إلي الغوص في داخلي .
أسندت ذقني فوق كفى اليسرى ، التي تقبض معصم يدي اليمنى ، أُصنفك بين النساء تبعـًا لنظراتك التي تبدلت منذ أعطيتني إشارة الإقدام إليك ، واحتمالات عديدة تختفي في الحيرة التي صبغتنى ..
ماذا ترين لو خرجت عن طبيعتي ، وتعاملت معك كفارس يجرك إلي الفعل دون إعطائك فرصة للتفكير أو التراجع ، يوجعك دون احترام ، وأنت تنتشين بما يحدث لك .. أتساءل : هل أنت كذلك ؟! أم أنك ناعمة مثل التلك ، تحتاجين إلي التلامس برقة حتى تذوبى بين خطوط بصمات الأصابع ، إلي أن تنغرسى في الضلوع ولا تخرجين ؟!
أم أنك اصطحبت ظلاً للطريق ، يخفف عنك صمت العيون التي تحدق فيك ، وربما يغنى لك أغنيات تصحبك إلي الفراش ، بمجرد أن يزاحمك الفراغ وتأوين إلي نومك ؟!
يتزامن اتصالي بك ودقات الساعة الجدارية ، فتطبقين كفك على السماعة ، وتردين بلهجة أربكتني ، مستغربة اتصالي ، أكرر عليك اسمي ، وأنا موقن أنك أنتِ ، تصمتين دهراً .. ويأتيني صوتك في طلقة مباغتة ، تفجر اندهاشي ، وأنت تُديرين وجهك في أذني ، تقولين :
- لا أعرف أحداً بهذا الاسم .
انقر على ما يهمك:
عالم الأدب
الفن السابع
المسرح
شعر
قص
ملف قصيدة النثر
مكتبة إيلاف




التعليقات