نبينا الأول، جدنا الأول - أبو البشر آدم - سميعا جيدا، بصيرا جيدا، هكذا كان يقف بردائه الأبيض قرب بيته الوحيد شرقي جنة عدن التي طرد منها، متأملا نهر الفرات الصافي الهادئ، مستأنسا بصوت جريانه، وبأصوات الطيور المغردة، العذبة، وهو يتابع تحليقها، رفرفة أجنحتها ذات الألوان الزاهية، ودورانها أسرابا وأفرادا حول نخلته الشاهقة العلوفي وسط بستانه، تحيطها أجمل الزهور، أطيب العطور، نخلته شامخة برأسها، بتاجها الأخضر، مندمجة ببوابة السماء، بنور شروق الشمس. نبينا الأول ذو وجه حزين تسترسل لحيته البيضاء على صدره، ذو رأس أشيب يعانق شعره كتفيه، ورقبته، ذويد متكئة على عصا تعبث في تراب الأرض، ذوقدم قوية ثابتة في مكانها. جدنا الأول - شيخ عجوز - يشاء له أن يدرك أنه الأول بين الخليقة - إنه خلق من تراب - وإن نقيضه الأول إبليس - خلق من نار - لم يمتثل هذا لأمر الرب أن يسجد لآدم، متحججا إنه لا يسجد إلا للرب، إنه علوي نوراني، وآدم سفلي ظلماني، فهو موهوب من نار، والنار مادة وهاجة ذهبية أرقى من التراب، لعنه الرب، طرده من الجنة لاستكباره، لاستبداده برأيه، ثم سمح له أن يدخل الجنة ثانية، إلا أنه مسخ نفسه أفعى، وسوس، وأغوى حواء أن تأكل من الشجرة المنهى عنها - شجرة الخير والشر - أكلت حواء من ثمرها، تمردت على المحرمات، وأغوته بدورها أن يأكل منها، أكل، وتمرد على المحرمات. آدم أبو البشر يشاء له أن يتذكر أن الشجرة تلك تشبه شجرة تفاح إلا أنها ليست شجرة تفاح، كم حاول أن يغرس فسيلة تفاح، يطعمها بغرين الفرات، بالروائح، بالبخور، ويكحلها بسماد حيوان، لم تنتج له مثل تلك الشجرة، لم تنتج له مثل ذلك الطعم، وتلك الرائحة، وذلك اللون، ربما - تراب الأرض يرفضها، أو يخشى منها لأنها مغوية بطعمها برائحتها، بلونها، لأنها أجبرت حواء أن تحمل الخطيئة الأولى، لأنها أجبرته أن يحمل الخطيئة الأولى، لأن حواء ضلع من ضلوعه المعوجة، جزء منه، تكتنفها أعراض شخصيته الكلية، فهي لم تكن واحدة فقط، ثنائية من صنف دمه، صنف طبعه، مترتبة في اثنين، وقد يكون في نوعين، فيها جزء مشابه منه، متحد مع تكوينها، إنها خطيئته في تكوينه، ومطابقته، باختلاف الجنسين. تحسس آدم ضلعه، ضلعه معوج، مكسور، يحس بانحرافه قليلا، فقد سقط قبل عدة أشهر على الأرض، وتمرغ وجهه بالتراب، وغاب في ألمه، في طبعه البشري، نهض ليحدد مكان ألمه، ويكتشفه بنفسه - ضلعه معوج، مكسور - دهنه بزيت نباتات، ليرفع الألم عنه، ويتخلص منه، ويشهد بذاته زواله، ويخلع عنه العذاب، ثم يضفي معنى، وضمانة لوجوده، ويمنح وحدته شيئا من الطمأنينة. جلس على جذع يابس لشجرة ضخمة، منهارة، كي يشاء لنفسه أن يتذكر، لكن ما هي تلك الشجرة، تلك الثمرة التي لم تنتج الأرض شبيها لها ! الأرض التي كد عليها طول عمره، التي كانت واجب وجوده، لا لشيء سوى إنه ارتكب الخطيئة، سوى أن جهد ذهنه عليها، وكد بجسده من أجل بقائه المحض، فلم تكن هناك إرادة منتظرة تنتظره سوى إرادته هو، فأدرك مقتضى وجوده، وفطن للظواهر التي أحاطته، وصراعه مع الأرض التي سخرها لبقائه، ليبقى نوعه البشري الذي وجد هو عليها بجسده، بصورته التي لم يستطع أن يخلع نفسه عنها، الأرض التي زال أحجارها، وأشواكها، وعوسجها، ثم أنبتها بزرا، وغرسها فسائلا، فصارت أشجارا مثمرة، أكل ثمارها بعرق جبينه بعد أن كانت جرداء في ظلام، ثم في نور، ثم ليل ونهار، ثم سماء ومياه، وقد أشرقت الشمس عليها نهارا، وطلع القمر عليها ليلا، واغتمرت بالمياه، إلا أنه لم يستطع أن ينبت شجرة دنيوية تشبه شجرة المنهى عنها في الجنة، تطلع إلى جميع الأشجار في بستانه، لم يجد شبيها لها، حتى شجرة التفاح لم تكن شبيه بها. انحنى، واقتلع دغلا من الأرض، وشاء له أن يتكلم : (أيتها الأرض، من ترابك خلقت، وإلى ترابك أعود !)، كان آدم قلقا على بنيه، على نسله البشري. سحق الدغل بقدمه، ونهض يتمشى في بستانه، لم يكن في بستانه شيئا ما يشبه ما موجود في جنة عدن، لا في أشجاره، ولا في طيوره، ولا في مياهه، سوى نخلته السامقة، كان وجوده في جنة عدن لذاته، يستمتع بخياراتها المشتهاة من طعام وشراب، وجود لا إرهاق للذهن فيها، لا إرهاق للجسد فيها، مضبوط هو في كله، وكماله، معزول، لا بشر في جنة عدن، كل شئ متيسر فيها، جمال وبهاء، كان راضيا في الكمال الأبلغ وجها، الأتم خلقا، أما حواء التي لم تلد له هناك أبناء، فقد بلغ معها أوفر الكمال في المتعة، كم ارتبكا عندما صوت الرب وهما يخفيان عريهما بأوراق التين بعد ارتكاب الخطيئة ! كم أخافهما جلدي الحيوانيين الذبيحين ليسترا بهما عورتهما بدلا من أوراق التين ! وهناك في جنة عدن سالت الدماء الأولى، الذبيحة الأولى، الآن يتشوق إلى ذلك الوجود في كماله، وخيره، (آه، لولا إبليس لتواصل جوهري)، هذا ما زمزم به، وقد أيقن أن زلته لم تغفر، وإن الآلام لا تحلها في حقه، وحق ذريته، ذلك حصل من إبليس الذي لا ذات له، ونقصه في عدم السجود له، ذلك حاصل في طبع الشيطان، مقتضى بالغم الثابت في نفسه، في لفظه، في خلقه، تخصه وحده، غالبة عليه، فشره مطلق، ومتواصل، لا تصورا في تغيره، فهو عاشق له، يستلذ به كمرور لعلة وجوده، ليس مثل شر قابيل مر بقتل أخاه هابيل، تلك كانت أول جريمة قتل في التاريخ، علته الأنانية، والألم، تذكر آدم أشياء كثيرة، تذكر عقاب حواء الذي تجلى بالآلام عندما ولدت الأبناء، بآلام الدماء، والصراخ، خاصة عندما ولدت شيث مباركا من الرب لخسارته هابيل، إلا أن آدم أحس بالغربة في بستانه، فهابيل طريد، غائب على وجه الأرض، وشيث غادر البيت، وحواء ماتت، وإبليس حر طليق، ها هو يحس بانفصاله عن كل ما يحيط به، فجأة رأى طيور البستان تصاب بفزع مفرح، تغرد، ترقص، تحوم حول النخلة، يالها من بهجة، وجمال لا يضاهي ! لا يكاد آدم أن يصدق ما يراه، أهو حلم أم دموعه التي طفرت من عينيه توحي له بشيء غريب ؟ لا لقد رآه في الازدهار والخير، في الأيام السارة، في الفردوس، إنه الوحيد، المنعزل، لا رفيق له، لا يتزوج لأنه لا ذكر ولا أنثى، يتغذى على العطور الذكية، لم يتخاصم مع أحد ولا أحد يتخاصم معه من الطيور، لا يخاف أحد ولا أحد يخاف منه، لا يتسلط على غذاء طير أو على حبيبة آخر، أليف مع الجميع، محبوب، يعيش بسلام مع الكل، نقي لا يعرف الخداع، معطر ريشه بأذكى الروائح، وربما - كان ملك الطيور في جنة عدن. إنه بديع في شكله، ضخم، تزين رأسه ريشتان ممتدتان إلى الخلف كما لوأن أنسام الشروق تداعبهما ، تداعب ريش جناحيه الذهبيين، المنتهية نهاياتها إلى ألوان قوس قزح، تداعب ريش بطنه الأبيض، ريش صدره البرتقالي، ريش ذيله المزخرف بالسواد، ريش عنقه الطويل الناصع البياض، المطوق بألوان زرقاء كلون السماء في صفائها، حرك ساقيه الطويلتين العاريتين، وصوب نظره إلى الشمس، ثم فتح منقاره الطويل الحاد كأنه يريد أن يكلم الشرق، يكلم مصدر النور، مصدر بدأ الحياة اليومية، كان يشعر بسعادة لا مثيل لها، إذ نظرة آدم كانت تلتقي بنظرته، وتسرح كل النظرات إلى عالم الفردوس، أراد آدم أن يكلمه، ويسأله له: هل تتذكرني ؟ هل غبت، وسترجع ؟ من مات، ومن سيرجع ؟ إلا أن الطيور تجمعت حوله، تعانق ساقيه، وترفرف بأجنحتها قربه، كما لوأنها تتوسل إليه، تطلب منه شيئا، أو لتحظوا باهتمامه، حرك عنقه، فارتدت الطيور إلى أغصانها، إلى أعشاشها، وصمتت، فراح العنقاء يغني، ويشدو، تارة يصفق بجناحيه، تارة يرفع ساقيه، ويدقهما بسعف النخلة الذي صار يهتز، ويرتجف تحته، وتارة يهز عنقه بحزن، إلا أن عينيه لم تفارقا الشرق، عيناه اللامعتان البراقتان، الحادتا البصر، لم تفارقا النور، كان غنائه عذبا جميلا يرتد إلى صدى خمسمائة عاما، ألف عاما، صدى الخليقة الأولى، الخطيئة الأولى، الموت الأول، رفع جناحيه، وصار يدقهما بقوة، وسرعة، فسقط سعف النخلة على الأرض، ففرت الطيور من أغصانها، من أعشاشها، وسقط العنقاء على السعف، على الأرض، وسال دمه، فسبح السعف بلون أحمر، وسبحت الأرض بلون أحمر، وهو يصفق بجناحيه حتى التهبتا نارا، تثب إلى أعلى، والتهبت النخلة نارا وهاجة متراقصة، برتقالية، حمراء، تراجع آدم إلى الوراء، وابتعد عن البستان، وألسنة النار تتطاير إلى الفضاء، وتتلاشى فيه، وهي تأكل كل ما زرعه، تحرق بيته، تلحس مياه الفرات، تقدح، ثم تضرم قليلا، تهسهس، وتنبعث منه شرارات متناثرة، تدحرجت قربه، لم يعرف آدم سر هذه النار، هل ستخلق جمرا، وإنها ستخمد، وستخلف رمادا، إنها فقط ألسنة نار، ذلك شغل باله، إذ لا مقياس لها، لا نهاية لها، كان خوفه يتراكم على ذريته بعد يوم الحساب الأبدي المؤلم، الذي لا رحمة فيه، لا رجعة فيه، هناك الجحيم، هناك العذاب، هناك المصير، يشاء له أن يتذكر الآن النار والتراب، الخطيئة الأولى، الموت الأول، لم تدم حيرته طويلا، ولا اندهاشه، فقد خمدت النار، فرأى الجمر المشتعل، وتكاثر الرماد، واختفاء الدخان، وانبثاق رأس دقيق، وعنق أنيق، وجناحان يرفرفان، تبعدان الرماد عنهما، ثم ساقان طويلان، فظهر العنقاء خالدا، مجددا نفسه، يهز عنقه، ويتبختر بمشيته، ثم صفق بجناحيه ممتطيا الفضاء، حائما حول آدم، ثم هائما تجاه غروب الشمس، تاركا الموت الأول، لأنه لا يعنيه..
- آخر تحديث :




التعليقات