تونس الخضراء كيف ودعت "بنت البلد"؟
الهادي الزعيم من تونس: مرت سنة وكأن ذكرى لم تمت ... من يقدر على إنكار أن بنت تونس مازالت – بعد وفاتها - متربعة على عرش مملكة الأغنية العربية وكأنها لم تفارق الحياة من يستطيع أن يتجاهل صوتا أمتع بيوم ليك التي أحسسنا أنها كتبت ولحنت لتكون أغنية يوم الواقعة الأليم من ينكر أن بحلم بلقاك نافست أغاني كبار الفنان العرب في كل سباقات الأغاني لتنال المرتبة الأولى وتتوج من قبل الجماهير العربية ضمن أروع الأعمال المقدمة لهذه الصائفة ... اليوم تحضر ذكرى بالصوت ليغيب الجسد ولا يبقى من ذكراها إلا صدى لاغاني جميلة دخلت القلب واستقرت في الذاكرة ....
وداعاً ذكرى
في تونس نحن نعرفها باسم ذكرى محمد عبد الله الدالي ولدت بتونس العاصمة وسماها والدها ذكرى لأنها ولدت يوم الاحتفال بذكرى تأسيس الحرس الوطني الذي كان يعمل فيه نشأت التي أصبحت بعد سنوات نجمة عربية مع تسعة أشقاء وكانت طفلة مرحة متعلقة بوالدها الذي كان يشجعها على الغناء ويقول لها ان صوتها حنون بعكس والدتها التي كانت حازمة معها ... بدا صوت ذكرى يخرج من العائلة ليصل إلى زملائها في الدراسة من خلال المسابقات الفنية التي كانت تنظم في المدارس وبتشجيع من والدها قررت احتراف الفن وبدأت المشوار مع أصوات عديدة منها صابر الرباعي و نجاة عطية وأمينة فاخت وصوفيا صادق وتألقت هذه المجموعة في العديد من المحافل الوطنية مما جعل وزارة الثقافة التونسية تعقد العزم على تبني نجوم الغد فنشأت بذلك الفرقة الوطنية للموسيقى العربية التي برزت فيها ذكرى لتغني أعمالا باللهجة التونسية وأغاني باللغة العربية الفصحى على غرار إلى حضن أمي يحن فؤادي التي اعتبرت من أروع الأعمال التي قدمت في تلك الفترة ... ذكرى عاشت مع الصدمات فالزمان كشر لها عن أنيابه مبكرا ليفتك منها والدها ثم والدتها لتعيش مشاعر اليتم والألم والصلابة وعزة النفس في أن واحد . تحملت ذكرى محمد المسؤولية باكرا بمشاركة شقيقتها وداد التي كانت تعيش معها بعد ان تزوجت جميع أخواتها تعلمت ذكرى من الزمن حب الحياة ومعنى النضال واكتسبت القدرة على التحدي ومواجهة الأيام وكانت تهوى لعب كرة السلة وكرة اليد وتعشق قراءة الكتب التاريخية والأقاصيص الخرافية والأسطورية . عاشت ذكرى في سن السابعة عشرة أول قصة حب وكان الحبيب وقتئذ أستاذها في معهد الموسيقى العربية وعازف الكمان الأول في الفرقة الوطنية للموسيقى العربية الملحن الأستاذ عبد الرحمان العيادي الذي أحبت فيه شخصيته التي تجمع بين الفنان الحساس والأستاذ الشديد والرجل الحازم ... وتمت الخطبة لتعتقد ذكرى أن سنوات الألم ولت بلا رجعة وأن الزمان الذي أدار لها ظهره سيعوضها عن سنوات الحرمان برجل توسمت فيه كل خير وعاشت ذكرى مخطوبة ستة سنوات كاملة أحست فيها بان حبيبها لا يبادلها نفس المشاعر بل يتعمد تضييق الخناق عليها ومحاصرتها بسبب الغيرة الشديدة خاصة لما سافرت لليبيا التي احتضنت ذكرى في بداياتها فغنت أروع الأعمال الليبية ولما عادت إلى تونس ضاقت ذرعا بتصرفات خطيبها وتم فسخ الخطبة بين ذكرى ومن كانت تعتقد انه خير شريك لحياتها الزوجية . وعادت ذكرى لتذوق طعم الألم من جديد وتعرف معنى الحزن بعد الفراق لكن الإصرار على مواصلة المشوار كان اكبر من أن يفتر فاغتنمت وجود الملحن الكبير بليغ حمدي في تونس لتغني من ألحانه أغنيتين ومنعتها ظروفها المادية من تسجيل الأغاني في مصر فسجلتهما في تونس وبدأت الأقلام المتسرعة تكتب عن فنانة ناشئة تسطوا على ألحان الفنان بليغ حمدي واتهمت بسرقة ألحان الكبار ورميت بالانتهازية والوصولية . لكن الأستاذ بليغ حمدي سارع إلى الرد وكذب ما قيل في الصحافة التونسية .... لم يعد لذكرى أي ذكرى جميلة في وطنها فاختارت الغربة وهاجرت بعد نجاح لطيفة في مصر إلى القاهرة لتلتقي بملحنين كبار أمثال حلمي بكر ومحمد ضياء وصلاح الشرنوبي الذي لحن لها رائعة وحياتي عندك التي نالت عنها جوائز عديدة ووصل صوتها من جديد لوطنها عبر الفضائيات العربية ولن أنكر إن أقل شعبية تحظى بها ذكرى كانت في وطنها تونس ولم تكن الصحافة تجد فرصة إلا وتتحدث بسوء عن ذكرى فأغلب الأقلام توجهت ضدها وسخر البعض من صوتها ووصل الأمر بالبعض إلى مقارنته بأصوات الحيوانات وهاجمتها الأقلام كلما شوهدت على إحدى الفضائيات تتكلم باللهجة المصرية ولم ترحمها الصحافة لما غابت عن مهرجان قرطاج مرتين بعد توجيه الدعوة لها رسميا وطالت سهام النقد أعمالها التي لم ترق إلى مستوى وحياتي عندك أو الاسامي وتحدث البعض عن تغير شكلها ليضرب بها المثل دائما كلما سنحت الفرصة ودار الحديث عن اللوك والشكل وتأثير عمليات التجميل
وذكرى صامدة وصامتة تعمل بجد ولا احد يحس أنها تتعذب وتنطفا مثل الشمعة الصغيرة ... أقلام لاذعة من أبناء البلد وأقلام ليست اقل اذى جاءت من الصحافة العربية التي ركب بعضها على حادثة تشبيه نفسها بالرسول صلى الله عليه وسلم التي اعتبرت كفرا يوجب الارتداد كلام قيل أن ذكرى قصدت به تضخيم صورتها في الدوحة ونحن جميعا نعلم أن الدوحة تحب ذكرى والخليج ليس في حاجة لمن يضخم له صورة نجمته الأولى لأنها شدت بأروع الأعمال الخليجية أخرها ثنائي خلاب مع فنانا العرب محمد عبده بعنوان حلمنا الوردي ... وقتها كانت ذكرى قلقة وخائفة من الزمن تزوجت بمن آمنت انه خير شريك لها وأحسن داعم لفنها كانت توهم نفسها أن سنوات الألم عدت وان أيام الشقاء ولت بلا رجعة غابت ذكرى على الساحة لسنة لتعود مع روتانا بالبوم يوم ليك وهي لا تعلم أنها تسجل آخر البوم لها وفي صباح مثل هذا اليوم أصيب الفنانون في تونس بحالة من الذهول مثل صوفيا صادق ونوال غشام وشكري بو زيان أما محمد الجبالي واللذي كان صديقا حميما لذكرى فلم يصدق الخبر واتصل بمصر ليتأكد في حين هرع لطفي بوشناق وصابر الرباعي إلى القاهرة حتى تكونوا إلي جوار ذكرى في رحلتها الأخيرة . قيل إن ذكرى ماتت مقتولة على يد زوجها المصري ايمن السويدي . خبر احتل الصفحات الأولى من الصحف التونسية والعربية وتحولت بنت تونس التي لم تكن تعجبنا إلى ملاك طاهر ونجمة عربية بلا منازع وصوت فريد وفنانة مكافحة وسفيرة مشرفة لوطنها ومطربة لا يشق لها غبار وقتها تذكرت ما قاله الأديب التونسي علي الدوعاجي في كتابه الشهير سهرت منه الليالي متحدثا عن فنان الغلبة بقوله عاش يتمنى في
حبة عنب لما مات احظروا له عنقودا كاملا . بالفعل فذكرى كانت تحلم أن تكتب عنها الصحافة ربع ما يكتب بعد وفاتها لكن قدر ذكرى أن تبقى ذكرى ونكبر هنا البادرة الجميلة التي خصها مهرجان الدوحة تكريما لروح فنانة كانت ولازالت بنت المهرجان كما نكبر اللفتة الكريمة التي حاول من خلالها بعض نجوم مهرجان قرطاج 2004 تذكر أغاني ذكرى مثل دينا حايك واليسا وامينة فاخت اللواتي تغنين على مسرح قرطاج العريق بروائع ذكرى وجاء حفل الاختتام ليكرم فنانة تونس فقاد الفرقة من كان حبيبها الأول الذي نلوم عليه بشدة تعنته الشديد في اختيار الأغاني فهل يعقل أن تبرمج لذكرى 20 أغنية نصفها من الحان عبد الرحمان العيادي كما نكبر حضور الفنان نور مهنا والملحن صلاح الشرنوبي والمطربة غادة رجب والفنانة الليبية سالمين زروق التي منعت من غناء أغنية نفسي عزيزة الليبية وعوضت بأغنية أخرى من ألحان الأستاذ عبد الرحمان العيادي ولئن حضر الحفل محمد الجبالي وهالة المالكي و كريم شعيب وعلياء بالعيد وحسن الدهماني والفة بن رمضان فإننا نستغرب مثلا موقف عبد الله الرويشد الذي كان من المقرر أن يكون حاضرا في الحفل والأكيد أن فشل حفله الذريع على قرطاج جعله يعود للكويت متناسيا بقية مواعيده الفنية في تونس حفل كرم فيه عبد الرحمان العيادي أكثر من تكريم ذكرى بحضور أفراد من عائلة الفقيدة والسيد وزير الثقافة التونسي السيد عبد الباقي الهرماسي ... حفل نسي أن يحضره الكثيرون ممن اذرفوا الدمع مدرارا على فراق العزيزة الغالية والذين عبروا في الفضائيات العربية عن كل مشاعر الألم والأسى والأكيد أن للغائبين أعذارهم ولكن ذكرى كانت وقتها في السماء في مكان لا وجود فيه للحقد والشر والألم والغدر والخيانة وقتها كثيرون ممن حضر حفل الاختتام ليلة التكريم شاهدوا ذكرى وهي تنظر من السماء إلى المسرح العريق في شموخ وعلى ثغرها الجميل ابتسامة حالمة .



التعليقات