الماروق ينجح في إعادة تشكيل صورة وائل الفنية

مي الياس من تورونتو: صوت قوي وحضور محبب، وسامة لافتة ونجومية سريعة طبقت الآفاق رافقت ظهوره في أول التسعينات، شاب يافع في الـ 19 من العمر ذاق طعم النجومية المبكرة، لكنه لم يتمكن من تثبيت أقدامه فهوى عن عرشه بنفس السرعة التي ارتفع بها.
وغاب فترة من الزمن كان يحاول لم شتات نفسه ويعيد حساباته ليعود. وعاد ليكتشف انه بحاجة لمجهود كبير وعمل متواصل ليستعيد مكانته التي اهتزت بفعل الغياب.
فبين انا رايح بكرة عالجيش وعمري كلو، كان هناك فترات انقطاع واعمال لم تبرز بنفس القوة التي كانت تبرز فيها أعماله في أوج فترة نجوميته ربما الاستثناء الوحيد هو اغنية " سألوني" الرومانسية الجميلة التي نالت حظاً وافراً من النجاح الجماهري.
وائل كفوري فنان يمتلك كل صفات النجم، لكن كانت تنقصه مسألة واحدة التركيز في عمله والإهتمام به، بدليل أنه بمجرد أن إنفصل عن الاب الروحي سيمون أسمر ضيع طريقه ربما لنقص الخبرة في إدراة شؤونه الفنية أو لإنغماسه في أمور كانت تمنعه من التركيز على عمله.
وعاد وائل الى أحضان أسمر ولكن بصيغة جديدة وشروط جديدة مكنتهما من العمل سوية وبتوافق أكبر، وبدأت نتائج هذا التعاون تظهر شيئاً فشيئاً من خلال الألبومات الثلاث الماضية.
ولكنني رغم محبتي لصوت وائل ومتابعتي له منذ بداياته وجدتني أعزف عن سماعه لفترة طويلة بسبب مظهر إختاره كان بالنسبة لي منفراً نوعاً ما، حيث كان يظهر في كل مرة ومع كل البوم بمظهر الفتى "الجغل" في اعماله المصورة وفي كل حوار صحفي (رغم قلة حواراته الصحفية) ، كما انه سقط في فخ التكرار في مواضيع اغنياته، وهي أمور كانت تسوئني جداً لانها تؤثر سلباً على موهبة فنية حقيقية.
في العام الماضي أحببت له أغنية "عمري كلو " فصوت وائل رائع دوماً والأغنية جاءت مختلفة لحناً وتوزيعاً، والألبوم عموماً كان موفقاً.
لكن العمل المصور لها لم يأت بجديد وهي صورة على ما يبدو حبسه فيها الثنائي توني وميرنا ابو الياس الذين توليا أخراج معظم اعماله المصورة فأوقعاه في دوامة تكرار لاينتهي.

ولن اخفيكم انني فوجئت بموضوع اغنية وائل الجديدة "قرب ليي"، حيث تمكن المخرج سعيد الماروق من تقديمه بشخصية جديدة وشكل مختلف بالضبط كما فعل من قبل مع الفنان رامي عياش.

وأعتقد أن الماروق موفق أكثر في أعماله مع الفنانين الشباب من الفنانات - مع وجود بعض الإستثناءات بالطبع- حيث نلاحظ تفاوت مستوى أعماله مع الفنانات بشكل غريب.

سعيد في هذا العمل تمكن من أخذ كلمات أغنية عاطفية عادية ومنحها بكاميرته بعداً إنسانياً أعمق واجمل، قلب معاني الأغنية وقدم لنا وائل بشكل جديد لم نألفه من قبل.

ورغم أن الأغنية المصورة تقترب في موضوعها وبدايتها من فيلم بين أفلك الأخير جيرزي غيرل، إلا أن الماروق نجح في فرض رؤية مختلفة أخرجته من دائرة الإقتباس الأعمى الذي نشاهده في بعض الأعمال المصورة العربية في الفترة الأخيرة.

فـ "وائل" زوج شاب يفقد زوجته خلال الولادة ويجد نفسه أباً وحيداً مع طفل يصبح هو كل عالمه، وتتحول كلمات العشق العادية - التي لم تكن لتعطي نفس المعاني لو صورت بالطريقة التقليدية- الى حالة إنسانية جميلة وراقية. وهو أمر يحسب للماروق الذي تمكن من تحمل مسؤوليته كمخرج وأضاف للأغنية الكثير ولم يأخذ منها كما هو حال بعض الأعمال المصورة التي تضعف العمل بدلاً من أن تغنيه.

تقنيات الماروق في هذا العمل جاءت بسيطة وبعيدة عن الإبهار السينمائي والتجارب التقنية التي كان يقدمها لنا في العديد من أعماله، وهو امر يحسب له أيضاً فموضوع الأغنية ليس بحاجة لإثارة سينمائية أو إبهار بصري بقدر ما هو بحاجة لإنسيابية جميلة في القصة والمشاهد، وهنا نأخذ عليه مسألة التكرار الزائد عن الحد في بعض اللقطات، ونرى أن الماروق كان بإمكانه أضافة مشهد أو إثنين ليغني المونتاج بلقطات أكثر، الا ان هذا لايمنع ان العمل بمجمله جميل ومتكامل.
والاغنية سلسة قريبة من القلب نجح طارق أبو جودة في صياغة لحن يشدك وتألفه أذنك، ويمكنك ان تعيد الاستماع اليه اكثر من مرة دون ان تمل، كما نجح سمير نخلة في رسم صور شعرية جميلة رغم ان الموضوع لم يكن يحمل فكرة جديدة ومما لاشك فيه أن وائل وفق في إدائه بإحساس رائع لطالما تميز به دوناً عن غيره من أبناء جيله.
وجاء التوزيع موفقاً وخصوصاً باستخدام الموزع للغيتار بين الكوبليهات منح الاغنية شاعرية واللحن عذوبة وحنية، وجاء علو طبقات وائل في مقطع:

شو بحبك لمة بتحكي
بترسم على شفافك ضحكي
شو بحبك لما بتبكي
بتشكي و عم بتغلغل فيي ....

في مكانه ومنح الإداء دفقاً في الإحساس أغنى معاني الكلمات بشكل جميل جداً يجعل إختيار وائل لهذ الأغنية لتحمل عنوان الألبوم قراراً صائباً دون شك.


[email protected]