حسناً، لندقق في الأمر. ما الذي أراد دونالد رامسفيلد ان يقوله؟ انه يصرّح الآن بما كان يعرفه سابقاً، لكنه كان يقول العكس. المصلحة اقتضت آنذاك، قبل نحو عامين، ان لا يقول الحقيقة. كان من المناسب ان «يؤكد» كل مسؤول اميركي، بدءاً من الرئيس فأدنى، ان النظام العراقي السابق يقيم علاقة مع تنظيم «القاعدة» وينسق معه للقيام بعمليات ضد الاميركيين. وبذلك استحق، وفقاً لـ«عقيدة» ما بعد 11 سبتمبر) ان يهاجم لاسقاطه واقامة نظام بديل. فالعقاب الذي حددته الولايات المتحدة لنظام «طالبان» في افغانستان يسري على نظام صدام في العراق.

لم يعد رامسفيلد متمسكاً اليوم بنظرية العلاقة بين «القاعدة» والنظام السابق، لكن بعد خراب العراق. وربما يمكن ان نسجل لوزير الدفاع الاميركي انه كان أقل زملائه في الإدارة بحثاً عن مبررات لغزو العراق، لكنه ترك لاجهزة وزارته أمر تضخيم ملف الذرائع. أما بالنسبة اليه فكان الأمر واضحاً جداً: الهدف هو اسقاط نظام صدام. ولا داعي للتبرير، فهذا نظام تحدى اميركا. وبعد 11 سبتمبر لم يعد وارداً اهمال هذا التحدي. يلتقي رامسفيلد في ذلك مع رغبة قوية لدى رئيسه جورج دبليو بوش الذي أراد انهاء مهمة ورثها من بوش الأب.

لكن، من أين جاءت «القاعدة» اذاً، على افتراض انها باتت موجودة في العراق، كما ترجح المصادر الاميركية؟ أكثر من طرف أطلق التحذير القائل: العراق ليس افغانستان. وكان لهذا الاعتبار، ولا يزال، معناه ومغزاه. الحملة العسكرية في حد ذاتها لم تظهر الفارق، ولا أعطت القوات الاميركية المؤشرات الضرورية للحذر. ما بعد الغزو، ومنذ بداية الاحتلال، كثرت تلك المؤشرات، من حالات الفوضى والنهب الى حالات تفكك الدولة والجيش الى حالات انعدام الأمن وبروز الميليشيات والعصابات. كل ذلك شكل حالة أفغنة نموذجية لتسلل «القاعديين» الجدد وتغلغلهم بسرعة وسهولة. لعل الخطوط التي سلكوها في البلدان المجاورة كانت خارجة عن السيطرة، بل لعل تلك البلدان تركتهم يمرون لئلا تضطر الى مواجهتهم على أرضها، ولأنها وجدت مصلحة في دخولهم الى العراق.

كان هؤلاء يكرهون النظام السابق، لكن لم يكن لديهم مشروع للقتال ضده ربما لأنهم كانوا يعتقدون بأنهم معه في «خندق واحد» ضد اميركا. بعد الاحتلال، لم يعد يعنيهم النظام لأنه زال، وانما أصبحوا معنيين ببلد عربي مسلم بات تحت الاحتلال. كان لديهم الدافع نفسه الذي اجتذبهم قبل ربع قرن الى افغانستان لمقاتلة المحتل السوفياتي الشيوعي الملحد. هل كانت واشنطن معذورة في ان لا تتوقع حالة الأفغنة شبه المعلنة؟ لا، طبعاً، لأن التجربة لا تزال أمامها. وهل ان تصريحات سيئ الذكر بول بريمر كافية لتفسير الفشل الذي حصل بعد الاحتلال، بالقول انه كانت هناك حاجة الى مزيد من القوات؟ انها جزء من الجواب.

كان الأحرى ببريمر ان يشرح لماذا كان حل الجيش وقوى الأمن، القرار الأول الذي اتخذه بعد تسلمه «الحاكمية». لعله لا يستطيع الآن الإفصاح عن الأسباب. لكنه أفلت اكثر من مرة اشارات تفيد بأن قبوله حل الجيش كان شرطاً اساسياً لتعيينه في منصبه. وبين الحاجة الى مزيد القوات وإلغاء الجيش العراقي توسعت الثغرة واصبحت بمثابة دعوة مفتوحة الى «القاعدة» وغيرها للدخول والتموقع والتحرك. بعد ذلك لم يحسن بريمر ضبط ادارة «الانتصار» الشيعي ولا ضبط ادارة الهزيمة السنية، فلم يكسب أي ثقة هنا ولا بنى أي ثقة هناك... وهكذا ارتسمت المواجهة بين الاميركيين وما يُعتقد بأنه «القاعدة»، وهي مواجهة أقل ما يقال فيها ان الجيش العراقي الجديد المرتقب لم يكن مضطراً لها طالما انها لا تشكل جزءاً من واقع البلد ووقائعه. لكن وجود الجيش الاميركي هو ما استقطب «القاعدة» وبات القضاء عليها جزءاً من الثمن الذي يتوقعه الأميركيون لقاء اسقاطهم نظام صدام.