كان الشيخ زايد الزعيم العربي الوحيد الذي تجرأ على مطالبة الرئيس العراقي السابق بالتنحي لعل في ذلك انقاذاً للعراق وشعبه من كارثة ما لبثت ان تحققت. استند الراحل في مبادرته هذه الى حُسن نيّة اتسم به وجعل منه مرجعية عربية لا بد منها، وعندما شعر بأن مبادرته قد تسبب انقسامات لا يريدها ولم يسع اليها فقد سحبها من التداول.
كانت مجرد فكرة للمساهمة في نزع فتيل الحرب، ومن دون اوهام، ولم تكن موقفاً شخصياً كيدياً. كثيرون فكّروا مثله، على مستويات رسمية وشعبية، لكنه اعتبر الجهر برأيه مسؤولية لا بد ان يتحمّلها بغضّ النظر عن ردود الفعل.
طوال نحو اربعين عاماً عاشت دولة الامارات مع الشيخ زايد تجربة طيبة ومغامرة جميلة نقلتها من حال الى حال، غيّرت المشهد اكثر من مرة ودخلت في مسارات التحديث، جعلت للإماراتي هوية وانتماء وربطت بينه وبين العالم فيما أبقته على صلة وثيقة بالعروبة وبمحيطه العربي بكل شؤونه وشجونه. لا يمكن الزائر الا ان يلاحظ الى اي حد كان هناك تواصل بين الحاكم والناس، مواطنين ومقيمين. لم تكن هناك هوة ولا جدران سميكة فاصلة، مما اتاح انتقال هدوء الحاكم ورويته الى الآخرين. الجميع يتحدث عنه كأنه معني به مباشرة، او كأن هناك عهداً واتفاقاً بينه وبين الحاكم.
لعل هذا ما جعل الإمارات اخيراً ملاذاً يفكّر فيه عرب لم تعد حياتهم ممكنة في اوطانهم، لألف سبب وسبب. ومثل هذا الملاذ لم يعد متوفراً في اي بلد عربي، بل انه في امارات زايد انتزع نوعاً من الاعتراف بضرورته وجدواه، لذا فهو يؤوي عرباً من المحيط الى الخليج، من دون ان يتسبب ذلك بتوترات وتشنجات مع اي عاصمة عربية او غير عربية. فالبلد الصغير ـ الملاذ برهن للجميع انه لا يتعامل بأجندات خفية.
قوة المال، معطوفة على البساطة والحكمة، ومشفعة بتواضع على رغم الانجاز الحاسم الذي تمثّل بتوحيد الامارات، كل ذلك جعل من الشيخ زايد شخصية هادئة وعملية ومنفتحة. ومعها وجدت السياسة كل ابعادها، تتعامل مع العالم ببساطة البداوة وبراغماتيتها، ومع العرب بحقوق الاخوة وواجباتها، ومع الشعب برحابة الابوة وصرامتها، وايضاً مع الارض والبيئة بمرونة العصرنة وعذوبة التقاليد. شكل هذا المزيج اسلوباً في نهج رجل، لكنه امتد الى الجميع والى كل شيء، الى حد انه اصبح اقوى من القوانين وفوق كل القوانين. لذلك يقول لك البعض من دون تصنّع او انتهازية ومن دون كاميرات تلفزيونية، كما يقولون اليوم مع غيابه، انهم يشعرون بأن عليهم «واجب وفاء» حيال هذا الرجل.
ضخامة التجربة التي بناها الشيخ زايد تترك لأبنائه مسؤولية جسيمة امام الاماراتيين والعرب والعالم، ومن الواضح ان الراحل لم يترك ما بعده للصدفة والظروف. اذ اهتم بترتيب بيت الحكم على نحو أتاح تولي الشيخ خليفة والشيخ محمد منصبيهما بسلاسة وهدوء. اصبحت الامانة لديهما، وكلاهما يدرك ما تعنيه خلافة الوالد، وما تنطوي عليه من توقعات. صحيح ان لا شيء يهدد صيغة الاتحاد بعدما ارتسمت معالم المصالح والانتماء بوضوح، الا ان اي صيغة تحتاج الى تفعيل وتحديث لتمكينها اكثر من خدمة الجميع ومن جعل الجميع فاعلين فيها. وصحيح ان التنمية شغلت حيزاً بارزاً من عمل الشيخ زايد، الا انها مهمة مستمرة لا نهاية لها ولا اكتفاء منها خصوصاً عندما تكون القدرات متوفرة.
كان المحيطون بجثمان الراحل امس من كبار القادة العرب، وكان المكان فاخراً، لكن كان المشهد بسيطاً ومتواضعاً كما كان صاحبه.
هذا رحيل هادئ لرجل اعتاد جميع العرب على ان يحسبوا له حساباً في صنع سياساتهم، على رغم انه لم يدّع لنفسه ولا لبلده ما ليس في قدرتهما. لكن صمته شكّل دائماً مصدر القوة لدوره ودور الدولة التي كان تأسيسها وبناؤها من دواعي اعتزازه.













التعليقات