•حدث فى عام 1988 أكبر اجتياح للجراد منذ أيام نبى الله موسى
•أيام العذاب و الخطر التى عاشتها قواعد المكافحة على حدود مصر


زينب عبد المنعم من القاهرة: فى الوقت الذى انكشفت فيه سماء القاهرة صباح الخميس 18 نوفمبر عن شمس ساطعة و جو صحو معتدل صافى كانت جميع الصحف القومية و الخاصة و المعارضة تحمل عناوينا صحفية مثيرة مثل: الجراد الأحمر يقتحم القاهرة، و الجراد يهاجم، و الجراد يقتحم أسوار وزارة الزراعة ومجلس الوزراء و البهو الفرعونى بمجلس الشعب، وأفردت الجرائد الصفحات لعرض ما دار فى المؤتمر الصحفى لوزير الزراعة الذى عقد فىاليوم السابق حول هذا الموضوع، ثم عناوين جانبية عن طرق طهى الجراد و لقاءات متفرقة تسجل مشاهدات الناس فى المحافظات المختلفة لهذا الحدث، وظهرت صورة مضحكة لفلاح يمسك بيده عود صغير أخضر وتحتها تعليق يقول أن الجراد أكل أوراق هذا النبات الصغير، وصور أخرى أغلبها تكوينات فنية للقطات مركبة تحاول أن تجسم و تبالغ من حجم الحدث مع لقطات فردية للجرادة الحمراء التى لم يرها أحد من سكان القاهرة منذ أكثر من خمسين عاما.
نعم فلم يكن الذعر الذى أصاب سكان القاهرة بسبب ظهور أفراد من الجراد يوم الأربعاء 17 نوفمبر ذعرا بالمعنى المعروف، وإنما كان نوعا من الدهشة و الفضول و الترقب لما يمكن أن يحدث بسبب دخول هذه الحشرة الغريبة سماء المدن و الأماكن المزدحمة بالسكان.
حتى الصحفيين الذين ملوا من رصد أعداد القتلى فى الفلوجة و الرمادى و الموصل و غيرها من المدن العراقية و الفلسطينية على السواء بدا و كأنهم قد وجدوا أخيرا موضوعا مثيرا يحفز شهية القراء لوجبة صحفية لها مذاق جديد يبتعد عن رائحة الدم العربى المراق ظلما و عدوانا..بالفعل كان موضوع جراد القاهرة مجرد عنوان صحفى أكثر منه خطرا حقيقيا، و عندما قال وزير الزراعة فى المؤتمر الصحفى أنها مجرد شتات من افراد الجراد العابرة لسماء الجمهورية غيرت مسارها فجأة بسبب منخفض جوى على منطقة طبرق فى ليبيا و بدلا من النزول فى منطقة مرسى مطروح و إبادتها هناك اضطرت ثانية للإتجاه شرقا نحو القاهرة و الدلتا حيث قام سكان مرسى مطروح بإشعال النيران فى إطارات السيارات القديمة لطرد الجراد، ولاشك أن استرخاء أجهزة المكافحة خلال أيام العيد ساعد أيضا على انفلات جماعات الجراد القليلة التى شاهدها الناس فى العاصمة و الدلتا.
إن ما شاهده سكان القاهرة لم يكن على الإطلاق سربا من أسراب الجراد، و إلا لكان الناس قد لزموا بيوتهم و أغلقت المدارس و شلت حركة المرور و حدث ذعر حقيقى مثل ذلك الذى حدث فى ربيع1954حينما أظلمت الدنيا فجاة وقت الظهيرة بسبب قدوم أحد أسراب الجراد، لقد سد السرب عين الشمس و لبضع ساعات، و فوجىء الناس بملايين من الحشرات تسقط عليهم من السماء و تعتلى أسطح المنازل و الحوائط وتبيد كل مايصادفها من مز روعات.
لقد كان تطلع المارة إلى جماعات الجراد المتناثرة العابرة لسماء القاهرة الأربعاء17 نوفمبر الماضى أشبه باندهاش طفل ألمانى رأى فى حديقة منزله صرصارا فنادى على افراد أسرته ليشاهدوا هذا المخلوق الغريب فما كان منهم إلا أن صنعوا له بيتا زجاجيا، ليعيش فبه و أخذوا يمرحون معه و يقدمون له أطايب الطعام.. و سكان القاهرة لم يستطيعوا أن يقدموا للزوار العابرين لسمائهم أى مأوى ليستريحوا من تعب السفر لأكثر من14 ساعة، و إنما- للغرابة – كانوا ينظرون إلى أشجار الزينة فى القاهرة و يتساءلون: لماذا لم يهبط الزائرون قليلا ليتناولوا بعض أوراق الشجر حتى يستطيعوا استكمال السير؟ لقد كانوا فى الحقيقة زوارا خفافا، و هذا من لطف الله.



أيام الخطر
مرة أخرى أؤكد أن مسألة جراد القاهرة لم يكن سوى إثارة صحفية لا أكثر، أنا لا أقلل من شأن هذا الحدث الذى قال عنه المسؤلون أنه ربما يتكرر خلال الأيام القادمة، ولكن أفضل دائما أن يأخذ كل حدث حجمه الطبيعى.
لقد تعرضت مصر بالفعل من قبل لهجمة شرسة حقيقية كانت الأخطر و الأشرس من نوعها،حتى قيل أنها أخطر اجتياح للجراد منذ أيام النبى موسى عليه السلام، ولكن ذلك كان فى خريف 1988،وقتها هاجم الجراد من الغرب والجنوب و الشرق، و كان من حسن حظى كصحفية أن يسمح لى بمصاحبة وحدات المكافحة فى جنوب الصحراء الشرقية، وهناك شاهدت حربا حقيقية ضد حشرات طائرة بالملايين فى مشاهد مرعبة،هاجم مصر وقتها 68 سربا من الجراد تتراوح مساحة السرب بين 40 و 100 كيلومترا مربعا، أصغر سرب فيها كان يكفى لإبادة زراعات مصر كلها خلال ساعات، أو التهام أطنان من المحاصيل تكفى لإطعام 20 مليون شخص!!
حجم الجهدالرهيب الذى قام به رجال المكافحة لم يكن يتناسب مطلقا مع الأجور البسيطة التى يتقاضونها، بل أن عددا كبيرا منهم كانوا عمالا موسميين يطلق عليهم اسم عامل (خطرى ) أى يستأجر وقت الخطر ومعهم عدد من الأدلة الصحراويين من رجال البدو، أما المهندسين الزراعيين الشبان و باقى أعضاء رجال الحملة فقدعاشوا أربعة أشهر فى حالة حرب شرسة نزل فيها وكيل الوزارة المسؤل وسط رجاله فى جميع المواقع التىهاجمها أسراب الجراد و استخدم أجهزة المقاومة بنفسه وسبقهم إلى بعض المواقع و نقل من أصابته المبيدات المستخدمة بالتسمم إلى المستشفيات القريبة وأنقذ من انقلبت به السيارة فى بطن الوادى بسبب وعورة الطرق الجبلية و الصحراوية من موت محقق، أكل معهم الخبز الجاف و العفن أحيانا وعندما نفدت الأطعمة المعلبة كان طعامهم شرش الجبن وبقايا كسرات الخبز، أربعة أشهرلم تنشر أية صحيفة وقتها خبرا واحدا عن ذلك الاجتياح لأن رجال المقاومة وقتها استماتوا ليمنعوا أية مجموعة من الجراد مهما كانت صغيرة من تجاوزالمناطق الجبلية و الصحراوية إلى حدود الوادى، فلم ير سكان القاهرة جرادة واحدة ولم يوجه أحد كلمة شكر إلى تلك المجموعة الصغيرة من رجال المقاومة،حتى رئيس التحرير الذى كنت أعمل تحت رئاسته وقتها أعاد إلى الصور الملونة التى التقطها الزميل المصور المصاحب لى فى هذه المهمة بلا أى اهتمام؟! كان التجاهل الغريب للخطر المحيط من كل جانب سببه أن آخرهجمة للجراد حدثت قبل 21 عاما أخرى سابقة أى فى عام 1968 ولم يكن بكل تلك الضراوة التى حدث بها هجوم 1988-89، لم تكن ذاكرة الناس وقتها تحمل شيئا عن الجراد ومخاطره، كل ما تبقى بعض حكايات الجدات عن يوم أظلمت فيه الدنيا فىعز الظهر و ظن الناس أنها القيامة قد قامت حتى فوجئوا بالسماء تنطبق على الأرض، سحابة سوداء لا أول لها ولا آخرتقترب، ثم تظهر ملايين الحشرات تحط قبل الغروب على كل شىء الشجر والبيوت و الطرقات،يزحفون حولك فى كل مكان،وفى الليل يتوقف السرب عن الطيران نهائيا، ينامون معك 00حولك، ومع ظهور خيوط الشمس الأولى تستيقظ الملايين النائمة وتبدأ تناول طعام الإفطار، وخلال ساعة 00ساعتين يكون الجراد قد أتى على كل ما هو أخضر وترك الحقول جرداء و كأنها صحراء قاحلة!! تسأل الجدات متى كان؟ ترد واحدة: فى الخمسينات، وترد أخرى: لا00 بل فى الأربعينات، وتمتعض ثالثة: وهل نحن من بنات الثلاثينات و الأربعينات؟؟
لماذا يظهر الجراد فى سنوات بشكل وبائى مخيف ولماذا تقل خطورته فى سنوات أخرى؟
علماء الحشرات يشبهون الجراد بقنبلة موقوتة يظل كامنا وقت الجفاف فإذا هطل المطر قامت آلاف الملايين النهمة من الحشرات تجتاح مناطق من العالم خاصة أفريقيا وهو أحد أسباب المجاعات المتكررة بالقارة،مجموعة واحدة من الجراد تقوم بالتهام نحو 80 ألف طن من المزروعات يوميا، وهى تكفى لتغذية عشرين مليون شخص، و الجراد أنواع منه الجراد الصحراوى أو الرحال، و الجراد الآسيوى المهاجر و الأفريقى المهاجر، و الجراد الأحمر، و المراكشى، و جراد الشجر، والجراد المصرى، و جراد بومباى 0
والجرادة الحمراء هى الحشرة التى لم تصل بعد إلى مرحلة النضج التناسلى،هذه الجرادة تأكل قدر وزنها يوميا من النباتات الخضراء، و هى تزن فى المتوسط جرامين، والسرب الواحد الصغير يضم 400 مليون جرادة، يلتهم نحو 800طنا من المزروعات يوميا،هذه الجرادة الحمراء تحتاج ما بين 15إلى 20 يوما حتى تنضج تناسليا لتضع البيض تلتهم خلالها مابين 12 ألف و 16 ألف طنا من النباتات الخضراء للسرب الصغير، ويزيد الأمر خطورة أن الغزوة الواحدة قد ينفذها أكثر منسرب واحد0
خلال الفترة من1925_1935 قدرت قيمة التلفيات التى حصلت للمحاصيل الزراعية 100 مليون دولار سنويا على مستوى العالم، فى عام 1954 و1955 تم تسجيل ظهور 50 سربا من الجراد أدت إلى تلف زهاء 250 ألف طن من محصول الذرة، و أحدثت تلفيات فى الزراعة و حاصلات الفاكهة فى مراكش بنحو 15 مليون دولار0
فى 1960 قدرت قيمة ا لتلفيات التى أحدثتها أسراب الجراد فى اثيوبيا نحو 10 ملايين دولارا من الحبوب، وهى الغذاء الرئيسى مما أدى إلى حدوث مجاعات بهذه البلاد0
وفى عام 1944 قدرت الحاصلات الزراعية التى التهمتها أسراب الجراد فى ليبيا نحو 19% من مساحة الأراضى المزروعة، و زهاء 55 ألف طن من الحبوب،وفى نفس العام التهمت أسراب الجراد الصحراوى 16 ألف طن من الذرة الرفيعة فى السنغال، و التهمت 600 طن من البرتقال فى غينيا، وفى اثيوبيا التهمت أطنانا من الحبوب كانت تكفى لغذاء مليون شخص لمدة عام،أمافى الهند فقد هاجمت أ سراب الجراد عام 1962 حقول القطن و التهمت 10 آلاف فدانا 0

معركة فى السماء

هل جربت ركوب الطائرة؟ هل جربت الطيران وسط السحاب؟ ماذا لو اكتشف قائد الطائرة أنه يطير فى عمق سرب من الجراد؟ و ماذا لو كنت بجوار النافذة و شاهدت آلافا من الحشرات تصطدم بالنافذة وكأنها تكاد تخترق عليك مجلسك؟ ماذا لو سمعت أصواتا قادمة من محركات الطائرة؟ انتظر00 سوف أقدم لك هذا الرجل الذى حارب الجراد فى السماء0
عميد متقاعد اسماعيل حنجل00 واحد من الذين تصدوا للهجمة الشرسة للجراد عام 1988 والتى وصفها خبراء مكافحة الجراد بأنها أكبر هجمة للجراد على مصر منذ أيام نبى الله موسى عليه السلام،استأجرت وزارة الزراعة طائرتين للقيام بأعمال المقاومة و الاستكشاف،بدا الطيران وعمليات البحث فى 18نوفمبر وحتى 25 من نفس الشهر عندما ظهرت أسراب الجراد فى شكل يعجز عن الوصف، كان الطيار يومها يمسح منطقة أبو رماد داخل الحدود السودانية، استقبلته الغيمة المفزعة من بعيد00بدأ ت معركة حياة أو موت00 الطائرة تتجه نحو الغيمة و الجراد يتحرك بشكل كثيف 00 كلاهما يتحرك تجاه الآخر00آلاف من حشرات الجراد تلطم زجاج الطائرة الأمامى أثناء سيرها00 تموت بالآلاف نتيجة الصدمة 00 ينزل منها سائل أصفر يغطى المقدمة 00تنحجب الرؤية عن قائد الطائرة 00يفتح أجهزة الرش 00 فى حركة انتحارية من بعض أفراد السرب تدخل عشرات الآلاف من الحشرات إلى داخل الطائرة 00 تنحشر وسط التجاويف 00 تنحشر داخل المحرك 00 يشعر أنه فى معركة حقيقية 00 ينظر إلى مؤشر البنزين00 لابد من العودة إلى المهبط المخصص00 خزان المبيد أيضا قد فرغ 00يتجه إلى أقرب مهبط عند مدينة مرسى علم وهى آخر مدينة على ساحل البحر الأحمر المصرى، يتزود بالوقود و المبيد، و يعود إلى أبورماد حيث استغرقت أعمال المقاومة بالطائرة داخل حدود السودان خمسة أيام0
بقية الصورة يحكيها المهندس محمود إبراهيم كباش مهندس صيانة الطائرات وقتها، يقول: كانت المرة الأولى التى أشاهد فيها حشرات الجراد، يومها رأيت الجرادة فى حجم العصفورة، فوجئت و أنا أقوم بعملية الصيانة أن الجراد قد ملأ تجاويف المحرك، وأرسلت للشركة أطلب (ويند شيلد) وهو الزجاج الأمامى للطائرة خوفا من تعرض زجاج الطائرة للكسر، و ظللت شهورا بعدها أسمع من زوجتى كلما نمت أننى أتفزع فى نومى: ياه00كل ده جراد؟! حتى الشركة التى تملك الطائرا ت عندما علمت بخطورة الهجوم تبرعت وقتها بأول 60 ساعة طيران و كان قيمتها 30 أ لف جنيه0


00 ومعركة على الأرض


رغم إعجابى الشديد بالدكتور يسن عثمان وكيل وزارة الزراعة المسؤل عن المكافحة وقتها ليقظته و إحساسه العالى بالمسؤلية ومصاحبته لرجاله فى جميع مواقع الإصابة وتحت كل الظروف الصعبة إلا أن قصص العمال فى أدنى السلم الوظيفى الذين خاضوا معه هذه الحرب لمست شيئا فى صدرى خاصة عندما علمت أن كل مايتقاضاه الواحد منهم نظير غيابه عن بيته240 قرشا عن كل يوم!!!
يوسف الخطيب رئيس وحدة ميكانيكية يحكى عن تلك الأيام: كان لابد من عمل صيانة يومية للسيارت بعد عودتها من المقاومة الأرضية، كان هناك نقص فى قطع الغيار،سافرت إلى القاهرة و رجعت فى نفس اليوم، بعد 20 ساعة سفر متواصل و عند عودتى إلى القصير قالوا ظهر جراد فى وادى عطا الله، خرجت مع الحملة ووجدنا فعلا جرادا كثيرا بالوادى، كان لابد ننام بجواره حتى الفجر، فرشنا بطانية و نمنا على الأرض فى عز شهر طوبة وهو أبرد شهور الشتاء فى مصر، التعب كان أكبر من الخوف من الزواحف 0
عرفات معوض – طباخ ـ خرج ضمن حملة المقاومة المتجهة إلى واحة سيوة، يحكى عن هذه الأيام الصعبة: كان معنا د0 يسن عثمان، قال: كل العربات تسير أمامى، وركب هو آخر عربة، على طريق مطروح _ سيوة وكان الوقت عند الغروب، والطريق على حافة وادى، اختلت عجلة القيادة و وقعت بنا السيارة فى الوادى، من تحت العربة نطقت بالشهادتين، شعرت فى لحظة أنى قد مت فعلا، أعلى الوادى كان د0 يسن قد وصل، لاحظ انبعا ث نور سيارة أسفل الوادى، قال فقير ـ اسم سائق السيارة ـ: هذه سيارتنا، قفز الرجل من السيارة و هى تسير،نزل الوادى، ونقلونا مستشفى الواحات الداخلة على بعد 350 كيلومترا، وبقينا فى المستشفى ثلاثة أيام،بعدها رجعنا قنا ثانية، و نزلت للمقاومة فى وادى أم غيج، كان القمر ساطعا ليلة 14، بعد 3 ساعات متواصلة من الرش المبيد خنقنى، لم أستطع التنفس، أوقفوا المقاومة و نقلونى إلى مستشفى القصير 0
عوض مكاريوس اشترك فى المقاومة عند الكيلو 85 قنا ـ سفاجة: ما شاهدناه كان عجيبة من العجائب، منظر الجراد فى الأرض و السماء يضرب وجه البنى آدم كان شيئا فظيعا00 فظيعا، كنا نبدأ مقاومة فى الساعة الرابعة فجرا ونعود إلى الاستراحة فى الثامنة مساءً،أنا وقعت ولم أحتمل المبيد، ووجد تنى أتقيأ دما، كثيرون مثلى تقيؤا دما، أعطونا سلفات أتروبين ضد التسمم كان مدير قاعدة الجراد بقنا و مدير منطقة جنوب الصعيد لمكافحة الآفات وقتها ـ مبارك النقيب ـ يسهر بجوار أى عامل يصاب00كان يخاف علينا 0
مهندس يوحنا كامل من قاعدة مكا فحة الجراد بالقصير، عمل بمناطق الشلاتين و وادى (بواى واى ) و أم غيج، جاءه خبر من البدو أن وادى العلاقى به جراد، خرج هو وزميله محمد الديب فى سيارتين ومعهما عدد من العمال الخطرية و دليل جبلى من قبائل العبابدة الذين يسكنون هذه المناطق،و تعرض لحادثة لاينساها: ثارت الرياح ودخلنا وسط عاصفة رملية،الرمال حجبت السيارة التى أمامى ظننت ذلك الغبار من أثرسير العربة فى الوادى غير الممهد،انتظرنا قليلا لم ينقشع الغبار، و اكتشفنا أننا فقدنا أثر السيارة التى تقل الدليل وأننا وسط دوامة هواء شديدة، لم يكن معنا ماء و لا طعام و لا دليل 00 وقتها شعرت فعلا بالخوف،كان معى ميكانيكى اعتاد السير فى الصحراء، بدأ يتتبع أثر السيارة على الرمال ـ الجور ـ، لفت نظرى ونحن نتتبع الأثرظهور كلب شكله غريب،الجالس بجوارى ضحك و قال: هذا ذئب 00، فجأة فقدنا أثر السيارة على الرمال، كان موقفا لا ينسى، تتبع على النجار أثرا آخر قادنا إلىإحدى شركات التعدين، وقفنا هناك حتى وصلوا إلينا بعد أكثر من ساعتين و معهم الدليل، عندما رآنا قال: أبشر يا زول أنت سعيد؟ وتمنيت أن تكون هذه بحق نهاية الأحداث المفزعة، وصلنا لوادى العلاقى و وجدنا أسراب الجراد جاثمة على الأرض، أعمال المقاومة تكون دائما إما قبل الغروب أوقبل الشروق، نصبنا الخيام و نثرنا بعض المبيدات حولها لدفع الزواحف و نمنا، و إذا بهزة عنيفة تكاد تقتلع الخيمة من مكانها، وإذا بذلك الذئب يحاول اقتحام المكان، لا أدرى كيف ابتعد الذئب فقد كانت الأحداث تتلاحق بشكل غريب، و قبل أن نسترد أنفاسنا صرخ أحد العمال، لدغته عقرب، من حسن الحظ كنا قريبين من بيوت البدو قال الدليل: عندهم كتابة أى تعويذة من أحد المشايخ الرفاعية، وضعوا الورقة على مكان اللدغ و بعد دقائق شفى، كان الفجر قد لاح، بدأنا المقاومة00 على فكرة يوحنا كامل كان من المهندسين الشبان الذين تم تعيينهم قبل أيام من هجوم الجراد00 كانت هذه أول مهمة عمل تسند إليه 0


الشيخ الفقير

بلغة صعيدية حلوة يصف المهندس فتحى محفوظ مدير محطة القصير معركة الجراد عام 1988 فيقول: كأنها حريجة و لازم تطفيها، مابتفكرش الساعة دى فى جرش و لا تعريفة و لا وكل و لا شرب، المسؤلية بتبجى رهيبة، اللى بتفكر فيه السرب ده لو وصل للزرع كيف تكون الخسارة؟ اسأله ماذا يحتاج رجل اجراد أثناء عمله؟ يقول:الجندى الذى يعمل فى مقاومة هذه الحشرة والذى يكون فى حالة استعداد ولمدة شهور داخل الصحارى والجبال يحصل على قروش معدودة ف اليوم كبدل سفر ولا شىء غير ذلك، نأمل أن تنظر الدولة لمسألة بدل اسفر و نحن أحق به من فئات كثيرة، أيضا لابد أن يكون هناك بدل تغذية كى يستطيع العامل أن يقاوم كمية السموم الضخمة التى تدخل جسمه، و نأمل أن تزود قواعد الجراد أيضا بالطعوم الخاصة بالعقارب و الثعابين، و كذلك ثلاجات متنقلة تسمح بحمل هذه الطعوم أثناء العمل بالجبال 0
عندما وصلت إلى جنوب الصحراء الشرقية كان الجزء الأكبر من أعمال المقاومة قدانتهى وتعجبت عندما وجدت جوالا مليئا بالجراد الميت سألت المهندس فتحى: هل هذا هو الجراد الذى هاجم مصر؟ ضحك واصطحبنى فى جولة إلى الأماكن التى جرى بها اعمال المقاومة و رأيت أكواما من الجراد الميت تفترش وديان الجبال؟ سألته لماذا يحتفظون بهذا الجوال الممتلىء بالجراد الميت؟ هل هى للذكرى؟ وعرفت أن هناك سببا آخر جو هريا 00 الجوال ذاهب إلى القاهرة ليراه كبار المسؤلين!!!
أثناء ترحالى مع رجال المقاومة لتعقب فلول الأسراب التى قد تكون هربت من الإبادة جمعتنى صداقة بهؤلاء الجنود البسطاء حماة الحدود الجنوبية لمصر، علمت من المهندس فتحى أنه قد ترك زوجته بمفردها فى البيت طوال الشهور الأربعة للمقاومة، لم يكن الله قد رزقهما بأطفال رغم سنوات الزواج الطويلة، أتمنى من الله أن تكون أمنيته فى طفل يحمل اسمه قد تحققت 0
و أتمنى أن يكون عم على قد حصل على الدرجة الوظيفية التىكان ينتظرها، فقد جلس يومها بجوارى مهموما يحكى حكايته،تم تعيينه سنة 1969 عاملا، و فى عام 1985جاء أمر من الوزارة أن يتدرب هو وبعض زملائه على قيادة السيارات، و عمل منذ ذلك الوقت سائقا ولكنهم لم ينقلونه إلى فئة السائقين ولم يتمتع بأية حقوق يحصل عليها زملاؤه السائقين، وقتها أرسل للجهاز المركزى للمحاسبات، وظل الجهاز يحول الطلب إلى الوزارة و الوزارة ترد بعدم توافر درجات مالية، سنة وراء أخرى وهويمسك بخيوط الأمل، ليته يكون قد نال حقه الوظيفى 0
ما زلت أذكر اسمه جيدا، على عوض أحمد موسى، سائق بلجنة البرامية طريق ادفو ـ مرسى علم، ذهب مع فريق للمساعدة فى منطقة العلاقى، كان المبيت بالمعسكر، الساعة الخامسة صباح قام يتوضأ لصلاة الفجر، قبل أن ينتهى من الوضوء لدغته طوريشة، وهى نوع صغير الحجم من الثعابين ولكنها مميتة، المصاب لايعيش أكثر من3 إلى 6 ساعات حسب قدرته على المقاومة 0
الناس فى هذه المناطق يعلمون جيدا أنه لا شفاء من سم الطوريشة، و لذلك يبترون على الفور الجزء المصاب، و لكى يو قفون النزيف يغمسون مكان القطع فى زيت مغلى، شاع الفزع فى المعسكر كله، أبلغ قائد الفريق القاعدة الرئيسية بقنا عن طريق اللاسلكى بينما أكمل عم على وضوءه وصلى الصبح وجلس ينتظرقضاء الله 0
حمله الرجال إلى بيوت العربان القريبة، أعطوه ليمونا ليوقف سريان السم فى جسده، ثم أعطوه جبنا و شاى مر و هو مشروب يصنع من مسحوق البن و السحلب و الجنزبيل، يشرب بدون سكر حتى يكسر حدة السم، هكذا قالوا00 ومن حسن حظه كان الحاج محمد الذى يسمونه الشيخ الفقير فى زيارة لأقاربه من البدو، و هو يقيم بالسودان، ويأتى فى هذا الوقت من العام لعقد حلقات الإنشاد الدينى، الشيخ الفقير أحد أتباع الطريقة الرفاعية، توضأ الشيخ الفقير و صلى، ثم أمسك بالإصبع المصاب، وظل يتلو أدعيته حوالى نصف الساعة، و كل 5 دقائق يسأله: هل تشعر بحرقان فى القلب؟ هل تشعر بصداع؟ ثم يطمئنه، حتى تجمعالسم بطرف الإصبع، شق الجلد وتساقط دم أسود، ثم نصحه الشيخ الفقير بالذهاب إلى المستشفى للإطمئنان، حمله مهندس الحملة إلى مستشفى أسوان على بعد 4 ساعات، لحظات لاتنسى قال عنها: كان لدى وقتها خمسة أولاد أكبرهم عمره تسع سنوات، حصل لى رعب، طول السكة أقول ياترى أشوف أولادى مرة أخرى؟ لكن العرب قالوا لنا فكرة، فى أول الهلال تبدا الطوريشة تربى أسنانها، يوم 14 تكتمل الأسنان، فى آخر الهلال تسقط، من حظى كان اليوم 3 فى الشهر العربى0
فى الحقيقة لم ير سكان القاهرة هذه الأيام هجمات للجراد كما صورتها الصحف، لم تتعدى المسألة فلولا متناثرة من أفراد الجراد الأحمر، وكان آخر تصريح لوزير الزراعة قبل بث هذا الموضوع هو التأكيد على أن الوزارة لم تتلق أية بلاغات عن تلفيات حدثت نتيجة عبور افراد الجراد المتناثرة الأجواء المصرية فى طريقها إلى البحر الأحمر ثم الأراضى السعودية، وهى رحلة الهجرة السنوية المعتادة حيث تعود بعد ذلك إلى أفريقيا مع قدوم الربيع، ولذلك يحذر خبراء الجراد من هجمات أكثر شدة من جهة الشرق الأفريقى و السودان فى الربيع القادم، على كل الأجهزة أن تستعد حتى لا تفلت فلولا ولاأسراب، فالجرادة الواحدة تضع 250 بيضة، و لذلك دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجراد فى كل أطواره عندما وقعت فى يده الشريفة جرادة فوجد مكتوبا على جناحها: نحن أكثر جند الله 0