يكفيك أن تستقل في ألمانيا القطار الخطأ ويحملك إلى مصير مجهول وإذا استطعت النفاذ بجلدك، يكون قد كتب لك عمر جديد. من ظن أن موجة العداء ضد الأجانب التي انفجرت في ألمانيا في مطلع التسعينيات، قد انتهت بحلول القرن الجديد، فهو خاطئ في ظنه. فقد تعرض شاب أردني مقيم بفرنسا قالت الشرطة الألمانية أنه يدعى عصام أحمد ويبلغ 26 عاما من العمر، إلى مطاردة مرعبة في مدينة فرانكفورت بألمانيا الشرقية السابقة الواقعة على نهر أودر والمتاخمة للحدود الألمانية البولندية. وكان القدر قد كتب لهذا المواطن العربي أن يستقل القطار الخطأ ظنا أنه سيحمله إلى مدينة فرانكفورت الواقعة على نهر ماين والكائنة في الشطر الغربي من البلاد.
وقالت صحيفة (تاجيس شبيجل) الصادرة في مدينة برلين التي أوردت النبأ أن عصام تعرض خلال المطاردة التي واجهها، إلى البصق والضرب كما لوحق من قبل مجموعة من النازيين الجدد عبر طرق سكة الحديد مجازفا بحياته بالتعرض إلى خطر الدهس من قبل القطار السريع. وقال عصام أنه عاش أسوأ تجربة عرفها في حياته لمجرد أنه استقل القطار الذي ظن أنه سيحمله إلى مدينة فرانكفورت في الشطر الغربي من ألمانيا. وتعتبر مدينة فرانكفورت على نهر أودر معقلا للمتطرفين اليمينيين الألمان. وذكر تقرير الشرطة المحلية أن ستة أشخاص على الأقل قاموا بعملية مطاردة الشاب الأردني بعد وقت قصير على وصوله المدينة. وقام المدعي العام بالمدينة المذكورة بإصدار مذكرة إيقاف ضد شاب ألماني يبلغ الثانية والعشرين من العمر ثم تراجع عن احتجاز حرية شابة في سن الـ19 بعد أن أبلغت الشرطة أنها أمّ مضطرة للعناية برضيعها.
حسب المعلومات التي توفرت أمضى المواطن الأردني أيام الميلاد ورأس السنة في مدينة برلين وتوجه يوم الجمعة الماضي إلى محطة القطارات الرئيسية للذهاب إلى مدينة فرانكفورت. لكنه استقل القطار الذي تتبع كلمة فرانكفورت حرف O باللاتينية أي مختصر لكلمة Oder ومعناها اسم نهر أودر حيث هناك مدينة ألمانية تحمل نفس اسم مدينة فرانكفورت عاصمة المال الشهيرة في الجنوب. هكذا استقل عصام أحمد القطار الذي حمله إلى عمق الشطر الألماني الشرقي وهي مناطق تحذر البعثات الدبلوماسية الأجنبية مواطنيها من السفر إليها، تجنبا للتعرض لاعتداءات من قبل النازيين الجدد الذين أقاموا مناطق يصفونها بأنها محررة من المواطنين الأجانب. وراح ضحية جرائم قتل عنصرية ما يزيد على عشرة أشخاص وجرح أكثر من ثلاثين شخصا بينهم ثلاثة على الأقل من المواطنين الأجانب بينهم بريطاني اسود وإيطالي يمضون بقية العمر على عربات متحركة بعد أن أصيبوا بشلل تام نتيجة الضرب المبرح الذي تعرضوا له على أيدي النازيين الجدد.
وقال عصام أنه أدرك بعد وصوله إلى محطة فرانكفورت على نهر أودر، أنه وقع في خطأ ولم يسبق له أن سمع بوجود مدينتين في ألمانيا لهما اسم واحد ويفرق بينهما اسم النهر الذي تقع كل منها على أطرافه، وأن عصام، جاء إلى واحدة من أخطر مناطق ألمانيا الشرقية على المواطنين الأجانب الذين يتجنبون التجول في أراضي الشطر الشرقي. وقالت صحيفة (تاجيس شبيجل) أن المواطن الأردني سار في المحطة لهدف الاستفسار عن طريق العودة إلى برلين والوصول إلى هدفه الأصلي لكنه وجد نفسه أمام أربعة رجال وامرأة في سن الـ36 مع ابنتها البالغة 17 عاما من العمر وكانوا جميعهم مخمورين. قالت مصادر أمن محطة القطار أن هذه المجموعة من الأشخاص معروفة ويتواجد أفرادها باستمرار في المحطة حيث يثيرون المشاكل ويرتكبون أعمال عنف. المؤكد أن عصام حاول الاستفسار من أفراد هذه المجموعة عن طريق العودة إلى برلين الذين شعروا أن أجنبيا يتحدث معهم بلغة لا يعرفونها يقوم باستفزازهم في عقر دارهم. ما حصل بعد ذلك، عبارة عن حلم مزعج يتمنى عصام أن يكون قد رآه مرة واحدة في حياته. سرعان ما انهال عليه هؤلاء بالضرب والسباب والبصق. فر الشاب الأردني إلى الطرف الآخر من المحطة لكن أفراد المجموعة لحقوا به وأوسعوه ضربا أمام سمع وبصر مجموعة من المسافرين الذين اكتفوا بمراقبة الحدث في الوقت الذي تشجع فيه أحدهم وقام باستدعاء الشرطة التي قامت باعتقال المعتدين. أوقف قاضي التحقيق رجلين بينما أفرج عن الآخرين وقال المدعي العام أن هدف الرجلين في هذا اليوم كان التخطيط للاعتداء على مواطن أجنبي ومن سوء حظ عصام أحمد أن رمى نفسه بأحضان هذه المجموعة. غير عصام خطة السفر وقرر متابعة سفره على الفور إلى فرنسا مثقلا بجراحه رافضا أن يعاينه طبيب في مدينة فرانكفورت على نهر أودر وقال أنه لا يريد أكثر من مغادرة الأراضي الألمانية وبأسرع وقت.
سرعان ما أعاد هذا الاعتداء إلى الأذهان، مسلسل الاعتداءات التي قام بها متطرفون ألمان على مواطنين أجانب بينهم جريمة بشعة راح أحد المواطنين الجزائريين ضحية لها في بلدة غوبن حين طارده شباب ألمان من ذوي الرؤوس الحليقة فاضطر إثر الخوف الذي اعتراه أن يقذف بنفسه إلى باب زجاجي لأحد المساكن فأصيب بجراح خطيرة في ساقه وتركه النازيون الجدد ينزف حتى الموت. كما تم قتل مجموعة من المواطنين الأفارقة حيث تم قذف أحدهم من ترام الشارع بعد أن أوسعه المتطرفون الألمان ضربا. وكاد يتعرض عصام أحمد لمثل هذا المصير وخطر التعرض إلى الصدام من قبل القطار السريع حين فر هاربا من بطش المعتدين وكانت الظلمة قد غطت المكان.
وتأتي هذه الحادثة لتكون انتكاسة جديدة لمنطقة تحاول النهوض على قدميها واللحاق بركب الحضارة بعد سنوات العهد الشيوعي السابق لكن مثل هذه الاعتداءات لم تكن تحصل في عهد الشيوعيين. فبعد انهيار جدار برلين جاءت تنظيمات النازيين الجدد من الشطر الغربي إلى الشطر الشرقي ونشرت شعارات معادية للأجانب للحصول على تأييد الناخبين، فرفعت شعارات: ألمانيا للألمان ووظائف العمل للألمان فقط وغيرها. لكن نجاح المتطرفين الألمان في دخول برلمانات لم يقتصر على برلمانات ومجالس البلدية في الشطر الشرقي فقط، ففي الشطر الغربي فاز الحزب الجمهوري واتحاد الشعب الألماني بانتخابات تمت في ولايات برلين وبادن فورتمبيرغ وشليزفيغ هولشتاين الواقعة في الشطر الغربي. رغم أن مدينة فرانكفورت على نهر أودر تقع على الحدود مع بولندا، الدولة التي احتلتها قوات هتلر وأوقعت فيها خسائر بشرية ودماراً هائلاً واحتلتها، ورغم أنه تم بناء جامعة (أوروبا) في هذه المدينة لتكون معقلا للشباب الأكاديمي الألماني والبولندي ، إلا أن حوادث الاعتداءات العنصرية منحت المدينة سمعة أكبر في العالم وفي كتب الدليل السياحي الأميركية يجري تحذير المسافرين خاصة الأميركيين السود من التنقل في عدد من مدن ألمانيا الشرقية السابقة كما تنصح القنصلية اليابانية مواطنيها عدم التجول في الشطر الألماني الشرقي مغبة الظن أنهم فيتناميون وهؤلاء فئة مستهدفة من قبل النازيين الجدد مثل العرب والأفارقة ومن سوء حظ عصام أحمد أنه ليس هناك دليل سياحي باللغة العربية كان يفترض أن يحذره من خطر أعداء اللون الأسمر والحضارات الأخرى ولا شك أنه آن الأوان كي تحذر البعثات الدبلوماسية العربية في ألمانيا وأوروبا مواطنيها من السفر إلى بلاد أصحاب الرؤوس الحليقة والضمائر المتحجرة والقلوب السوداء.