- تفاصيل أخري لمحاولة اغتيال عدي صدام حسين
- أمهر الأطباء وقارئو الطالع يشاركون في علاج نجل الرئيس
قد تحيد بعض كتب نقل الوقائع والأحداث عن المسار الموضوعي ويطلق الكاتب الحرية لمشاعره علي حساب الموضوعية،
إلا ان الدكتور الصحفي هاشم حسن في هذه الاستذكارات الواقعية الخطيرة يتحرك بموضوعية الصحفي الذي لا يقول (أنا فعلت)،
بل بكل تواضع يقول سمعت وشاهدت..
وما يرويه هاشم حسن في هذا الكتاب (قال لي ابن الرئيس) شهادة مروعة عن بلد سحق فيه القانون بأحذية مسؤوليه
لينقاد ويقاد إلي الكارثة المهولةالحالية والمنتظرة. وفي تفاصيل سلوكيات عدي صدام حسين يقربنا هاشم حسن من الحقيقة بموضوعية منضبطة لنتعرف علي شذوذ (شخص) يعتقد أن جميع أبناء بلاد النهرين خدم لديه، وتلك وحدها تجعله مصاباً بمرض
خارج حدود التصنيف الطبي والاجتماعي.
في هذا الكتاب رحلة مروعة عاشها الكاتب ونقلها بحاسة صحفية ماهرة، تجعلنا في أقرب صورة لما أصاب شعب بلاد النهرين.ة
توقفت سيارة عدي في ساعات المساء الأولي قرب محل تسجيلات الرواد في المنصور وعلي بعد أمتار من التقاطع الذي يؤدي إلي شارع 14 رمضان يميناً والزوراء شمالاً.. نزل علي الساهر ويقال إنه كان يحمل في يده ورقة صغيرة خط فيها عدي أرقام هواتفه علي أمل ان ينقلها الساهر إلي إحدي المتغنجات في هذا الشارع الذي يعج بشتي أنواع النساء المتبرجات والمتبرجزات! لكي تتصل بعدي الذي يتسلي بهكذا مغامرات ويعدها نوعاً من طقوس الصيد لأن نوع الضحية في شوارع بغداد تختلف! ولحمها الأبيض أكثر شهية من اللحم المستورد أو الجاهز، وهذه العملية تنطوي علي مفاجآت لم يكن عدي يعلم بأنها هذه المرة ستكون مفاجأة غير سارة! فجأة دوي صوت الرصاص وفوجئ الناس بشابين يطلقان الرصاص من مدافع رشاشة أوتوماتيكية علي سيارة بورش أنيقة لم يكن أحد يعرف أو يخمن من كان في داخلها ولمن كانت تلك الجثة التي مالت علي الكرسي المجاور لتتلقي سيلاً منهمراً من الرصاص. نال جانبها الأيسر ولم يطل الرأس أو الرقبة، كان أحد المهاجمين علي مقربة من الجانب الأيسر من السيارة ثابتاً في مكانه علي الجزرة الوسطية.. ووقف المهاجم الثاني إلي يمينه لحمايته، وفعلاً تمكن من الرد بسرعة علي أحد المارة الذي انتزع مسدسه فوراً وصوبه علي أحد المهاجمين مخمناً أن العملية استهدفت شخصية مهمة فسقط الرجل قتيلاً.. وما هي إلا لحظات حتي تواري الرجلان عن الأنظار، بعد ان قذفا علي الأرض سلاحيهما الرشاش، واندفعا راكضين باتجاه زقاق ضيق ــ قيصرية ــ قادهما إلي الشارع المجاور ووسط فزع الناس وصراخ النسوة والأطفال وذهول أصحاب المحال هرب الرجلان من المكان وتلاشت آثارهما.
أما عدي فقد غرق بدمه.. وأسعفته الإرادة الإلهية في تلك اللحظة بشابين، اقتربا منه وسحباه من سيارة البورش فوراً، وشعرا بالذهول حين عرفا ان الضحية هو عدي صدام حسين، نقلاه فوراً إلي سيارتهما وهي من نوع تيوتا سوبر كانت علي مقربة من مكان الحادث.. وسمعا عدي وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة، لكنهما أدركا أنه يطلب منهما التعجيل في نقله إلي مستشفي أبن سينا في القصر الجمهوري، فانطلقا فوراً إلي المكان المطلوب وأحدهما كان يحاول إيقاف نزيف الدم المتدفق من جسد عدي من أماكن متعددة.
فوضي في القصر
عمت الفوضي في كل أرجاء القصر الجمهوري.. ووصلت السيارة إلي باب المستشفي وأدخل عدي فوراً إلي صالة العمليات ودخل المستشفي حالة الطوارئ القصوي وحضر خلال دقائق كبار الأطباء.. وجرت محاولات خرافية لإيقاف النزيف من ثلاثة عشر جرحاً غاصت فيها الإطلاقات.. واستقبل جسد عدي النازف كمية كبيرة من الدم.. وكان بينه وبين الموت كما ذكر ذلك الأطباء لحظات لأنه فقد من دمه الشيء الكثير وما تبقي لم يكن يكفي لإدامة الحياة!
مفارز جهاز الأمن الخاص وقوات طوارئ الحرس الجمهوري والأجهزة الأمنية الأخري حضرت فوراً إلي مكان الحادث وعلي رأسهم قصي وأغلقت مداخل حي المنصور وصدرت الأوامر لإخضاع مداخل ومخارج بغداد كلها لحملات تفتيش وتدقيق وامتدت الإجراءات إلي نقاط الحدود الدولية.
صدام حسين وصل إلي مستشفي أبن سينا علي وجه السرعة وأعقبته بعد ساعات ساجدة خير الله أم عدي وشقيقاته وأبناء خاله وعمومته والمقربين إليه..كان الغضب بادياً علي وجه صدام وهدد الأطباء بالويل والثبور إذا ما فقدوا السيطرة علي الأمور وتم استدعاء خيرة الأطباء وعرضت فكرة ترحيل عدي خارج العراق بطائرة خاصة لكن الأطباء أكدوا خطورة الحالة واستحالة نقله من مكانه وان الساعات القليلة القادمة حرجة وهي التي ستحدد مصيره الذي تميل كفته إلي الموت لشدة الإصابات لكن أحداً من الأطباء لم يجرؤ علي التصريح أو التلميح بهذه الحقيقة وكانوا في وضع ارتباك وقلق لا يحسدون عليه، لا سيما وان صوت صدام حسين يرن في آذانهم.. وكان في حالة قلق شديد ويتخطي في الصالة الرئيسية للمستشفي وصوته كان يملأ أرجاء المكان، وكأنه أزير الأسد.. وهو يردد.. لقد نصحتهم أكثر من مرة باتخاذ الحيطة والحذر وعدم التجوال في هذه الأماكن (راح يشمتون العالم بينه!!) (ونسب كلام كثير.. إلي صدام حسين في تلك الليلة لم نتأكد من مصداقيته فتركناه) وأمر صدام قصي بالإشراف بنفسه علي تحقيق معمق للوصول إلي معرفة الجناة بأسرع وقت لصيانة هيبة السلطة وأول من خضع لاستجواب قاس هو علي الساهر الذي روي لقصي تفاصيل تلك الرحلة المأساوية والبعض من أسرار عدي وعلاقاته النسائية!
لم يسمح في الأيام الأولي لحشود المسؤولين الرسميين والحزبيين من الوصول إلي بوابة مستشفي أبن سينا في القصر الجمهوري، بينما رابطت عائلة الرئيس وأقاربه في الصالة الرئيسة للمستشفي وأنهال علي الرئيس سيل من المكالمات الهاتفية من كل العالم للاطمئنان علي حياة عدي.. وبعد استقرار الوضع الصحي لعدي ونجاح العمليات الجراحية الأولي منح جسده استراحة.. بانتظار سلسلة من العمليات الأخري لإخراج رصاصات استقرت في أماكن حساسة في أسفل العمود الفقري، لكن الصالة الكبري للمستشفي فتحت لاستقبال الزوار وباقات الزهور ازدحمت بها ممرات المستشفي وامتلأ سجل الزيارات بالتواقيع.. ورابط كبار المسؤولين ساعات طويلة في المستشفي علي أمل ان يسمح لهم بإلقاء نظرة علي الأستاذ.. وكان بعضهم يصطنع التأثر، ويذرفون الدموع ويتظاهرون بالحزن العميق والشعور بالمصيبة.. وتكرر هذا المشهد علي مدي أسابيع عديدة حتي خرج عدي من المستشفي بالطبول والأهازيج ونحر الذبائح وبمهرجانات لا مثيل لها تكررت بعد ذلك كل عام وفي المكان ذاته الذي وقعت فيه الحادثة.
اخطر اعتراف
بعد ساعات انتظار طويلة لأعضاء مجلس نقابة الصحفيين (وكنت أحدهم) في صالة المستشفي الذي غص بحضور كبار الشخصيات الرسمية والحزبية والوجهاء وساد الصمت المطبق، فلم يكن يسمع إلا صوت فناجين القهوة التي كنا نحتسيها بصمت أيضاً.. لكن حجي عبد وهو شقيق علي حسن المجيد كسر جدار الصمت وفتح حواراً معنا عن حرية الصحافة، وفوجئت وأنا أسمع ثناءه علي مقالاتي النقدية، والتعبير عن إعجابه بها وبالصحافة الجريئة ورافق ذلك تعليقات لطيفة ومهذبة، وقال حجي عبد الذي كان يتولي منصب نائب رئيس جهاز المخابرات للملاطفة (نحن نخاف من مقالاتكم الجريئة) ثم علمنا ان عدي وضع في غرفة خاصة في الطبقة الثانية حيث تعرض عليه أسماء الزوار ويؤشر علي من يرغب بمقابلتهم.. أخبرنا حجي عبد بأننا سنلتقي بالأستاذ، وطلب منا أولاً، تناول وجبة طعام وحين حاولنا الاعتذار رفض وقال ان هذه المائدة (من خيرات صدام حسين ولا يجوز لأحد ان يرفضها) تناولنا الطعام وعدنا إلي الانتظار في الصالة الكبري.. وبعد دقائق أخبرونا بالاستعداد لمقابلة الأستاذ وبضرورة الالتزام ببعض التعليمات، وسرنا بنسق محدد وصعدنا الدرج وبعد دقائق كنا أمام الغرفة التي أستقر فيها عدي صدام حسين الذي أنشغل الرأي العام بحادث اغتياله وكثرت الشائعاا عن مصيره وحالته الصحية..وها.. نحن تتاح لنا فرصة تاريخية لمعرفة الحقيقة علي الطبيعة وبدون رتوش!! فتح لنا الباب كهلان خير الله طلفاح، ودخلنا الغرفة وكل منا ينتابه شعور وإحساس غير طبيعي وحالة من الترقب والتوتر اختلطت فوراً بمشهد عدي وهو يظهر أمامنا مسجي علي سرير صغير ومغطي جسده بكامله بشراشف بيض تمتد من أخمص قدميه حتي رقبته، وكأنه ملفوف بكفن تماماً كأنه ميت، بانتظار الدفن.. بدا الهزال علي جسده الذي تلاشي تحت الشراشف وطغي الاصفرار غير الطبيعي علي وجهه.. فتح عدي عينيه ونظر إلينا بعد ان أدرك شعورنا بالصدمة. لم تتحرك سوي شفتيه، وحين اقتربنا منه رفع يده اليمني بصعوبة بالغة لمصافحتنا، أمسكت بيده وشعرت بنبضات قلبه وهي تدق بسرعة واضطراب، لكن كهلان أبن خاله كان يراقب الموقف فسارع لسحب يدي، وفهم الجميع من هذه الحركة أمراً بعدم الأثقال علي (الأستاذ) انتهت بسرعة مراسيم تبادل التحيات والتمنيات بالشفاء.. بعدها وقفنا صفاً واحداً أمام جسد عدي المجثي أمامنا.. وبادر السيد داود الفرحان ــ كونه أكبرنا سنا للتحدث نيابة عن الأسرة الصحفية من خلال كلمة قصيرة عبر فيها عن أسف الأسرة الصحفية وحزنها لهذا الحادث المؤلم وأملها بعودة الأستاذ بسرعة إلي الوسط الإعلامي والصحفي والثقافي الذي يري فيه سنداً للصحافة المجددة.
بعدها ساد صمت طويل، وتحفز من حاشية عدي(أقاربه وحمايته) الذين كانوا، ينتظرون إشارة بسيطة منه لإخراجنا فوراً ليس من الغرفة بل من الطابق الثاني كله، وربما المستشفي، كان عدي يصغي بانتباه وعيناه الذابلتان تحدقان بالحضور يتفحصنا واحدا تلو الآخر.. أشار بإصبعه، فهرع إليه من حوله ووضعوا خلف رأسه وسادات عدة وشعرنا بأنه يريد ان يتحدث إلينا، برغم إحساسنا بعدم قدرته علي الحركة أو الكلام.
استجمع عدي كل قواه،وكان يتنفس بسرعة غير اعتيادية. بدأ الحديث بصوت منخفض جداً، لكن الصمت الذي لف المكان والمستشفي كله، وتحفز حواسنا جعلنا نمتلك قدرة عالية علي التقاط الحروف والكلمات والأنات من فم عدي الذي بدا لنا وكأنه يحتضر ويدلي بوصيته الأخيرة بقدرة مميزة تفوق قدرة أحدث أجهزة التسجيل في العالم!!