اعتدال سلامه من برلين: منذ سنوات قليلة بدأت تثار قضية شائكة ومعقدة تتعلق بالآثار المخزنة أو المعروضة في المتاحف الأوروبية. وشهدت هذه القضية سجالا حاميا قبل فترة بين مسؤولين في دائرة الآثار المصرية والسلطات البريطانية لإعادة بعض القطع الأثرية المهمة.
لكن ما تم استرجاعه بعد ذلك يشكل جزءا بسيطا جدا مما تحتويه دهاليز المتاحف أو ما يعرض للزوار اللذين يقفون في بعض الأحيان طوابير طويلة من اجل مشاهدة قطعة نادرة في متحف، مثل ما يحدث في المتحف المصريات في برلين فآلاف الزوار يتدفقون للتمتع بمشاهدة التمثال النصفي للملكة الفرعونية نفرتيتي.
ويشعر الزائر العربي بالحزن عندما يدخل إلى متحف جلبت أهم معروضاته من الشرق الأوسط مثل متحف" بورغامون- متحف الشرق الادني "، فالآثار التي تعرض فيه تظهر مدى عظمة حضارتنا وعمقها لكن لم تجد لها مكانا في بلدها لأسباب عديدة منها السلب والسطو أو الإهداء أو التلف لكثرة الإهمال.
ومن بين الجهات التي أشبعت عطشها للآثار الشرقية والعربية في القرون الماضية ويعود الفضل إليها في وجود أندر القطع في متاحف برلين وفرانكفورت وميونيخ هي الجمعية الألمانية للدراسات الشرقية وتأسست قبل أكثر من مائة عام.
فالرايخ القيصري كان يحب العظمة والجاه والشهرة أوعز إلى العلماء والمستشرقين في زمنه لتزويده بأجمل القطع الأثرية وأعظمها. من بين هؤلاء المهندس المعماري روبرت كولدني وقام بعدة عمليات تنقيب في منطقة الشرق الأوسط. فاكتشف ما بين عامي 1899و1917 قصر نبوخذ نصر الثاني ( 604 - 562 قبل الميلاد ) والبقايا المتبقية من برج بابل الأسطوري الذي كان الاسكندر الكبير( 36 323 ق.م ) قد أمر بنقله حجرا حجر من اجل إعادة بنائه كما كان في عاصمته القديمة.
بينما وجدت بوابة عشتار مع شارع الموكب طريقا إلى برلين عاصمة الرايخ ما بين عام 1926- 1927 بعد إعادة بناؤها بالكامل وهي تشكل اليوم بنقوشها الناتئة ومحافظتها على ألوانها الأصلية النقطة المركزية في متحف " برغامون- الشرق الأدني" في برلين، وشاهدا على عظمة الفن البابلي.
وعندما أثيرت مطلع القرن الماضي قضية الملكية لمختلف القطع الأثرية الكبيرة الصغيرة، رفض حكومة الرايخ معالجتها بحجة أن كل القطع تم الحصول عليها بالطرق القانونية. فحتى الحرب العالمية الأولى كانت تتولى لجان من الحكومة العثمانية قضية تقسيم القطع التي يتم العثور عليها في مناطق نفوذ الإمبراطورية العثمانية مناصفة بين المنقبين وحكومات البلدان التي يجري التنقيب والحفر فيها.
وتحت هذا الشعار تابع المنقبون الألمان وغيرهم من الأوروبيين أعمالهم ومن أهم ما عثروا عليه في مدينة العمارنة المصرية عام 1911 التمثال النصفي للملكة نفرتيتي الذي يشكل أهم المعروضات في متحف المصريات في برلين، كذلك واجهة قصر المشتى في الأردن وبني في النصف الأول من القرن الثامن ميلادي وقدم هدية إلى سكان برلين كما قيل.
ولقد شهد العام الماضي خلافا كبيرا بين مدير متحف المصريات الدكتور فردريش فيلدونغ ومسؤولين عن دائرة الآثار المصرية طالبوا باسترجاع تحف مصرية معينة منها التمثال النصفي للملكة نفرتيتي.
لكن مدير المتحف المعروف بشغفه بالآثار الفرعونية منذ عام 1975 وتسلم عام 1989إدارة المتحف المصري في برلين وكان أسسه الملك البروسي فردريس فيلهلم الثالث عام 1828يدافع عن فكرة بقاء ملكة مصر في مكانها الحالي.
وكما هو معروف يضم متحفه أجمل الآثار المصرية في العالم وأندرها وأثمنها كتماثيل عديدة تعود إلى العائلة الفرعونية الخامسة أي قبل 2400 سنة قبل الميلاد ولوحة للملك أخناتون من العائلة 18، حوالي 1350 قبل الميلاد وبوابة الهيكل في كلبشا الرائعة ذات النقوش الذهبية وأهدتها حكومة مصر إلى الحكومة الألمانية عام 1973. إضافة إلى لوحات خطت بالحرف هيروغلوفية ولوحات فنية مازالت محتفظة بألوانها.
فحسب رأي الدكتور فيلدونغ فان التحف المصرية افضل رسول لتوصيل فكرة جلية عن الحضارة المصرية القديمة العريقة إلى الشعب الألماني وكل الزوار في العالم، واحسن سفير لمصر وذلك باعتراف العديد من الدبلوماسيين المصريين أنفسهم.
فالآثار القديمة تلعب دورا مهما لفهم الشعوب لبعضها البعض، والقطع الفنية الموجودة في متحفه تؤدي هذه المهمة على افضل وجه. بالطبع يمكن القيام بهذه المهمة عبر إقامة معارض ومحاضرات وكتابة تقارير صحفية لكن الفرصة الوحيدة والنادرة التي بإمكانها ترجمة هذا التقارب هو ما ينطق به كل اثر، فلحضوره خصوصية وتأثير مباشر ويتحدث لغة لا يمكن لنسخة إتقانها، وهذا ما يشعر به الزائر عندما يقف مثلا أمام الملكة نفرتيتي أو لوحة هيروغلوفية يعود عمرها إلى 4000 عام أو تمثال عمره 3000 سنة.
وحيال مطالبة بعض الدول استرجاع آثارها من الدول التي تمتلكها اليوم بحق أو بغير حق يقول عدد كبير من علماء الآثار بان مصر وبعكس الدول الأخرى ترزح تحت عبأ كثرة الآثار والاستكشافات بشكل تكاد تنفجر. فمع كل عملية تنقيب يتم يوميا إخراج اثر جديد، لذا فهي تقف أمام مشكلة المحافظة على هذا الكم الضخم جدا.
لكن برأي البعض الآخر فأن افضل حل هو إنشاء فرع أو أقسام في متاحف عالمية تسمى على سبيل المثال المتحف الوطني المصري فرع برلين توضع فيه الآثار لسنوات طويلة، تكون بديلا للمعارض من أجل تفادي عمليات النقل الشاقة والمخاطر التي تتعرض لها القطع ويتحمل تكاليف النقل" المتحف الفرع " للدولة المضيفة أو المتاحف أو المؤسسات فيها.
في نفس الوقت لا ينفي العلماء فقدان دول لآثار نادرة وثمينة عبر السرقات والسلب وتشكل جزءا كبيرا من حضارتها وثقافتها منها بلدان في الشرق الأوسط، ويقولون أن ما تم سلبه من تحف قديمة يمثل خرقا للقانون لا جدال فيه، لكن المسؤولية في هذه الحالة لا تقع دائما على عاتق المتاحف التي تحتوي عليها، في الوقت نفس يرون في رفع الدعاوى لاسترجاعها مسألة معقدة جدا، لكن توجد قطع حصلت عليها ألمانيا عبر الطرق القانونية من العديد من الدول العربية منها العراق ولا غبار على وضيعتها القانونية.
&
لكن ماذا عن رأي الإنسان العادي في ألمانيا، هل يجب إعادة هذه الآثار إلى موطنها الأصلي أم مواصلة إبقائها في المتاحف الألمانية؟
يصيب الحزن الدكتور بهاء الخيلاني الطبيب العراقي الأصل ورئيس اتحاد المثقفين العرب ويعيش في برلين منذ اكثر من 25 عاما الحزن عندما يدخل متحف برغامون - متحف الشرق الأدنى كما قال لايلاف. فهو يشعر كعراقي ومن سكان منطقة بابل العريقة بالقدم والحضارة الإنسانية الضخمة التي تعود إلى حوالي 3000 سنة قبل الميلاد عند دخوله هذه المتحف خاصة وهو يشاهد الآثار البابلية منها بوابة عشتار العظيمة بأنها قطعة نزعت من روحه وجسده موجودة من مكان غير مكانها.
ورغم كل ما يقوله خبراء الآثار عن ضرورة توفير التقنية العالية والمناخ الجيد للحفاظ على القطع الأثرية من التلف لكن برأيه يجب أن تعاد البوابة وكل الآثار الموجودة في الخارج إلى بلدها الأصلي لأنها جزء لا يتجزأ من حضارته، ويجب إعادة كل اثر اخذ سلبا وبالقوة وبالطرق المختلفة لأنه نقل ضمن ظروف كان الوطن العربي وتحت نير الاستعمار.
لكن ولأنه يعيش في برلين و يحب مشاهدة آثار بلاده وغيرها من الآثار بشكل دائم وساعة ما يشاء يقترح صنع نسخ طبق الأصل عنها، فالتطور العلمي والتقني يوفران الآن إمكانية تحقيق ذلك، لتوضع في المتاحف الألمانية والأوروبية ولتبقى شعوب العالم على اتصال بحضارات الشعوب الأخرى.
ويرفض الدكتور العراقي حجة عدم وجود إمكانيات مادية وتقنية في الوطن العربي للمحافظة، وذكر هنا بالخبرة العربية لحماية الآثار ويلمسها الزائر بشكل واضحة على القطع المعروضة خاصة في المتاحف المصرية، كما أنقذت خبرة ومعرفة علماء عرب تحف نادرة ظلت مطمورة في التراب لقرون طويلة ومهددة بالتلف الخطير أو كانت متضررة.
وهو يؤيد فكرة إقامة تعاون بين الموطن الأصلي لأثر التاريخي والبلد المضيف له من اجل الحفاظ عليه عند عودته، لكنه لا يوافق على القول بان وجود الآثار في مكان غير مكانها الأصلي يكون أيضا شاهدا على حضارة الشعوب التي صنعتها وسفيرا لها، فالأثر التاريخي له وقع مختلف بالنسبة لتطور بلده ويشد السياح لزيارته، بينما عندما يكون في الخارج يعتبر قطعة في المعرض لا اكثر ولا اقل.
&بالطبع كل من يشاهده يعرف منشأه لكن الوقع يكون أعمق لو انه شوهد في مكانه الأصلي، فمشاهدة تمثال أبو سنبل على سبيل المثال له تأثير في النفس والقلب والروح اكثر بكثير من مشاهدته في متحف أوروبي.
ويود الدكتور الخيلاني أن تعاد بوابة عشتار إلى منطقة بابل، وأن تصنع عنها نسخة توضع في متحف برلين. ويمكن إتمام ذلك بالتعاون مع المنظمات الدولية المختصة بحماية الآثار والمحافظة عليه منها منظمة الأونيسكو. ولأن تكاليف هذه العملية الضخمة ولا يمكن للدولة المضيفة للأثر أو الأصلية تحملها بالإمكان القيام بحملات تبرع مثلما حدث مع آثار مصرية عديدة منها تمثال أبو سنبل وأنقذ خلال اضخم عملية في التاريخ لإنقاذ الآثار.
وهناك تقارب في وجهات النظر بين هذا الطبيب العراقي وأستاذة اللغة الألمانية في إحدى المدارس البرلينية أنجليكا برينز التي تعشق الآثار كما قالت لايلاف وتقوم دائما بجولات مع تلاميذها بين المتاحف. فرغم اعترافها بمدى أهمية هذه التحف في ألمانيا للشعب الألماني، فعديد لا يملك المال الوفير لمشاهدتها في بلدها الأصلي، خاصة طلاب الجامعة الدارسين لحضارات الشعوب وتاريخها و يحتاجون إلى مشاهدتها عن كثب، لكل بلد الحق باسترجاع ما سرق منه.
لكن برأيها فالملكية القانونية لهذه القطع الأثرية مشكلة دولية تعاني ألمانيا منها حتى اليوم مع روسيا التي سرق جنودها خلال الحرب العالمية الثانية آلاف القطع الأثرية واللوحات النادرة الألمانية، وتبرز هذه المسالة في كل زيارة يقوم بها مسؤول ألماني إلى موسكو وقد تسوى في يوم من الأيام.
ولا تريد المدرسة الألمانية أن تسبب الآثار خلافات بين الدول لذا فهي تؤيد فكرة صنع نسخ عن كل قطعة يجب إعادتها لتحل مكان الأصلية في المتاحف بدلا من أن تظل خالية.