ينتسب العربي إلى أبيه، إلى جده، ثم إلى جد أبيه، إلى أول مؤسس للعشيرة أو القبيلة، كان هكذا منذ سنين طويلة، وظل هكذا إلى يومنا هذا.. وكانت التشكيلة الاجتماعية للعرب في الجاهلية، تشكيلة بطريركية / أبوية بامتياز. وكان نسب العربي مثار فخره واهم ما يميزه، ولم يغير من واقع الحال شيء قول الشاعر المتأخر : لا تقل اصلي وفصلي إنما اصل الفتى ما قد فعل.
وظلت العرب في حال قطيعي، تنتظم في قبائل وعشائر، تتقاتل فيما بينها لاتفه الأسباب. وحين جاء الإسلام يوحدها، ويصهرها في عقيدة واحدة، كانت قوة النسق تصمد في وجه المتغير وتحتال عليه، وقد ظهر ذلك جليا في الصراع السياسي اللاحق، الذي حصر الخلافة في المهاجرين وفي قريش حصرا.
وعلى مدار السنين الطويلة، ولان العرب ومنذ انهيار دولتهم الواحدة، كانوا اقل أمم وشعوب الدنيا قدرة على التحول والتطور، فانهم أدمنوا " الصنمية " على اكثر من صعيد وفي اكثر من مستوى. ومن يدقق في تركيبة معظم المجتمعات العربية الآن، يلاحظ أن العشائرية، القبلية والعائلية مازالت قائمة. وحتى انه تم تنظيم الانتماء على أساس المعتقد الديني نفسه في إطار نسقي يشبه هذا. فكما يقدس أفراد العشيرة رئيسهم، تقدس الطائفة شيخها، والقرية مختارها، و" الدولة " رئيسها، ملكها أو أميرها. وكل واحد من هؤلاء لا يشبه إلا الصنم الذي كانت تعبده القبيلة في الجاهلية.
وكما كان لكل قبيلة شيخها، صار لكل " قطر " حاكمه : " الأب القائد " لا فرق إن كان ملكا، أميرا، سلطانا، أو رئيسا، وكما كان لكل شيخ قبيلة حاشية، كان لكل سلطان حاشيته من وزراء وعمال شرطة وجامعي ضرائب، ربما تعقدت وظائف الدولة الحديثة لكنها بقيت في الجوهر هي القبيلة القديمة.
ويكفي أن نشير هنا إلى أن العرب حين حاولوا قبل نحو نصف قرن أن يوحدوا أنفسهم، كانت الحرب بين أصنامهم السياسية، ولم ينشغلوا بتوحيد اقتصادهم أو فتح الحدود بين " دويلاتهم "، لذا فقد فشلوا.
وعاش العرب عقودا طويلة، حتى في مرحلة نهوضهم التي سميت بمرحلة التحرر الوطني من الاستعمار، يجتمعون على الفرد المطلق، بدل أن يعلوا من شان الجماعة، يدمنون الاستلاب اكثر مما يتوقون إلى الحرية. وهم في السياسة لهم رمز فرد. و في الثقافة لهم سيدة للغناء ولهم عميد للأدب وأمير للشعر ومخرج للروائع. وهكذا نشأت علاقة ملتبسة بين الرمز ومريديه، علاقة جوهرها استلاب العامة ضمن سحر هالة الرمز وسطوته، علاقة لا تقوم على التدقيق فيما يقول ويفعل، الرمز فوق الشبة وخارج مستوى المساءلة أو المراجعة، وهكذا تعطلت طاقة الفعل لدى العامة، وتعطلت الحركة في المجتمع العربي الذي صار أمثولة للسكون والركود.
ولان السكون في الواقع يحيل إلى خمول في العقل، ولان الإبقاء على جوهر التشكيلة المجتمعية رغم مرور السنين يحفظ النسق القافي إياه مقيما رغم تغير الأحوال، فان العرب ظلوا يستهلكون ما يقدم لهم من غيرهم وعلى كل المستويات، ظلوا أمة مستهلكة، لا يختلف أمرها في ذلك من استهلاك الأدوات الكهربائية أو التكنولوجية إلى مستحدثات الثقافة العصرية، فيما كانت تتم إعادة إنتاج كل شيء، ليتم تعريبه بما يتوافق ومجتمع أبوي لم يخرج في جوهره من عباءة القرون الوسطى.
ورغم كثرة دولهم وتعدد أحزابهم وجماعاتهم، إلا أن جوهر العلاقة بين أفراد كل جماعة ومجموعة هي ذاتها، حيث يحيط الجمع بالرمز، يستوي في ذلك الملك والأمير والرئيس وأمين عام الحزب … إلى الشاعر والداعية ومطربة الفيديو كليب.
لذا فان أي اقتراب من جوهر هذه العلاقة المقدسة، التي تحيل الرمز إلى صنم، لا تواجه من قبل الصنم ذاته الذي هو بالفعل لا يختلف كثيرا عن الصنم الجاهلي نفسه، حيث لا حول ولا قوة له خرج حدود إطار القداسة وخارج عباءة الهالة التي تحيط به، نقول أي اقتراب من هذه العلاقة يعد كفرا، يتعرض من يقول به إلى الرجم من الجموع الغفيرة، التي لم تعتاد على الثقافة النقدية.
والآن وقد عادت الحالة العربية بمجموعها إلى اصلها " الوثني " فان صورة العرب العامة، هي عبارة عن حكام ومحكومين، كما كان مجتمع السادة والعبيد، حكام يتوارثون الحكم ابنا عن أب، لا فرق بين ملوك ورؤساء، لا أحد يحاسب ملكا أو رئيسا، ولا أحد يراجع نص شاعر، أو فتوى فقيه، لا أحد يدقق في إشاعة ولا أحد يراجع سياسة عامة.
وحيث أن العرب عجزوا عن الدخول في عصر الحداثة، وهم حتى لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عما يجعل منهم أمة متخلفة عن كل الأمم، وبعد اناستمرءوا الجلوس على قارعة الطريق، فان العالم الذي يتعولم الآن يجيء إليهم بشروط اشد وطأة لن يكون بمقدور " آلهتهم " أن توفر الحماية لهم. ولعل درس العراق مازال ماثلا، حيث انهار النظام كنمر من ورق في أم معاركه وفي منازلته الكبرى. وترك الناس يواجهون أقدارهم بأنفسهم.
وما لم ينهض العرب بأسرع من البرق، ويتحرروا من ارث عبوديتهم ومن أوهامهم الثقيلة، فان كل أصنامهم السياسية والثقافية، وكل شيوخهم وإعيائهم مجتمعين لن يكون بمقدورهم صد رياح العولمة عن الدخول إلى حجرات نومهم، وكل محاولات الصد البائسة التي نراها الآن هي إلى زوال، لأنها تنطلق من الوهم، وتستند إلى ارث متخلف، عفى عليه الزمن وتجاوزه منذ سنين طويلة.
رجب أبو سرية
[email protected]




التعليقات