حين قدم ـ انطونيو غرامشي ـ تحليله الاجتماعي للمثقف وهو يقبع في سجون الفاشية الايطالية، وميز بدقة مابين المثقف التقليدي المحتفظ بالعمل الاداري،والمثقف العضوي المرتبط بطبقة اجتماعية، وصارتقسيمه ذاك قياسا معمولا به لفترة طويلة في كثير من البحوث والدراسات وشتى الميادين المهتمة بالثقافة والسياسة، ثم اضاف المفكر الراحل ـ ادوارد سعيد ـ في كتابه القيم "صور المثقف"،اشتقاقا جديدا من ذاك التقسيم واطلق عليه، المثقف المحترف والمثقف الهاوي،بما يناسب متغيرات مجتمع مابعد الحداثة، لم يغب عن بال الرجلين ان المجتمعات العربية كانت وماتزال تعيش مرحلة ماقبل الحداثة، حيث ظلت تلك التوصيفات صالحة، ولكن في خطوطها العامة لاغير،اما في التفاصيل، وفي مجتمع في غاية التعقيد والتشابك كالمجتمع العراقي حيث لاحدود واضحة المعالم بين الطبقات والسياسات والثقافات التي يعود الكثير منها لمراحل سحيقة في القدم مازالت محافظة على حيويتها باسم التراث حينا والثوابت الوطنية حينا آخر. وباستثناء قلة قليلة من المثقفين الاكاديميين والذين حوصروا بدورهم من قبل المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية على حد سواء، لم يشهد العراق طيلة تاريخه القديم والحديث وجودا للمثقف الحقيقي بتعريفه الدقيق الا في صورة ـ المثقف الهاوي ـ، اي ذاك الذي لايرى في المعرفة مصدرا للعيش ويعتز باستقلاله الفكري ويجهر بالحقيقة كما يراها وهو ايضا من احسن اختصاصه وتمرد عليه حين تبين له محدودية الاختصاص وضعفه وامتثاله، وكان العراق بهذا الصدد غنيا في انتاجه واعادة انتاجه من ـ الحلاج ـ والى عبد الامير الحصيريـ ومازالت الماكنة تدور. نستطيع ان نفهم توصيف ـ ادوارد سعيد ـ اكثر حين يقول بخصوصه ـ لا مثقف بلا تمرد على المؤسسة ـ. فالمؤسسة السياسية العراقية الحديثة هي مؤسسة دينية الطابع من الناحية العملية مهما تعددت عناوينها، واحزابنا السياسية هي اديان حتى وان كانت متطرفة علمانيا وما الرفيق الا كناية عن الاخ المؤمن، والمنشق كناية عن الزنديق، والتكفير لايمكن تجنبه في الحالتين ان راود الفرد فكرة خروجه عن الجماعة، فالمؤسسة لاتعترف بوجود الفرد الا ضمن الجماعة، وهنا اللقاء بين الدين والسياسة كمؤسستين تظهران متنافرتين ولكن تعملان وفق نفس الاليات، ولا شك في وجود افراد واعين او متنورين هنا وهناك في الحالتين ممن لم يخضعوا للتنويم كما لااشك في كونهم افرادا لايمكنهم العيش خارج ـ الجماعة ـ حزبا او جامعا فالامر سيان. وحين نعلم ان المروق عن سلطة القوي وجبروته يكلف الكثير في مجتمع مازال محكوما بالعلاقات العائلية والعشائرية والانتماءات المحدودة، نكون قد عرفنا معنى الولادة العسيرة للمثقف العراقي حيث ينبغي عليه تعلم ركض المسافات الطويلة من المهد لان المطاردات التي بانتظاره سوف تبداْ، ولا تنتهي الا بموته الذي سيكون مبكرا في اغلب الاحيان. ان المثقف الحزبي كما عرفه العراق بابشع تجلياته هو طائفي بطبيعته، لانه لايستطيع التمييز بين الحقيقة التي يعرف والحقيقة الشاخصة في الفضاء العام، كما انه يسعى بكل حماس لتوحيد الثقافة بالسلطة تمهيدا لاحتكارهما، ومن هذه الخبطة سوف يولد السياسي الموسوعي، صاحب الكلمة الاولى والاخيرة في التاريخ والفلسفة والعلوم والطب والسيكولوجيا والمطبخ، وبرغم ان كل ذاك يجري في جنح الظلام ولا من شهود احياء سوى المتملقين حوله والمهمشين بمواجهته، غير ان مصيدته وورطته الكبرى ستكون ـ اللغة ـ، فنراه يلجاْ الى خطاب مبهم ومطعم بمفردات غامضة لاتنتمي للسياق، في حالة المثقف ذو المنهل الثوري، او نراه مرددا مفردات ميتة قاموسيا، عند المثقف ذو الخلفية الدينية، وبطبيعة الحال تتكشف حينذاك ان الثقافة والمعرفة ماكانتا الا مجرد وسائل لتبرير غايات السلطة والقوة والوصول اليها. لقد شهدنا في خضم الصراع بين الثقافة والسياسة، العديد من التقسيمات البائسة التي تلحق بالثقافة صفات التقدمية في مقابل الرجعية والدينية على النقيض من العلمانية، وكان آخر تلك الثنائيات هو مثقف الداخل ومثقف الخارج، الا ان كل الغبار المثار عمدا او جهلا لايحجب حقيقة ان ـ المثقف الهاوي ـ وهو المثقف الوحيد في عراق الخيرات اللامتناهية، لايزال يموت مهملا على الارصفة.

عبد الرحمن سليمان
عراقي مقيم في باريس
[email protected]