من المؤكد لجميع العارفين بالتاريخ السياسي ـ الاجتماعي للعراق، وممن يتمتعون بنظرة محايدة وموضوعية في قراءة ذلك الماضي بوصفه ذاكرة للشعوب، ان الشيعة كانوا من المقهورين والمقصيين من السلطة السياسية بحكم انتمائهم المذهبي، مما جعلهم بالضرورة قريبين اكثر للاوساط الشعبية ومشاعر العامة ومتفهمين لنبضها اليومي في مجتمع اغلبيته شيعية، وما سير ائمة الشيعة الصالحين الا امثلة رائعة في الزهد والناْي عن عالم الاهواء والمصالح، مما اضفى مصداقية تاريخية لدى عامة الناس في كونهم يمثلون فكرة ـ الخلاص ـ التي ياْمل فيها المحرومين التي انتظروها ايما انتظار، وفي نفس السياق ستكون ايضا لفكرة ـ المهدي المنتظر ـ برغم انها ليست حكرا شيعيا، ان تلعب دور العامل المهدىء للشعوب بديلا عن افيونها على حد توصيف ـ ريجيس دوبريه ـ في كتابه ـ النار المقدسة ـ الذي يدعو فيه لعدم التغاضي عن المعتقدات المتناقلة عبر التاريخ وامكانية لعبها ادوارا ايجابية في حاضر الامم، من خلال ملاحظاته للايمان الديني عند الفلاحين الذين شاركوا في الثورة الكوبية، واعتبر ذاك محركا داخليا مهما لكل تغيير سياسي او اجتماعي بغض النظر لما ستؤول اليه النتائج. وددت بهذا المدخل الموجز ان نتمعن قليلا في الحاضر، فاليوم وبعد انقلاب الحال والاحوال التي صيرت مظلومي الامس فاعلين اساسيين في ادارة الدفة السياسية للبلاد وباتت الكتلة السياسية الشيعية يحسب لها الحساب في اي تحالف انتخابي يسعى للسلطة السياسية نتيجة وزنها الذي لايمكن نكرانه، يحق لنا ان نساْل السؤال التالي : اين استحقاقات الفقراء الذين حملوكم منذ قرون؟. ربما سيكون جوابكم الجاهز هو الظرف السياسي والاوضاع الامنية والاخطار المحدقة بالبلد من كل جانب وتعقيدات الاحتلال، وكل ذاك امر مفهوم ومشروع، ولكني اساْل عن فقير معين هو صديقي : عبد العزيز جاسم، لماذا قتلتموه؟ لقد كان يحبكم. ان الاحتلال سيزول عاجلا والاوضاع الامنية ستستقر يوما والاعداء الكبار سيصبحون اصدقاءا كبار ولكن، لماذا تقتلون الفقراء؟ قد يكون الفقراء مخطئين او صائبين في توجهاتهم واختياراتهم ولكنهم ليسوا بخطايا ينبغي التخلص منها، وقياداتكم من ابناء العوائل الشيعية الميسورة اعلم من غيرهم بمعنى الخطيئة. ان الديكتاتور الذي يقف اليوم في قفص الاتهام، ما هو الا مجرد مظهر من مظاهر العنف العراقي، والذي ينبغي ان يحكم بالاعدام هو :العنف بكل اشكاله ومهما كان مصدره والجهة التي تشرعه وتتخذه اسلوبا وممارسة في الحياة السياسية على الاخص، ولذاك فاْن زوال طاغية والحفاظ على الطغيان، لايغير من واقع الامور شيئا بل قد يزيدها سوءا نتيجة الخيبة والاحباط لدى جموع المحرومين الذين لايمكن الرهان على غفلتهم الى الابد. لقد طال انتظارنا في سبيل ان نجدكم نافذين ولكم الشاْن والسطوة والتحكم في المجريات وقلنا رغم الجميع : ها قد وصلوا اخيرا....وهاقد مال العراقي ميلا طبيعيا وغريزيا لانتخابكم الاول الذي كان ـ ساحقا ـ وحظيتم بما كنتم تنتظرون، فماذا كانت النتائج؟ المزيد من تدهور الوضع الامني وتفاقم مشكلة البطالة واستشراء الطائفية والتمييز والفساد ونهب المال العام والتصفيات العلنية والسرية للخصوم السياسيين والنزوع للتفرد بالسلطة والتواطؤ حتى مع مخابرات النظام البائد بهدف دعم سياساتكم، اين انتم في هذا كله من سلالة الامام ـ موسى بن جعفر ـ حين كان الخليفة ـ المنصور ـ يخشى حتى من اسماله التي يرتدي وهو يجهر بالحقيقة في وجهه بلا وجل؟ او كان امام الفقراء يظن يوما باْن اسلافه سيقتلون عبد العزيز جاسم؟ ان جوهر ثقافة الديكتاتور صدام حسين، كانت تتجلى في خلاصة واحدة وهي ـ سلب حرية الاخر ـ ومنه تفرعت كل جرائمه التي لا تحصى والتي اورقت دمارا سنعاني من آثاره لاجيال لاحقة، لقد اراد للعراقيين ان يخضعوا او يصمتوا او يموتوا،حيث لم يكن ممكنا غير تلك الخيارات في بيئة من الطائفية والمذهبية والعشائرية والنزوع الاثني ـ القومي، والحال ان سقينا ذات الجذور في البناء الجديد، فاْنه لايثمر الا فاكهة الخطيئة ووريقات قد قراْناها مرارا تبقى وستبقى معلقة على اشجار الخراب. ان التحدي هو ذات التحدي القديم بمواجهة التطرف الديني والتعصب واشاعة العدوان وتغذية الاحقاد التاريخية واثارة النعرات ولايمكن اطلاقا التخلص منها الا بقطيعة معرفية شاملة مع كل ما هو متحجر وسكوني، وما من امة تقدمت بدون تلك القطيعة على حد تعبير المفكر ـ جورج طرابيشي ـ، انه على العكس تماما مما قد سيفهمه بعض غلاة ـ الشيعة ـ، فالفرصة التاريخية قد اتيحت بما لايقبل الجدل وعليهم ان يثبتوا بانهم مختلفين شكلا ومضمونا عن السائد والماْلوف في ساعة الاقتدار، وعلى عاتقهم تقع مهام كبرى من بينها فكرة ـ الاصلاح الديني ـ ان استطاعوا تطوير الجانب العقلاني والمعتدل في صفوفهم، بدلا من الدخول في استعراضات القوى والقبول بالادوار الثانوية التي تمليها عليهم عالم السياسة والانجراف وراء الاساليب التقليدية لتعزيز السلطة السياسية التي خبر الجميع مبتداْها وخبرها بما يكفي، ان ثقافة العنف ظلت مصاحبة لكل الموروث السياسي العراقي قديما وحديثا، وجذورها الاصلية تكمن في طريقة القراءة والتاْويل للنصوص الدينية وبالتالي الموقف الحياتي واليومي منها، ولذاك فان على رجال الدين والمراجع الشيعية قبل غيرهم، تثبيت موقفهم التاريخي ازاء مايجري من انتهاكات وتجاوزات واستغلال فاحش للتراث الشعبي المنقول من اجل اهداف انتخابية وما يصاحبها من اساليب في شراء ذمم الناخبين وغيرها من الوسائل المقيتة سبيلا للسلطة. قد افهم انا الشيعي بالولادة والمستقل سياسيا، مدى الحيف التاريخي الذي عانينه عبر القرون، والظلم الاجتماعي الذي تعرضنا له من قبل كل السلطات السياسية المتعاقبة، وقد افهم مايصعب فهمه على الكثيرين من اخوتنا العرب، ما كان يعني ان تكون شيعيا في عراق صدام حسين، الا ان ما لا استطيع، انا الكردي الشيعي فهمه جيدا، ان صديقا عربيا شيعيا اسمه :عبد العزيز جاسم، تم اغتياله من قبل ميليشياتكم، لانه يخالفكم الراْي، انه مجرد مثال يوحي بالقادم وهو كثير، وانتم تعرفون ان البدايات الخطاْ لاتقود مطلقا لنهايات صحيحة. مالي في هذه الخاتمة الا ان اذكركم بقول الشاعر الالماني شيللر ـ ان الانسان يبتعد عن هدفه الاسمى بطريقتين :اما ان يصير ضحية للعنف، واما ان يصير وضيعا ومنحلا ـ
عبد الرحمن سليمان
عراقي مقيم في باريس
[email protected]
- آخر تحديث :




التعليقات