سيقرأ البشر عام 3000العبارة التالية في كتاب الحضارات المندثرة : quot; كان يعيش على ارض العرب أقواما عنيفة، أكلوا بعضهم البعض quot;. يبدو أن كل الاشياء قابلة للتحول والتبدل السريع، في عالم السياسة العراقية، الا العنف، حيث يظل سيدا لجميع الاصنام الصغيرة والكبيرة، وقد يصيبه بعضا من التغيير في الشكل، ولكن ظلاله تبقى مخيمة على الارواح والنوايا والبرامج الحقيقية مادامت السياسات وعلى اختلافها، تنظر في اتجاه عمودي ووحيد نحو السلطة السياسية، مستثنية في رؤيتها كل السلطات الاخرى، ومنها سلطة الفرد والشارع والرأي العام والمجتمع المدني، ويبدو ان هذه السلطات الافقية، ماهي الا درجات في سلم المتسلقين، صعودا الى السطوة والقوة والمال والتي سيكون العنف دائما هو آليتها المركزية لتعزيز وتكريس الهيمنة والسيطرة على الجموع quot; الدهماء quot;، ويكون مصاحبا أبديا لكل الموروث الثقافي قديما وحديثا ومبرره هو أن الصراع من اجل السلطة السياسية طيلة التاريخ العربي الاسلامي، كان صراعا دمويا قاسيا، ينفي القديم ولا ينفي اساليبه، ولا غرابة أن ثلاثة من الخلفاء الراشدين، يموتون اغتيالا، وحتى الخليفة ابو بكر الصديق مات مسموما، حسب احدى روايات quot; الطبري quot;. وكان العنف ومايزال هو أفضل وسائل التعبير والسلوك والممارسة التي تكتسب شرعيتها في التداول غير المفحوص لامثلة حديثة من نوع quot; ان لم تكن ذئبا، أكلتك الذئاب quot; أو قديمة من نوع quot; السيف أصدق أنباءا من الكتب quot;، كان العنف ومايزال مهيمنا على العقل ومعطلا لابتكاراته في الحياة تحت يافطة تحجب حتى الشمس لكثرة ممارستها فرديا وجماعيا بالقول أن الحاكم هو أعرف من العارف، والحال لم تعد ثمة قيمة حقيقية للمعرفة الا بمقدور خدمتها للسلطة السياسية. ان الجذور الاولى للعنف، كانت أقدم بكثير لظهور المذاهب والمدارس الفقهية المختلفة والتي كانت بامكانها أن تكون عناصرا للغنى، لا عناصرا لمزيد من التمزق والاحتراب. وكما أن العنف هو سمة السلطات الضعيفة وغير الواثقة من نفسها، ستكون دوما عرضة لهجمات الاقوى، ولايمكن لعاقل أن يتصور، بأن جمهرة الوصوليين والطبالين يمكنها الدفاع عن من هو أضعف حينذاك. لست من المعتقدين بأن التاريخ يعيد نفسه وان بصور شتى، وانما أظن بانعدام قوانين للتاريخ قبيل حدوثه، ولكل امة شروطها وتفهمها وسبل اختياراتها بمواكبة الحضارة التي تعاصرها أو أن يحكمها شاءت أم أبت، قانون الموت والفناء. لاشىء يمكنه الحدوث جذريا، حتى وان كانت بمساعدة قوى عظمى، ان لم تتغير الوسيلة التي من خلالها يمكن أن نراجع تاريخنا وأنفسنا ومآسينا التي لاتحصى والتي تصر على التكرار عبر القرون، ونتخلى شأننا شأن امم كثيرة عن الصورة المجيدة والزاهية عن الماضي الغابر الذي كتب بحبر السلاطين ودماء الشعوب والذي كان مجيدا ولاشك في ذلك، حين كان منفتحا وناقلا للحضارات وكان رسالة حب لا رسالة حقد، أما وان انحسرت الشروط التاريخية التي جعلت العرب والمسلمين أسيادا في مسار زمني معين اتيح لهم وسوف يتاح لحضارات اخرى يحكم صعودها واندثارها قانون واحد أحد، وهوعدم ا مكانيتها على التجدد وقبول الجديد، لن يجد مبرره في برامج السياسة والتربية والدعوة لاحياء الماضي. ان قوى التجديد في واقعنا المرير موجودة ولكنها مازالت بعيدة في ثقافتها عن الحس اليومي لمطالب الجمهور العريض، نتيجة كونها منتمية لذات النسيج السياسي الذي يضع نصب عينيه، السلطة السياسية أولا وأخيرا وطالما أن تلك القوى ضعيفة كصرخة المظلومين وسط العربات الصاخبة في مواكب السلطة والسلاطين وهتافات quot; يعيش ويسقط quot;، و quot; بالروح والدم quot; التي لن تمهد الطريق الا لطغاة يتناسلون عبر العصور
عبد الرحمن سليمان




التعليقات