لقد توّهَنا اليهود، فغرقنا في لجة الصهيونية!!
ـ الجزء الثاني ـ
لقد نجح اليهود في التمويه علينا، وأغرقونا نتصارع في بحر الصهيونية كي لا نرى عاصفة اليهود التي تقتلع كل اخضرار للحياة الكريمة في منطقة الشرق، وهذا بعض الذكاء اليهودي الذي يتعمد أن يشتت تفكير الآخرين.
ولكن قبل الإيغال في البحث، والتيه في مرامي تفكير اليهود، لا بد من تعريف بعض المصطلحات ذات العلاقة وفق ما جاء معناها في اللغة العبرية:
1ـ اليهودية : وتنطق باللغة العبرية (يهَدوت) وتعني الدراسات المتعلقة بالشعب اليهودي، والدراسات المتعلقة بالدين اليهودي، وتعني أيضاُ اليهود، وتعني الدين اليهودي.
إذن لا داعي لكثير فلسفة في التفريق بين اليهود واليهودية، لئلا نغدو يهوداً أكثر من اليهود، فهذه هي تسمية أصحاب الشأن لذاتهم.
ولكن قد يقول البعض، إن الذي جاء واغتصب، وقتل، وجزّر، وشرد هم الصهاينة، وليس اليهود، بدليل أن ملايين اليهود لم تأت إلى هنا، وظلت بعيدة عن الصراع، وهذا كلام صحيح، ومنطقي، ولكن من هم الصهاينة؟ وكيف نبتت فكرة الصهيونية، وأين تربت الفكرة، ومن أي ثدي رضعت، وفي وسط أي تجمع ديني وجدت سوقها، وهل كان للصهيونية أن تنشط في أوساط المسيحيين، رغم وجود صهاينة مسيحيين؟ لقد فرشت التعاليم اليهودية سجادة الاقتناع تحت أقدام الصهيونية، رغم إن الإجابة على التساؤلات السابقة تحتاج إلى بحث مستقل، ولكن يكفي للدلالة على الجواب الهادف لهذا البحث ما تختزنه كلمة الصهيونية في اللغة العبرية من معاني:
2ـ (تسيون ) هكذا تلفظ بالعبرية، ولها عدة معاني، منها: أورشليم، أرض إسرائيل، الشعب اليهودي، الصهيونية.
فهل يستطيع أحد كان، عربي مسلم أو مسيحي أن يقول لي أنت لا تفرق بين يهودي، ويهودية، وصهيوني، وإسرائيلي؟ وها هم اليهود أصاحب الشأن يضعون كل التسميات في مسمى واحد، بما في لك مسمى إسرائيل!!!!!
3ـ إسرائيل : وتلفظ بالعبرية (يسرائيل) تعني إسرائيل، ودولة إسرائيل، ويهودي، ومملكة إسرائيل. أما اللفظة العبرية (يسرائيلي) فتعني: إسرائيلي، عبري، يهودي، مواطن دولة إسرائيل، منسوب إلى دولة إسرائيل.
4ـ أما لفظة عبري ؛ فمعناها: عبري، عبراني، يهودي
لقد انكشف الأمر لكل متتبع للغة العبرية، وبات مدركاً الآن أن لا فرق بين يهودي وإسرائيلي وصهيوني، وعبري، إنها مترادفات لدلالة دينية وتاريخية وسياسية واحدة، تصب في خدمة الأصل، وهي اليهودية.
أعود من حيث بدأت؛ إلى السؤال الذي طرح من البداية؛ هل كل اليهود أعداؤنا؟
الجواب سيكون بالنفي طبعاً، لأن بعض اليهود من هو أرق على العرب من بعض حكام العرب، وأشهد شخصياً على الضابط الممرض اليهودي (ياكي) في سجن الرملة سنة 1991، وكيف تعامل بنفس حنونة، وبرأفة، وشفقة، مع جريح فلسطيني كان قد تهشم بين يدي اليهود في تل أبيب، وما زال في السجن حتى يومنا هذا، واسمه محمد زقوت، وأشهد أن الشاعرة اليهودية (تال نتسان كيرن) كتبت ونشرت قبل عام قصيدة شعر عن بيتي وأولادي الذين يتعرضون للقصف اليومي الإسرائيلي ـ هنا أقول إسرائيلي وليس يهودي تحسباً أن يكون مطلق النار من المرتزقة في جيش إسرائيل، وليس يهودياً، وربما هذا الذي دفع الدكتور نبيل شعث لتخطئتي باستخدام اللفظتين يهودي وإسرائيلي في الجملة الواحدة ـ لقد عبرت الشاعرة اليهودية الإسرائيلية عن حس إنساني على مستوى الفرد لا يمكن التنكر لها، ولكن هذا لا يبرئ الفكر الجمعي لليهود، ورؤيته للآخر، والدليل على قولي هو؛ لو سأل أحد هذا اليهودي الطيب الذي يفيض إنسانية لا ينكرها أحد عليه، هل تترك إسرائيل، وتترك البيت الذي تسكنه، لأن له صاحب، بالتأكيد سيكون جوابه، لا، وهنا تقع الواقعة، هو يسكن في فلسطين الجغرافية بناءً على أمر الرب، ( لنسلك أعطيت هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير) ونحن نعرف أن الأمر ـ لو صدقناه ـ لا ينطبق علي يهود هذا الزمن الذين تهودوا بالاحتكاك، وبالتعارف مع بعض اليهود الجوالين، أو المتواجدين في الجيتوات، ومن هنا يصير من يعترف بدولة إسرائيل كأنه يصدق وعد الرب لهم، سواء أكان عربياً أو يهودياً، وكل من يتشكك بادعاء اليهود هذا، ويكذب مقولتهم، عليه من باب النجاة من شركهم عدم الاعتراف بما يدعون، حتى ولو أقر بواقع السياسة القائم على الأرض، وأجبره ضيق الحال على التفاوض معهم، والتفتيش عن حل مؤقت، فإن هو وافق، فنحن الشعب العربي الفلسطيني نقف من خلف شاعرنا محمود درويش الذي قال:
خذوا أرض أمي بالسيف لكنني
لن أوقع باسمي على بيع شبر من الشوك حول حقول الذرة.
إن كراهيتنا لليهود ليست عامة، وإنما نخص بها أولئك الذين تعرضوا لنا بالهلاك، ولما كانوا أغلبية من بين اليهود، صار علينا إلحاق صفة الكل بالجزء، وأعلم أن كراهيتنا لليهود لا تقوم على أساس ديني، أو عرقي، أو قبلي، وإنما مقرونة بسبب المعاناة التي حلت علينا من تاريخ حلولهم في أماكننا، وتاريخنا، وذاكرتنا، وهذا ما لا يمكن وصفه بالعنصرية، وإنما حبنا لقاتلنا قد يوصف بالبلاهة، والغباء، لأن كراهيتنا تنصب على تصرفهم الظالم الإرهابي بحق شعبنا، وعلى سيف البطش الذي يحملونه سواء أكان حامل السيف هذا يهودي يقيم في دولة إسرائيل، ويمارس بالفعل القتل والاغتصاب لأرضنا، أو خارج إسرائيل من يهود وغير يهود يشجعون ذلك، ويمدون له يد العون، وينتظرون اللحظة المناسبة.
تواتراً على ما سبق من أفكار، لا يمكننا أن نكره دولة إسرائيل، لأن مليون وربع مليون إسرائيلي من أصل فلسطيني، لا يحملون لنا إلا الحب، ولا يمكن لنا إلا أن نجلهم، ونكبر فيهم صمودهم، فيكف نصفهم بالأعداء، إذن ليس كل إسرائيلي عدونا، ولاسيما أن حي مئة شعاريم اليهودي في القدس يقطنه عشرات الآلاف من مجموعة ينطوري كارتا، وهؤلاء يهود يرفضون فكرة الدولة الإسرائيلية، ولا يعترفون بها، ويقرون أن الصهيونية اليهودية قد اغتصبت التاريخ، وأقامت دولة في غير موعدها، وهناك الطائفة السامرية، وهم يهود يعيشون وسط العرب في نابلس، ولا يقرون بما تقوم به الدولة العبرية.
وصلنا إلى المفصل الصهيوني في المعادلة، فهل يمكن حصر العداء في الصهيونية ؟
الجواب السريع سيكون نعم، هؤلاء هم أعداؤنا الذين يجب مناصبتهم العداء، ولكن بعد التمحيص ستجد أن في أمريكا صهاينة مسيحيين، يؤمنون بالفكرة ولكنهم لا يقدمون لها دعماً، ولا يناصبون العرب عداءً سافراً، فيكف ندرجهم في قائمة الأعداء ما داموا لم يغتصبوا لنا أرضاً، ولم يهدموا لنا بيتاً؟
لقد توهنا اليهود في دهاليز أفكارهم، وهذا ما أرادوه لنا، أن نعيش في حالة من البلبلة فلا نعرف من نحب منهم، ولا من نكره، ولا نعرف من يحبنا منهم، ولا من يكرهنا، ولا من هو صديقنا، ولا من هو عدونا، لقد نحج اليهود في خطفنا إلى حالة التيه التي تعودوا عليها، وعليه ولتفادي كل هذه التخبط لا بد من طرح السؤال التالي:
من أين تشربوا أفكارهم؛ كل أولئك اليهود في إسرائيل، واليهود في أوروبا، والصهاينة الذي اغتصبوا، والذين ما زالوا بعيدين، من أين تشربوا قناعاتهم، وتكوينهم النفسي، وعلاقتهم بفلسطين، وارتباطهم بالقدس، ورؤيتهم لإسرائيل التوراتية، ولإسرائيل التاريخية، وحتى إسرائيل السياسية؟
إن الجواب الذي لا يتنكر له يهودي على وجه الأرض، ولا يصح لعربي أن يفتي بشأنه هو: من التعاليم اليهودية، والقصص التاريخية التي تسللت عبر الزمن إلى عقول وتفكير كل من اقتنع بها، وتعبدها، وسعى إلى تطبيقها عملياً كالصهيونية، أو نظرياً كالمتدينين الرافضين للدولة، أو المتعصبين المطالبين بهدم المسجد الأقصى وإقامة جبل الهيكل بدلاً منه، ولكن لمزيد من الوضوح، لا بد من التفريق بين يهود اليوم ويهود الأمس، أي أن يهود موسى وداوود وسليمان هم ليسوا يهود شارون وبيرس ودان حالوتس، أولئك نهلوا تعاليمهم من التوراة ـ جزء صغير من التناخ ـ في زمانهم، وعاش بعضهم زمانها، وكانوا أقرب إلى بعضهم بحيث يمكن تقدير الفترة الزمنية الفاصلة بين موسى وداوود من 200- 300 سنة تقريباً، وللقرآن الكريم في أولئك اليهود رأي بالسلب أو ألإيجاب، ولمن أراد الاستزادة، فليبحث في سورة:
البقرة، الآيات 40- 79، 87، 97، 122،
سورة آل عمران الآيات، 52- 54، 110-112،
سورة الجاثية، آية 16،
سورة الأعراف، آية 166،
سورة النساء، الآيات، 46-47، 152-156، 160-162،
سورة الحشر، الآية، 2،
سورة المائدة، الآيات، 12-12، 60-71، 78-82، 110
أما يهود اليوم فقد نهلوا تعاليمهم من (كتابهم المقدس) الذي يسمونه (التناخ) وهو مطلع حروف ثلاث كلمات بالعبرية، الأولى: توراة، والثانية، (نبوئيم) بمعنى أنبياء، والثالثة (ختوبيم) أي مكتوبات، أو مخطوطات، وهذا التناخ هو الذي يحمل بين صفحاته قواعد بناء النفسية والعقلية اليهودية، وهو المرجعية الفكرية والعقائدية لليهود جميعهم، فليس يهودياً من لا يؤمن بهذا التناخ الذي كتب بعد وفاة داوود وسليمان بألف سنة تقريباً، وهو الذي يؤسس عقائدياً لتعاليم التلمود بشقيه، المشنا، وهو المتن، والجمار وهو الشروح على المتن، ( سواء أكان التلمود بابلي، أم التلمود الأورشلمي) وكلاهما يتناول أسس حياة اليهودي وكيفية تعامله مع اليهودي ومع غير اليهود (الأغيار)، ومع كل مناحي الحياة، وبه من الفتاوى والتصريحات والتعاليم ما يؤسس لكراهية تفيض عن سطح الأرض لآلاف الأجيال، وبه من الحقد على كل ما هو غير يهودي ما يوقظ الآخرين ـ في كل الدنيا ـ للانتباه إلى مستقبلهم مع وجود اليهود من حولهم، ولذا لا أستغرب ما جاء من استطلاع رأي أجراه معهد غالوب باسم (يورو بارومتر) في أوروبا سنة 2003، لقد أظهر أن أغلبية المواطنين في أوروبا يرون أن إسرائيل تمثل التهديد الأكبر للسلام العالمي، لقد جاء ذلك بنسبة كلية في أوروبا وصلت إلى 59%، ولكن عند التفصيل ظهر التالي:
في هولندا، حيث توجد أعلى نسبة يهود في أوروبا، كانت أعلى نسبة تصويت تتهم اليهود بأنهم وراء التهديد الأكبر للسلام العالمي، لقد بلغت النسبة 74%، بينما في إيطاليا، حيث أقل نسبة يهود أوروبا، كانت نسبة التصويت التي تتهم اليهود فقط 48%، وهذا ما يمكن تلخيصه في أن مزيداً من الاحتكاك باليهود يعني مزيداً من الكراهية والحقد عليهم، فكيف بمن أغتصب اليهود وطنه، وطردوه وأهله في كثبان رمل قطاع غزة، وفي أغوار نهر الأردن عارياً حافياً جائعاً.
ثم لماذا نهاب نحن العرب الفلسطينيين من قول: يهود، ما دام اليهود أنفسهم لا يخجلون من قول: نحن اليهود، وأنتم يا عرب، ويا مسلمون تكرهون اليهود، وكل العالم يكره اليهود، ولأننا يهود تتعاملون معنا بهذه الطريقة، ويقولون هذه دولة اليهود، ويجب أن تكون في دولة إسرائيل الأغلبية لليهود، ويجب استجلاب كل يهود الأرض ليعيشوا في دولة اليهود التي بدأت تجنح وتميل في الفترة الأخيرة إلى كفة المتدينين، ففي مظاهرة حاشدة دعا إلى تنظيمها اليهود العلمانيين في مدينة تل أبيب، لدعم الانسحاب من غزة، شارك فيها قرابة عشرة ألاف إسرائيلي، بينما في المظاهرة التي دعا إلى تنظيمها المتشددون، المتدينون، المستوطنون، وجرت قبل شهر من مظاهرة العلمانيين في مدينة القدس، فقد قدرت صحيفة هتسوفيه عدد المشاركين بربع مليون يهودي!!!.
كان المحقق في سجون إسرائيل يمارس ضدي التعذيب ويغني بالعربية: الحمد لله رب العالمينَ، خلقنا يهود وما خلقنا مسلمينَ.
علني أكون يهذا البحث قد خدشت قشرة القناعة لبعض الذين يصرون على أن طينة اليهودي تختلف عن طينة الصهيوني، وأكون قد اتقيت الله في شعبنا الذي اجتهدت لإضاءة الحقيقة التي تعرفت عليها أمام عينيه، وعلّي أكون قد مثلت نموذجاً لغيري في تقوى الله وطاعته، والتوبة عن عصيانه ومخالفة أمره.
وأشكر الدكتور نبيل شعث الذي فجر لدي الرغبة في هذا البحث، وأنا لا أنكر عليه فوزه في انتخابات المجلس التشريعي حيث حصل على المرتبة الأولى في خان يونس، بينما حصلت أنا على المرتبة الثانية عشرة، في دائرة انتخابية كان المطلوب فيها نجاح ثمانية أعضاء مجلس تشريعي. ولكنني أذكر الصديق الدكتور الوزير؛ أن ذلك قد حصل سنة 1996، قبل أن تخبط حقائق الأيام بعصاها رؤوس الناس كي يفيقوا من غفوتهم، وغفلتهم.




التعليقات