يعتبر الكثيرون أن وسائل الإعلام مسؤولة عن إنتاج الصور النمطية، إلا أن هذا الطرح في حاجة إلى مساءلة نقدية تخرج من هذا التركيز الأحادي. فالملاحظ أن الصور النمطية تحولت إلى محدد رئيسي لطريقة تفكير الأفراد و الجماعات التي لا يمكن لها أن تفكر مثلا في أحداث العالم بدون توظيف الأحكام المسبقة أو القوالب التي تعد حجرة أساسية لبناء تصورات الجماهير بمختلف فئاتها وطبقاتها. فإذا أخدنا تمثلا تنا الإجتماعية التي ننتجها يوميا بخصوص ظاهرة ما أو واقعة معينة، نجدها لا تبتعد عن ما تصنعه الوسائط ومن بينها وسائل الإعلام من أخبار و صور. فكيف يمكن للجماهير المتلقية أن تعرف مايقع بالعراق او أفغانستان بدون اللجوء إلى ما يقدمه الصحافيون كل ثانية من أخبار و تعليقات. هذه التبعية أمست مفروضة على ذهن الجماهير المستهلكة للمنتوج الإعلامي.ومن بين نتائج هذا الإرتباط نجد مصادر الأخبار وقد أصبحت توجه الرأي العام وتساهم في عملية صنعه لأحكامه،قوالبه، و تمثلاته الإجتماعية، إضافة إلى دورها الأساسي في خلق الإشاعات التي يمكن أن تنتجها تارة بعض المؤسسات الإعلامية، وتارة أخرى العديد من المراكز المتخصصة في صناعة الكذب، هذا دون نسيان الأفراد والجماعات الذين يلجأون إلى إنتاج إشاعة ما عندما لا يحصلون إطلاقا أو بالقدر الكافي على الأخبار والمعلومات حول حدث معين.
الحديث عن التمثلات الإجتماعية يستحضر بالضرورة دور الإعلام في رسم صور و نمادج عن أشخاص وأحداث وكذا عن كل ما يحيط بنا من ظواهر. وعلى حد قول الفيلسوف الألماني شوبنهاور : إن العالم هو ما يتمثله الإنسان. هذه العملية التي تتحقق بين فعل -ذهني أو جسدي- والعالم الخارجي تنتج معرفة تظل في غلب الأحيان رهينة الجدل و النقاش حول مدى صدقها.
صدق أو كذب خبر معين يمس في رأيي بالدرجة الأولى الرأي العام الذي يختلف حول وجوده كمعطىالعديد من علماء الإجتماع، فهو يعد ثمرة للعلاقة التي تربط الإنسان بالعالم المحيط به. فهو يستهلك الأخبار و ينتج أخرى بل يؤثر على المنتج الإعلامي. إن الجماهير المتلقية لا ترى وتسمع وتستهلك فقط في صمت وبشكل سلبي كما يؤكد العديد من الباحثين، لكنها فاعلة إذا إستحضرنا المؤسسات الإعلامية التي، في ممارسها لفعلها المهني و الإجتماعي، تستحضر وتفكر في الزبون المتلقي ولو بدرجات مختلفة. إنها جزء من المنظومة الإجتماعية التي من داخلها يتم إنتاج الصور النمطية.إذن نستخلص أن إشكالية الرأي العام وكيفية صناعة الصور النمطية لا يرتبط فقط بعمل الصحافيين الذي بدأ يؤطر التفكير البشري، ولكن الأمر يتعلق بالجماهير المستقبلة التي تظل فاعلة وتمارس أحكامها وفق التمثلات التي تحملها حول وضعية معينة. فالأمر يخص ظاهرة تواصلية تربط العلاقة بين الأفراد، الجماعات و وسائل الإعلام، هذه الأخيرة أضحت فاعلا مساهما في السلوك الثقافي بشكل يومي من داخل البنية الإجتماعية لمجتمع معين.
ولفهم ظاهرة لجوء الجماهير إلى الأحكام المسبقة أو إلى إنتاج الإشاعة يفسر العالم فالتر لبمان هذا النزوع بعدم رغبة الأفراد و الجماعات في التفكير وتعميق النظر عن طريق البحث عن معلومات إضافية تغني معارفهم، وهذا ما يدفعهم أكثر إلى إصدار الأحكام المسبقة السلبية أساسا. هذا التقاعس الإجتماعي يسمح لنا بفهم الوجه الثاني لعملية إنتاج وتلقي الصور النمطية، وعن طريق هذه الرؤية الثنائية، يمكن تحديد كيفية ومدى تأثير الصور النمطية على المتلقي و وسائل الإعلام في نفس الوقت. في هذا السياق، سبق لرائد مدرسة شيكاغو الأمريكية جورج ديوي أن أخضع التصور النقدي لوسائل الإعلام للإختبار عن طريق إبرازه دور وسائل الإعلام الذي يقوم على تقديم الأخبار و إثارة فضول الفرد و دفعه إلى البحث عن المزيد من المعلومات. تصور من هذا النوع، يدفعنا حتما إلى ممارسة النقد المزدوج في حق المنتج و المستهلك الذين ينتجون معا وبشكل ثنائي الصور النمطية ذات الحمولات السلبية و الإيجابية على السواء، كأن نجد الجماهير تردد عبارات :شجاعة الألمان، تفسخ المجتمع الغربي...بل في الآن نفسه نجد أن هناك منبر إعلامي ينتج نفس الصورة على مقاس أحكام و تمثلات المستهلك.لذلك وجب التفكير بمنطق نقدي يتغيى الخروج من لغة الأحادية،وفق رؤية تناقش المنتج و المستهلك،حثى تتضح الصورة أكثر و يرفع الحجاب على مجموعة من الحقائق المنسية وعلى رأسها تورط المتلقي-المستهلك للمنتوج الإعلامي بدوره في عملية إنتاج الصور النمطية.
محمد نبيل – صحافي وباحث مقيم بكندا
[email protected]




التعليقات