بين فقدان الزعيم وارتجاج الثقة وغياب السند!
ألا يحس أحدنا بالكآبة والإحباط حينا، والاستغراب وعدم الفهم حينا آخر؟ ألا يفضل أحدنا الانسحاب وقبر الأمل والرجاء، والصعود إلى صومعته أو دخول مغارته أو الركون إلى أعماله الصغيرة مهما كبرت ولعن السياسة والسياسيين وانتظار الموت أو الفناء... ألا تعترض أجيالنا المتعاقبة هذه، التساؤلات والمرارة وهي ترى حالة الغبن والترهل والاستخفاف وقلة ذات اليد وانعدام السند والوتد، التي تعيش عليه جماهيرنا؟ ألا يشوب بعضنا ارتجاج الثقة في النفس وفي الجماهير وهو يرى هذه الشعوب تعيش في الظلام، تتخبط في قيودها وتتحسس طريقها إلى النور بدون شمعة تضيئ أو عكاز تستند عليه، فلا الزرّ وجدته ولا الطريق عرفته ولا جاءها المدد...!
وأرادت جماهيرنا الحراك وتململت بعد سبات قيل عنه أنه كان اختيارا في بعضه وقيل اضطرارا، كانت عند البعض نومة الميت أو ما يقارب حاله، كانت نومة القابلية للاستعمار قبل القابلية للاستحمار كما عناها مالك بن نبي يوما، أو علي شريعتي يوما آخر! وكانت عند البعض الآخر نومة ما قبل العاصفة ولم تكن نومة الفناء أو العدم، كانت صمت الرماد الذي يسبق اللهيب...
ما كانت الجماهير غائبة عن الساحة، بل كانت تنتظر إلى من يعينها على نفض الغبار حتى تقف، كانت تتطلع إلى من يقودها، إلى من تجد فيه الجرأة والكفاءة ليعبر بها عباب غابة من الكواسر والسباع، كانت تنتظر لفتة من الخارج، وهي ترى كثرة لفتاته لبيوت الجيران، كانت ترمق مددا بعينها على الوقوف وعلى الصمود أمام الجور والغبن والاستخفاف...غاب الخارج، وتخلف القائد واهتزت الثقة!
صيحة في خواء : هل من سند؟
خرجت أوكرانيا من سكونها وعمر شوارعها الشيب والشباب من كل حدب وصوب، فجاءها العون واضحا مزلزلا، إعلاما وسياسة، وسمعنا من يتحدث عن الثورة الحمراء أو البرتقالية، وأصبح اللون الأحمر أو ما يقاربه لونا للسلم ومقبولا عالميا، رغم ما انتابه في تاريخه من تفسيرات تلامس لون الدماء أكثر من شقائق النعمان، وساند الظاهر والباطن، شعوبا وحكومات هذه الأصوات الحرة المنبثقة من أوطان الصقيع والتي تجاور أرضها أرض القولاق.
وسبقتها جورجيا وكان اللون الأبيض غالبا وتحركت الجماهير معبرة عن سلمها وسلامها، وساند الشرق والغرب حمائم السلام، ولم تغادر الجماهير الشارع حتى كانت مفاتيح البلاد بأيديها...
ونزلت بعض جماهيرنا في أوطان عدة، رافضة الاستبداد حينا، والفساد حينا آخر، وزيارات مشبوهة أحيانا أخرى، خرجت تنادي ضد التخلف والفقر والغلاء، خرجت تنادي بحثا عن كرامة مداسة، أو كلمة مغتالة، أو كسرة شعير مفقودة، خرجت تبحث عن مواطنة لم تجد لها عنوانا داخل أوطانها، وخرجت "كفاية" ولم تكن كافية...
غاب الشرق والغرب وبقيت كلمات النصرة باهتة، ولم نشهد إعلاما عالميا يتحدث عن ثوراتنا، عن انتفاضات الكرامة في أوطاننا، كان السند الخارجي غائبا إلا من بعض الكلمات والمساندات التي توضع للبروتوكول والديكور، وأحيانا لتخفيف وخز الضمير إن كان هناك ضمير.
يعلو الصياح في أرجاء المعمورة، وتصبح القضية عالمية، إذا وقع غمز ولمز للديمقراطية ولحقوق الإنسان في أوطان الجيران! يصبح الإنسان إنسانا تحميه اللوائح والمواثيق والعهود، حتى إذا قرر أن يتكلم عربيا تتغير السماء والأرض، ويصبح الحياء غالبا ووخز الضمير غائبا ويصبح الجسد العربي زهيدا و حريته وحقوقه أزهد.
يطالب العالم بالإصلاح الفوري لكل أرجائه ويدعم مشاريعه ورجاله ويساهم في إبعاد من يتلفظ بغير سنفونية حقوق الإنسان والديمقراطية... حتى إذا وطأ ديارنا وانتبه إلى حالنا وشاهد حكامنا، أصبحت اللغة ألين والتكشيرة ألطف، ورضوا لنا بالترقيع والتلفيق، ومزيدا من الحلم والرأفة بحكامنا الذين غُلبوا على أمرهم، ولم نتفهم نواياهم الطيبة ولم نقدّر جهدهم ومعاناتهم من أجلنا، وأضحى مشروع الإصلاح كلمات باهتة لمّا عنانا، وأصبح التغيير والتعدد والديمقراطية وصفات طبية لا يريدها الطبيب لأجسادنا وهو يعلم علتها، ويغلق الصيدلية في وجوهنا.
تساؤل رهيب ترفعه هذه الجماهير التي استخفها حاكم البلاد سنين وعقود، وظن الخارج اليوم أنها غير قادرة على فهم مشاريعه وتصوراته، وأن سن الرشد لم تبلغه بعد، : كيف نستطيع بناء مستقبل أفضل لهذا العالم دون عنف وإرهاب وتطرف، وجزء منه لا يزال يبحث عن منفذ نجاة من الاستبداد والاستفراد والاستخفاف، ولا معين ولا متفهم ؟ كيف يمكن للسلام أن يحل بهذا العالم وأطراف منه لا تعرف السلام وتعيش في انعدام أمن واستقرار وغبن وجور، والجميع لا يريد رؤية مأزقه والإلتفات إلى حاله ؟
وغاب الزعيم وتغلب الأنا
حظر الزعيم في كل من أوكرانيا وجورجيا، وغاب الزعيم في ديارنا! فعندما تلتفت يمنة ويسرة تعجب لاكتظاظ الساحة السياسية المعارضة في بلداننا، من كانت تعيش تحت مظلة الحاكم أو خارج قفصه، بالزعماء أو أشباه الزعماء، لكنك لن تجد الزعيم الأوحد الذي يستظل تحت رايته أغلبية المجتمع، لن تجد الزعيم الذي تكون حركته موقف وصمته موقف، سوف تجد رؤساء أحزاب أو جمعيات أو طوائف، لكن تقف زعامتهم، إذا سمح لها بذلك، عند أهل بيته وفي عرينه وأمام دكانه.
مأساة الجماهير في أوطاننا هي فقدان زعمائها، سوف تعجز بحثا عن وجود بورقيبة ثان في تونس، وعرابي آخر في مصر، وعلال الفاسي جديد في المغرب، وغيرهم في بلاد العرب. أزمة جماهيرنا في بعضها هي أزمة زعمائها امفقودين أو المهمشين أو العاجزين أو الخائفين.
عجزت المعارضة عندنا أن تنشأ هذا الزعيم، ليس لعدم وجوده ولكن لعجزها أن تقف صفا واحدا في لقاء، في وفاق، في تحالف، في جبهة، يكون برنامجها الأوحد هو تنحية الاستبداد وتوطين التعدد والديمقراطية وحقوق الإنسان، يكون برنامجا سويا لحملة انتقالية إلى أن نفتح الباب للشمس وننحي الظلام. لكن الحسابات الضيقة والطموحات الشخصية المفرطة والعقلية الفردية المهيمنة حالت دون الوصول إلى هذه الوحدة المرجوة، وغاب المشروع العام وراء المشاريع الشخصية، وتهمش مآل أمة وشعوب، أمام مآلات ونزوات الفرد و طغيان الأنا.
مَن مِن رؤساء المعارضة في بلداننا يستطيع أن يقف أمام حزبه أو جماعته وأمام الجماهير ليعلن ترشيح فرد آخر من غير صفه، ليقود معركة الكرامة ضد الاستبداد؟ مَن مِن المعارضة يستطيع أن يعمل كجزء في مجموعة أو كطرف في جبهة ليس هو زعيمها، وذلك من أجل الصالح العام؟ حتى إذا مرت محنة الوقوف والمواجهة وعادت الديمقراطية لترتاد ديارنا وتطأ أرضنا وتستوطن حقولنا وهضابنا، أخذ كل فرد طريقه من جديد وحملت كل مجموعة استقلاليتها مجددا وعاد كلّ إلى طريقه من جديد، وعادت الإستقلالية وعاد كل حزب إلى مشروعه لينادي به ويدعو إليه في وسط حسم الجماهير وخياراتها.
إن أزمة أوطاننا معقدة ولا شك، ولها أكثر من عامل، ولكن أزمة السلوك في هيمنة عقلية الأنا والفردية تبدو عامة، طالت الحاكم والمعارض، ولذلك تعجز المعارضة ومن ورائها الجماهير أن تداوي مرضا وهي نفسها تحمل علامات الداء وجراثيمه.
الجماهير العربية والثقة في النفس
إن أخطر ما يعتري الجماهير من سلبيات وثغرات، هو فقدانها الثقة في نفسها، ولعل مصطلحات القابلية والركون والانسحاب والتواكل والانتظار الذي أنتجه فكر الأزمة والتخلف والاستخفاف، خير تعبير لحالة الضعف والموت البطيء الذي يمكن أن يضرب أمة بحالها فتخرج من التاريخ غير مأسوف عليها.
لقد سعى حاكم البلاد إلى زعزعة هذه الثقة في نفوس جماهيرنا وعوّدها على الركون والانسحاب، بالعصا الغليظة حينا وبالمناورة والجزرة حينا آخر، كانت الأمثال التي رعاها الحاكم تشكل عقلية منحرفة ساهمت في هذا السقوط "من خاف نجا" و"الدنيا مع الواقف" وتشكلت عقلية الخوف والجبن والتوجس من كل جديد ومن كل تغيير، وأصبح ما كان خير مما سيكون. عقلية كاملة وقع بنائها وتشكيلها طيلة عقود، وبدأنا نرى نتائجها في هذه الأيام... ألم يتساءل أحدنا وهو يرى ما يقع في مصر من بروز جماعة "كفاية" وسعيها اليومي في حث الجماهير ودفعها إلى التململ وأخذ مصيرها سلميا بأيديها، أن هذه الجماهير لم تلتحق بعد بهذه الشعلة وظلت "كفاية" صامدة وحدها أمام التعنت والظلم والإذاية! ماذا تترقب هذه الجماهير للتحرك السلمي في أوطاننا، هل هو ضعف الإرادة أم غياب العزيمة، أو الخوف والجبن، أو اليأس والإحباط؟ أم هو كل ذلك؟ أم هو اللهيب الذي يختزنه الرماد؟
إن الجماهير في أوكرانيا او في جورجيا أو في الطوغو انفردت بشيء غاب عند جماهيرنا، أو تهمش، وهو الثقة في نفسها، علمت جماهيرهم أنها على حق، علمت أن الذي أمامها ضعيف ولو احتمى بالحديد، علمت أن قوتها في وحدتها في تماسكها، في قبولها بالتضحية السلمية في البقاء في الشوارع وعدم مغادرتها ليلا ونهارا على حساب الأهل والرزق وراحة العقول والأبدان، حتى ينطق فجر الحرية. وهذا ما تفقده جماهيرنا اليوم، فزيادة على فقدان الزعيم الذي يمثل دافعا لتمكن الثقة في النفس، وغياب الخارج الذي يطمئن النفس على النهاية ويزيدها ثقة، فإن الثقة في النفس هو العامل الأساسي المفقود اليوم عند جماهيرنا، وما لم يحل ركبها بديارنا فإن أيام السواد تبقى أيامنا وعناوين الاستبداد والاستخفاف والتخلف سوف تبقى يافطاتنا.
ليست جماهيرنا غير راشدة، وليست غبية، ولكنها الثقة المزعزعة أو المفقودة، وتراكم اللهيب تحت الرماد، إذا لم تصحبه ثقة في النفس، فإنه إما أن يبقى يتفاعل بصمت تحت الرماد حتى الإنطفاء، أو أن انفلاته بغير رشد وغير وعي لغياب القائد والمرشد وغياب السند، فتحل الطامة على الداخل ولا يسلم منه الخارج، والتاريخ القريب مازالت جراحه لم تندمل.
[email protected]
* رئيس "اللقاء الإصلاحي الديمقراطي"




التعليقات