تؤشر الزيارة الناجحة لرئيس مجلس الوزراء الكويتي الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح مطلع الشهر الحالي الى الولايات المتحدة الأميركية الى أهمية دور دولة الكويت دوليا، وزخمه العالمي كصوت عقل واعتدال يفرض نفسه في أوقات عصيبة تلح بانفعالاتها وجنونها سياسيا واقتصاديا وأمنيا على المعمورة كلها من أقصاها الى أقصاها، وتعطي صورة صادقة بلارتوش عن بعد للوضع السياسي المحتقن عربيا وعالميا، حيث جرح العراق النازف بغزارة على الكتف الشمالي للكويت، وهو هم حمله الحكيم الكويتي بإقتدار ليفرده أمام الإدارة الأميركية سيدة الموقف والقرار عالميا وأمميا، دون أن ينسى الهموم العربية الأخرى، في وقت أوشك فيه رئيس الوزراء الكويتي أن ينسى التطرق الى علاقات الكويت وواشنطن، بسبب ازدحام الملفات العربية في حقيبة صباح الأحمد الصباح، حيث القائد العربي الوحيد الذي يستطيع أن يقول للأميركيين بلغة سهلة أن هذا مرغوب وهذا مرفوض فيما يتعلق بالقضايا التي تخص المنطقة العربية.

مصادر دبلوماسية أميركية تحدثت لي بإعجاب عن الحكيم الكويتي وطريقة شرحه السهلة المبسطة لأزمات المنطقة وتشخيصه لها، وتطوعه لتقديم الوصفة الطبية العلاجية لها، حتى لايستفحل الداء فيستحيل الدواء، وهو مادفع الرئيس الأميركي جورج بوش أن يفتح أوراقه وأجندته ليخط بها من بوح حديث صباح الأحمد، والمضامين والإشارات السياسية التي حفل بها حديثه الى الرئيس بوش الذي ينسب له القول مرارا أن الإجتماع الى صباح الأحمد متعة وفائدة جمة لاتتسنى لكثيرين، و يجعلك على بينة من حقيقة الوضع السياسي في الشرق الأوسط وهي مهمة عسيرة أداها حكيم الكويت وأمة العرب بلحظات عصيبة وبدرجة تفوق لاتقل عن درجة "الإمتياز مع مرتبة الشرف".

صباح الأحمد الذي كشف عن جانب انساني مثير وفصولا أخرى من حيوية ونشاط من حياة "بوناصر" كما يحلو لأبناء جلدته تسميته، حينما كانت طائرته تتهادى في الأجواء الدولية في الطريق الى سماء واشنطن، لم يك يهدف التنظير السياسي وهي مسألة لم تعد صالحة البتة في عالم مجنون يتغير مزاجه ومناخه السياسي مع مغيب كل شمس ومطلعها، لذلك قال كلاما مؤثرا في تحليله للقضية اللبنانية السورية في مكتب بوش البيضاوي، حيث روض خيارات وسيناريوهات الرئيس الأميركي "المندفع" الخاصة بسوريا وايران وأنظمة حكم أخرى في الشرق الأوسط، وهي مهمة مستحيلة لايقوى عليها أحد خاصة اذا كان محاورك مثل الرئيس بوش، وإذا كان الإعلام الكويتي أو العربي قد قصر عن عمد أو بحسن نية عن رصد الإشارات القومية والعروبية في نفس صباح الأحمد فإن الأمانة الصحفية تقتضي منا ترديد ماسمعناه من دبلوماسيين أميركيين وصفوه بأنه الزعيم العربي الوحيد الذي تكاد تكون زيارته الرسمية للولايات المتحدة معدودة، ولما يأتي فإنه بالكاد أيضا أن يتحدث عن الشأن الكويتي بقدر مايتحدث عن الشأن العربي والعراق وفلسطين. وفلسطين بالمناسبة حاضرة في كل سطر ينطق به صباح الأحمد، وفي ضمير هذا الرجل ذاته الذي تحامل على الجرح الكويتي من الموقف الفلسطيني في أغسطس 1990 حينما كانت فلسطين تعيش لحظة انتقالية صعبة وحزينة بين برزخ عرفات وبرزخ عباس، بفتح الأحضان فسيحة للرئيس الفلسطيني الجديد.

أظن أن زيارة صباح الأحمد لأمريكا رغم عدم انصافها اعلاميا على النحو الذي تستحقه إلا أنها ستظل علامة فارقة في تاريخ المنطقة حينما يأتي من يتطوع للقول ذات يوم أن حكيم الكويت قد أزاح أهوالا سياسية وعسكرية جمة عن أكتاف العرب لو وقعت لما كان للعرب مجتمعين أن يزحزحوها قيد أنملة، لكنه صباح الأحمد الذي وضع محاذير كثيرة ولاءات عدة في وجه مخططات أميركية كانت في الرمق الأخير من استعدادات اطلاقها في الحضن العربي.

صحافي وكاتب أردني

[email protected]