قرأت في موقع إيلاف يوم 17/7/2005 مقالا للأستاذ سعد الله خليل بعنوان: آية السيف تصنع التاريخ وتنشر الإسلام، وقد أثار في نفسي شجونا، وذلك لأن سوء فهم هذه الآية وقع فيه عدد من المسلمين وغيرهم كما سنبين، فغير المسلمين ظنوا أن الإسلام دين يقمع مخالفيه ويستأصلهم، وهذا غير صحيح، والتاريخ خير شاهد على هذا، فالأقليات من كل دين موجودة في العراق والشام وجزيرة العرب، وأما من فهم بأن هذه الآية ناسخة لما سواها ـ وهو من أبناء المسلمين ـ فقد كلف بعضهم نفسه العنت، ولزم طريق العنف، وساهم بتمزيق وحدة المسلمين وتأليب عدوهم عليهم، والواقع خير شاهد على هذا، فبدلا من أن يكون المؤمن من يأمنه الناس على دمائهم وأموالهم فقد صار بعضهم سببا لهدر المال وسفك الدماء ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ونكتفي هنا بالإيجاز المفيد على قدر هذا المقال، فنقول:
أولا: ليس هنالك إجماع على أن آية السيف قد نسخت ما سواها، وقد ذكر عدد من العلماء أنها لم تنسخ آيات السلم، وممن ذهب إلى هذا العلامة المحقق ابن كثير، حيث قال عند قوله تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم}: (وإن جنحوا: أي مالوا، للسلم: أي المسالمة والمصالحة والمهادنة، فاجنح لها: أي: فمل إليها، واقبل منهم ذلك، ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين، أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر، وقال عبد الله بن الإمام أحمد، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثني فضيل بن سليمان يعني النميري، حدثنا محمد بن أبي يحيى، عن إياس بن عمرو الأسلمي، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إنه سيكون اختلاف، أو أمر، فإن استطعت أن يكون السلم فافعل}. وقال مجاهد: نزلت في بني قريظة. وهذا فيه نظر، لأن السياق كله في وقعة بدر، وذكرها مكتنف لهذا كله، وقال ابن عباس، ومجاهد، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، وعكرمة، والحسن، وقتادة: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} وفيه نظر أيضا، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إذا كان العدو كثيفا، فإنه يجوز مهادنتهم، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبـي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص، والله أعلم).
ومن الكتاب المعاصرين الأستاذ المفكر الدكتور عبد الحميد أبو سليمان، يقول نضر الله وجهه ووفقه إلى كل خير: (ويلاحظ الدارس المسلم اليوم، أن مفهوم النسخ بوضعه التقليدي، قد تعرض لعدد من مبادئ أساسية في الوحي والرسالة بالإلغاء، وقصر مجالات الرسالة وأبعادها على آخر ما نزل من النصوص، وما اقتضته ممارسات الرسول صلى الله عليه وسلم وحاجة المسلمين على العهد المدني الثاني، ومن أمثلة الآثار السلبية للنسخ بهذا المفهوم: قضية العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين، وما يترتب على ذلك من مفاهيم في الدعوة والعلاقات الدولية الحضارية، وكذلك قضية علاقة المرحلة المدنية بالمرحلة المكية، وما يمكن أن ينشأ بينهما من علاقة التناسخ، وأثر ذلك على عمل الدعوة الإسلامية والتشريع الإسلامي، واستراتيجيات العمل السياسي في هذا العصر. ففي مجال العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين، نجد أن آية السيف: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} التوبة/5، تمثل نموذجا واضحا للآثار السلبية للسائد في منهج النسخ التقليدي، فآية السيف نزلت في نهاية العهد المدني الثاني، والمسلمون يتمتعون بالقوة والغلبة، وذلك في مواجهة مشركي العرب، الذين بالغوا في عداء المسلمين، والاعتداء عليهم ونقض عهودهم، رغم انقضاء ما يزيد على عشرين عاما من الدعوة والمسالمة والبر والصبر من المسلمين ودولتهم، فأمر القرآن الكريم بقتال المشركين القساة الكواسر، الذين مازالوا يعيشون بدائية اجتماعية وحضارية، وأخذهم بالقوة والعنف والإذلال، حتى يخضعوا للإسلام ويدخلوا في مجتمع حضاري منظم، فيصلح حالهم وتهذب نفوسهم، وينتهوا عن عدوانهم، ويكفوا أذاهم وقسوتهم وعدوانيتهم الناجمة عن بدائية تكوينهم الاجتماعي عن أنفسهم وعن الإسلام والمسلمين، وهنا نجد مفهوم النسخ في المنهجية التقليدية لا يستخلص الدلالة التنظيرية المطلوبة من مجالها الذي تعلقت به، وهو: الإصلاح والتهذيب، وأخذ الظالم المعتدي بالقوة الرادعة، ولكنه ينتهي إلى مجالات الدعوة كافة، وعلاقات التعامل والحوار مع غير المسلمين جميعا في كل الأحوال... وهذه القضية وما انتهت إليه من نتائج عديدة، تعرضت لمختلف جوانبها بقدر وافر من التفصيل في كتابي: [نظرية الإسلام في العلاقات الدولية: توجهات جديدة في الفكر والمنهجية الإسلامية]، وانتهيت إلى أن مجرد تعارض الأحكام والنصوص الظاهرة لا يعني بالضرورة ولا في الغالب النسخ والإلغاء، ولكن يعني أن الحياة الإنسانية في أوضاعها المختلفة تحتاج إلى مواقف وأحكام مختلفة، وكلما تحققت العلاقات والشروط والظروف الموضوعية لحكم أو توجيه بعينه، كان الحكم والتوجيه المعني هو الحكم والتوجيه الملزم للمسلم).
وما بذله الكاتب الفاضل من جهد كبير لإثبات أن آية السيف لم تنسخ آيات السلم هو جهد طيب للذود عن الإسلام، وللتأصيل للعلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم.
ثانيا: شهادة المستشرقين على عدالة الإسلام وسماحته
ولا بأس أن نذكر هنا بعض الشواهد على عدالة الإسلام وسماحته من أقوال المستشرقين، لكي لا يظن بأن الإسلام قام على السيف والكراهية، فأسباب العداوات بين الأمم ليست بسبب الأديان، فالأديان في الأصل ذات مصدر سماوي واحد، وكلها تدعو إلى السلام والحب والتعاون، والإسلام معروف بتسامحه مع الذين يدينون بغيره، يقول غوستاف لوبون: (وليست المذاهب مصدر عدم التسامح في الغالب، بل الأشخاص، وكان العرق العربي من التهذيب والسماحة ما لا يحيد معه عن هذا التسامح، الذي أقام الدليل عليه في كل مكان منذ بدء فتوحه، ويمكن القول إن التسامح الديني كان مطلقا وراء ازدهار حضارة العرب).
وقد أشادت زيغريد هونكة بموقف الإسلام من النصارى حين قالت: "إن التسامح العربي العريق هو الذي حمل فاتح مصر القائد عمرو بن العاص على تحاشي أي أعمال سلب أو نهب أو تدمير للمدن المفتوحة، بل آلى على نفسه المحافظة على ضمان ممارسة حضارتهم المتوارثة، كما جاء في وثيقة الاستسلام المبرمة حرفيا، وللوقوف على البعد الحقيقي لهذا التسامح غير المعهود في أوروبا، ربما يجلوه هذا النص المأخوذ من إحدى عقود السلام العربية نصا: هذه الاتفاقية تشمل جميع الرعايا المسيحيين: قساوسة، رهبانا، وراهبات. إنها تمنحهم الأمن والحماية لكنائسهم، ومساكنهم، وأماكن الحج. كما يشمل أولئك الذين يقومون بزيارتها من جورجيين، يعقوبيين، أريوسيين، أحباش، وسائر الذين يعترفون بنبوة المسيح، جميعهم يستحق الرعاية لأنهم في وقت مضى كرموا بوثيقة من قبل النبي صلى الله عليه وسلم مهرها بخاتمه، وفيها يوصينا بأن نكون رحماء معهم، وأن نضمن لهم الأمن."
ثالثا: كان الإسلام أكثر تسامحا مع النصارى من تسامح بعضهم مع بعض، يقول آدم متز: (على أن الكنيسة الرسمية في الدولة الرومانية الشرقية قد ذهبت في معاداتها للمسيحيين الذين يخالفون رجالها في التفكير أبعد مما ذهب إليه الإسلام بالنسبة لأهل الذمة).
وقد بدأ التسامح من عهد النبي عليه السلام، واستمر هذا الخلق الإسلامي الكريم عند ملوك المسلمين وخلفائهم، يقول غوستاف لوبون في حديثه عن نتائج الحروب الصليبية: (ولم يشأ صلاح الدين أن يفعل في الصليبيين مثل ما فعله الصليبيون الأولون من ضروب التوحش، فيبيد النصارى على بكرة أبيهم، فقد اكتفى بفرض جزية طفيفة عليهم، مانعا سلب شيء منهم).
وهذا الخلق الإسلامي الرفيع كان موجودا في إسبانيا أيضا، التي فتحها العرب، ونشروا فيها العدل والتسامح الديني، يقول غوستاف: (وتعد كنائس النصارى الكثيرة التي بنوها أيام الحكم العربي من الأدلة على احترام العرب لمعتقدات الأمم التي خضعت لسلطانهم، وأسلم كثير من النصارى، ولكنهم لم يسلموا طمعا في كبير شيء، وهم الذين استعربوا، فغدوا هم واليهود مساوين للمسلمين، قادرين مثلهم على تقلد مناصب الدولة، وكانت إسبانية العربية بلد أوروبا الوحيد الذي تمتع اليهود فيه بحماية الدولة ورعايتها، فصار عددهم فيه كثيرا جدا)
رابعا: لم يقتل الرسول عليه السلام المنافقين الذين ضايقوه حين عايشوه في المدينة، بل تعامل معهم كمواطنين لهم مكانتهم، ولو كان الدين استئصاليا لأنهى أمرهم.
خامسا: هل فتحت إندونيسيا أكبر دولة إسلامية بالسيف، أم أسلم أهلها طواعية، والأمر ينساق على كثير من الدول والجاليات الإسلامية.
والخلاصة: ليس هنالك ما يثبت من السنة على أن آية السيف نسخت ما سواها، وإنما هو اجتهاد ذهب إليه البعض وخالفه آخرون، ونحن نرى في هذا الصدد أن الإسلام لم ينتشر بالسيف، وإنما حاربه أعداؤه بالسيف، وقد بدأ بلغة الدعوة والحوار وانتهى كذلك، ففي كتاب الرسول إلى ملك الروم: (فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين) ولم يقل له عتابك السيف، وكل فهم للدين على أنه دين إكراه وعنت ومشقة ورفض الآخر هو فهم خاطئ مغاير لحقيقة هذا الدين الذي ينبذ الظلم والعدوان، بل لقد هاجر أتباعه إلى المدينة فرارا من الظلم والعدوان، وبحثا عن مناخ العبادة الآمن، فكيف نتصور أن تغيب معاني الحرية والعدالة عنهم، وهم الذين نشروها في العالم.