من الدانمارك: کأس ماء بارد..حقائق ومشاهد

ادعو باديء ذي بدء کل مسلم ثائر وغاضب ومقاطع ضد دولة الدانمارك حکومة و شعبا الى شرب کأس من الماء البارد عله يخفف حدة الانفعال وجمرة الغضب التي اثارتها بضعة رسوم کاريکاتورية رسمها شخص دانمارکي في صحيفة يولاندس بوستن الدنمارکية للرسول محمد. وبعد ذلك ادعو کل واحد من هؤلاء الى السكينة و الهدوء ولو لهنيهات قليلة عسى ان يحصل العقل والروح والجسد على نعمة الاسترخاء التي تؤمن صفاء الذهن وتهدئة الخاطر و غالبا بلوغ الحقيقة.
الحقيقة الاولى والتي لا تحتاج الى جهد وعناء لبلوغها هو ان اهمية و عظمة محمد لايمکن ان تهتز برسم کايکاتوري لرسام او بشتيمة من شتام او بأساءة من مسيء، وان اعتقدنا ذلك فأننا اسئنا بذلك بأنفسنا للنبي محمد. هذا لا يعني ان نقبل الاساءة، فلا احد في اي مکان من المعمورة يقبل بذلك، لکن المسألة هي ردة الفعل، سرعتها وحجمها.. انني متأکد من ان الغالبية العظمى من هؤلاء الغاضبين الساخطين المقاطعين لا يعرفون عن الدانمارك سوى حليبها وجبنها و دجاجها، ومع ذلك صبوا جام غضبهم وثورة برکانهم على کل الدانمارك بکل ماتمثله من نبل و جمال وحضارة.
الحقيقة الثانية هي ان الفاسقين الذين جاؤوکم بالنبأ ( وأذا جاءکم فاسق بنبأ....) لم يأتوکم بالحقيقة کاملة. لم يقولوا لکم ان الدنماکيين الذين لا يتفقون بمعظمهم مع صاحب الرسوم المسيئة بأنهم لا يدافعون عن الرجل بل عن حريته في التعبير عن رأيه. نعم الحرية عند الدنمارکيين هي ليست بکذبه او اسطورة، کما هي الحال عندنا، بل هي قناعة وممارسة تجري في عروقهم وحياتهم اليومية من المهد الى اللحد. ولم يخبروکم بأن الدانمرك تؤمن الحرية للكل ولکل الاديان والمعتقدات بمن فيهم المسلمين المئتي الف الذي يمارس من يمارس منهم کامل حرياته في العبادة وارتداء اللباس الاسلامي وبناء الجوامع والنشاط الدعوي، الذي اسهم في تحول عديد من الدانمارکيين الى الاسلام ولا من معترض على ذلك. ان الحرية والحياة الکريمة في هذا البلد quot;الشرير والكافرquot; کما اراد ان يصوره البعض، هي التي جعلت هؤلاء ان يفضلوا العيش والبقاء فيها على العودة الى بلدانهم quot;المسلمة الامنة quot;.
والحقيقة الاخرى التي اخفاها عنکم الفاسقون هو ان القوانين الدنمارکية لا تمنح السلطة لرئيس
الوزراء التدخل في شؤون الصحافة، وهذه هي ايضا حقيقة بالرغم من صعوبة تصديقها في بلداننا
حيث ان احقر ضابط امن بأمکانه ضرب اي صحافي بحذائه. فرئيس حکومة الدانمارك مسؤۆل فقط عن حکومته وجهازه التنفيذي، فله ان يوبخ او يقيل اي وزير لخطأ او اساءة يقترفها،
لکنه غير قادرعلى ذلك بحق اي صحافي او رئيس تحرير.
ان النظام الديمقراطي في الدانمارك قد بلغ من درجة من الرقي والتطور بحيث يعجز على الانسان العادي في منطقتنا على فهمه وتقبله وهي تتقدم حتى على معظم الديمقراطيات في العالم الغربي نفسه. فقد انطلق قطار الديمقراطية في هذا البلد منذ قرن ونصف من الزمان لم تعهد انتکاسة تذکر، لابل دأب الدانمارکيون على الدوام على تطويرها مفترضين دوما انها ناقصة يجب ان تکتمل وهم ماضون على ذلك لغاية اليوم. وتمکن الدانمارکيون بفضل طريقة حياتهم وتفکيرهم ان يشيدوا نظام مجتمع الرفاهية الذي يقوم على اساس التضامن والتکافل بين کل شرائح المجتمع وتأمين کل عناصر العيش الکريم لکل الافراد اقتصاديا وفکريا واجتماعيا وسياسيا وضمان ذلك بقوة القانون. ويتمتع غير الدانماركيين ومنهم المسلمون وکذلك المتشددون منهم(الذين يعتبرون الدنمارك بلد الکفر والکفار) بنفس الحقوق التي يتمتع بها الانسان الدانماركي مثل تلقي المساعدات الاجتماعية في حال العجز عن العمل، والضمان الصحي وضمان تعليم الاولاد والتقاعد..الخ.
اما في بلداننا کانت الدانمارك على الدوام رمز الصحة والعافية من خلال منتجاتها الغذائية اللذيذة والعالية الجودة. لم نعرفها دولة تصدر لنا الاواکس والباتريوت والسوبراتندار لتستنزف اموال شعوبنا في اسلحة متطورة لا فائدة منها. الاستثناء الوحيد الذي اقترن فيه اسم الدانمارك بالنشاطات العسکرية في منطقتنا هو قرار الدانمارك بالاشتراك في حرب تحرير العراق والمساعدة في اعادة اعماره وهذا فضل لا يمکن للعراقيين ان ينسوه يوما.
اخي الغاضب الثائر المقاطع ان کنت لاتزال ممتنعا عن شرب الحليب الدانماکي فهات قدحا من الماء البارد واشربه بهدوء وتأمل وابحث بهدوء عن الاسباب والجهات الحقيقية التي تقف وراء ثورة الغضب هذه والتي لا تبررها اساءة نشهد الکثير منها في بلداننا والبلدان الاخرى.
اليوم فجر انتحاري نفسه وسط حشد من العمال الفقراء في احد شوارع بغداد فقتل وجرح العديد منهم، واقدم انتحاري اخر بنفس الشيء من قبله في مطعم بشارع ابونؤاس يرتاده ايضا ذوي الدخل المحدود وقتل وجرح العديد منهم..اسألك اخي الثائر الغاضب من هو الاکثر اثما اهو صاحب الرسومات الدنمارکي ام هؤلاء البرابرة ومن يقفون ورائهم..؟ قبل ان تجبني..قليلا من الماء البارد..فکر بهدوء و صلي على النبي.

آسوس جمال قادر
[email protected]