هذا موضوع شائك... وماذا أفعل وقد عجز عن إصلاح المرجعية وتجديدها جمهرة من المجتهدين الكبار كالسيد أبي الحسن الأصفهاني، والشيخ محمد رضا المظفر، والسيد الخميني، والسيد الصدر..

هنا تكملة مانشر في الحلقة السابقة:

الأمر الثالث:
أقوم بدعوة خبراء المال والاقتصاد في أعلى مستوياتهم العالمية ليضعوا خطة متقنة لموضوع (المال الشيعي) وفي أول بنودها تنفيذ التأسيس الفوري لبنك الشيعة shia bank ويختار مركزه الرئيسي في إحدى عواصم المال المستقرة الآمنة، وأن تؤسس له عدة فروع في العواصم

لو كنت المرجع الأعلى 1-4

العالمية، فأوصي بجمع الحقوق الشرعية والتبرعات وجميع الأموال ذات المقاصد الشرعية الدينية أن توضع في هذا البنك، وأن تكون ثمة خطة عملية شرعية لإنفاق هذه الأموال في مضانّها الشرعية المعتبرة، وأن تخضع جميع تلك المستودعات للرقابة والتفتيش والإشراف لكل صادرة وواردة منها، وليقم بذلك موظفون على أكبر درجة من الخبرة العالمية والمصرفية، وبهذا أقطع على المسترزقين بأموال الدين استهتارهم، وعلى المتلاعبين بها استئثارهم، وأُأسس لقاعدة مالية عريضة تطمئن جميع المؤمنين بأن أموالهم وحقوقهم في أمان ونماء تام، ثم يكون باستطاعة كل أحد أن يضع ما يشاء من حساباته في البنك، وفي الدقيقة التي يختارها، وأن يوضّح الهدف فيما يضعه من مال كنذر أو كفارة أو خمس أو غير ذلك، وبسهولة ويسر يستلم إيصالاً قانونياً في الوقت نفسه دون حاجة لوسيط أو مرتزق أو عامل على ذلك لتيسير مصالحه الشخصية.
وأن تُعرض جميع الواردات والصادرات من المال في كتاب سنوي كما هو شأن الميزانيات العامة للدول أو الشركات الكبرى، وبهذا يطمئن الجميع لنواحي إيداع أموالهم أو صرفها بما يحقق معدلات ضافية من النمو والازدهار لمشاريع الخير، ولا يدع مجالاً للشك في قلوب العامة ممن ارتابوا في تصرفات بعض المشائخ والسادة المنتسبين إلى الحوزات.


لأنني وفي ذات الموضوع ذاته سأحيط هؤلاء من طلبة وعلماء الحوزات بالمرتب الشهري المجزي كل حسب درجته العلمية، وسأخصم بسياج من الخدمات العام يبعث فيهم الكرامة وعزة النفس، وأفهمهم أن الدين وطلابه أزهد الناس في الدرجات والعلاوات، وأن ليس للحوزيين حق إلا في أن يعيشوا عيشاً موفوراً لا ذلة فيه ولا ضعة، ثم إذا وجدت من يقف في هذا الطريق أقنعه بشتى الوسائل اللاعنفية ومن غير هوادة، وأمضي قدماً حتى يتسنى لي الإصلاح المالي الذي يقف اليوم رأس حربة بوجهها أعداء الدين وبعض المتصدين فيه إلى حرب المرجعية ورموزها، وبعض هذه الانتقادات على حق ولولا ذلك ما انتخينا لتأسيس البنك فهو أُسُّ الإصلاح بل عماده، وبه تجد الحوزة اكتفائها الذاتي وتواصل بناء مشاريعها وتقضي على الفساد المعشعش منذ قرون في الأذهان البالية لبعض ((المعممين)) الذين اعتادوا على المال الحرام من أي جهة جاء ولأي سبب كان. وهذا ما شخصه الشاعر النجفي بقوله:
أتجبى ملايين لفردٍ وحولَهُ
أُلوف عليهم حَلَّت الصدقات؟!

وأعجبُ منهم أنهم ينكرونها
عليهم، وهُم لو يُنصِفونَ جُباةُ

وقد شخص المرجع السيد محمد سعيد الحكيم هذا الداء الوبيل بقوله:
((أمر المال ـ الذي يتعرض رجال الدين والتبليغ لتحصيله والذي لم يحسن البعض منهم التصرف فيه، حيث ينتظر منهم إنفاقه في ترويج الدين، أو إغاثة ذوي الحاجة المضطرّين من المؤمنين، بينما لم يلمس الناس منهم ذلك، بل بدا منهم كسبه لأنفسهم يتنعمون به، ويتوسعون في إنفاقه، حيث قد يتعدى بعضهم فيه لمصارف الترف والبطر، وأوجب ذلك انعكاس صورة سيئة لرجل الدين والتبليغ حتى اعتقدوا أنهم لم يدخلوا في هذا المجال من أجل القيام بالوظيفة الشرعية، بل من أجل تحصيل المال والكسب غير المشروع وسُلبت الثقة منهم، وشاع سوء الظن فيهم...)).
إن علينا الاتعاظ بما كان عليه أئمتنا الأطهار من الزهد في المال وإنفاقه لو حصل لمستحقيه في الوقت نفسه، قال سيد الوصيين وإمام العز المحجلين عليه السلام:
((يا دنيا يا دنيا إليك عني، أبيّ تعرضت أم إليّ تشوّفت لا حان حينك هيهات غُرّي غيري لا حاجة لي فيك، قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعيشك قصير وخطركُ يسير، وأملك حقير فآه من قلة الزاد وطول الطريق وبُعد السفر وعظم المورد)) وفي هذا القول العظيم أمرٌ صريح لتابعيه عليه السلام بسلوك سبيل العفة وقمع الشهوة بالكلية، ومنها شهوة المال الذي افتتن فيه المغرورون من العلماء، بينما ضرب البعض الآخر منهم مثلاً عالياً في التقوى وتحرجوا في المال كثيراً، فهذا العلامة الشيخ مرتضى الأنصاري (1214- 1281هـ) الذي صار رئيساً للشيعة في زمانه، وقد ضُرب المثل بزهده، وكان لا يملك من الأثاث إلاّ عمامة يفرشها ليلاً فراشاً له في الصيف ويعتم بها إذا خرج لحوائجه، وحتى بعد رياسته كان يلبس لباس الفقراء وعليه عباءة صوف غليظة كدرة ويبسط البذل على الفقراء والمحتاجين سرّاً حتى قال له بعض أصحابه: ((أنك مبالغ في إيصال الحقوق إلى أهلها، فأجابه ليس لي بذلك فخر ولا كرامة إذ من شأن أي عامي أو سوقة أن يُؤدي الأمانات إلى أهلها، وهذه حقوق الفقراء أمانة عندي، ولما مات الأنصاري مات فقيراً، وقام بنفقة عياله ومصرف فاتحته ستة أيام رجل نجفي من الموسرين، وكانت تركة الأنصاري المنقولة عبارة عن قدر وحيد كان يستخدمه للطبخ، ((قارن بين هذه التركة وتركة بعض المراجع المعاصرين، واللبيب بالإشارة يفهم)).


وأخيراً فأن علماء الأمس، عاشوا فقراء طوال حياتهم فخلد اسمهم على مدى الزمان، وظلت آثارهم باقية حتى اليوم، وتَنَعَّمَ علماء اليوم في رغدٍ من العيش وفيض من الثروة فقتلوا أنفسهم وقتلوا أمتهم معهم فليبتعد مراجعنا عن فتنة المال حتى ينزهوا العلم عن الشوائب، وحتى يكونوا قدوة صالحة لطلاب العلم والمجتمع، ليبتعدوا عن هذا كله قبل أن تمتد إليهم يد الإصلاح فتحرمهم.

الأمر الرابع:
أطْلِقُ جمهرة من المتخصصين العلميين المحايدين في شؤون الإحصائيات لإحصاء جميع من ينتسب إلى المرجعية بل إلى الطائفة، من المشاهد المقدسة والأضرحة والمساجد والحسينيات والمآتم وجميع المراكز والمؤسسات الدينية، بالإضافة للمنتسبين إلى الحوزات الدينية طلبة وعلماء وعمّال وفي أي قطر كانوا.


فأمّا الأمكنة فستخضع (للأوقاف الشيعية) ليصار إلى دراسة حالتها كل على حده ضمن الخطط المعمول بها في قانون الأوقاف الشيعية، ولتسهيل الإشراف عليها وترميم أو تجديد ما يحتاج إلى ذلك منها، وتطبق خطة واضحة على كل المنشآت الدينية نضعها في موضع المساواة بالرجوع إلى مصدر واحد هو (الوقف) وتخضع لقانون واحد وهو (قانون الوقف) وفي بداية كافة الأعمال تسجيل مراقد الأئمة المعصومين ضمن قائمة التراث الإنساني العالمي في (منظمة اليونسكو) لتكون في وضعها القانوني والدولي الذي تستحقه من الرعاية والتكريم.


وبالنسبة للمنتسبين للحوزات الدينية من العلماء والطلبة المشائخ والسادة والخدم والخطباء وغيرهم من أصحاب الوظائف الدينية، فالجميع يخضع إلى لجان متخصصة تدرس سيرة كل أحد منهم، ثم يجري تصنيفهم بحسب الاختصاص في ((الدستور المرجعي))، ويجري تعيين الاختصاص، والرتبة، والراتب الشهري، والنشاط، والعمل، وكل ما يتصلُ بذلك من الأمور، أي أن يرتبط جميع الطلبة والعلماء والعمال بمؤسسات المرجعية كموظفين تترتب عليهم الحقوق والواجبات القانونية المنصوص عليها في الدستور المذكور.


أما من يثبت عدم لياقته في الانتساب إلى مؤسسات المرجعية، فيجب أن يُطرد، ويُجّرد من ((اللباس الديني)) إن كان يرتديه بحق أصلاً، فللباس حرمته كما هو شأن اللباس العسكري، فلا يحق لأي أحد أن يرتديه بمحض الصدفة، أو بمجرد الرغبة الشخصية أو للتصيد باسم الدين والشريعة والسيادة.


وأن أشدد على الجميع بأن لا طبقية ولا اكليروس ولا وصاية ولا ميزة لعلماء الدين وطلبة العلم على الآخرين، كما لا يوجد لسائر الناس ميزة على العلماء، فالميزة هي التقوى.


ولا مانع عندي من أن يكون العالم المجتهد، وحتى المرجع، ((أفندياً)) شرط أن يكون بلحاظ هذا الزي نظيفاً عفيفاً ملتزماً بالأدب الرفيع، وأن يكون أنيقاً بالغ التأنق والتجمل ذا وقار وسكينة وتواضع، بل قد يُضفي عليه المظهر من الجاذبية ما يزيد على أصحاب العمائم المكورة واللحى الكَثَّة (وغلاظ القفا واللهازم) وأصحاب الجلابيب التي تذكرنا بأزياء القرون الوسطى ((فابشروا أيها الأخوة ولا تنفروا)) حتى اللون الأسود لم يعد مقبولاً لعمامات الأسياد والأشراف بعد أن ثبت تاريخياً أن اللون المختار لبني العباس، وعلى كل حال تجب إعادة النظر في هذه المظاهر والالتفات إلى جوهر الدين ومدى فضيلة المعمم وقدر مسايرته للعصر الحاضر، فالرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم قال: laquo;إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكمraquo;.


وضمن هذا السياق أحرم نشر صوري الشخصية في أي مكان كان، وأن لا ترفع في التظاهرات أو مواكب العزاء أو المناسبات الخاصة أو العامة ولبئس هذه العادة النشاز، ولعمري كيف أصبح المراجع الحاليين يتنطعون بنشر صورهم تشبهاً بأهل الدنيا.


وما ذلك إلاّ دعوى للهتك الذي حذر منه إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام فقال: ((قصم ظهري اثنان: عالم متهتك، وجاهل متنسك)). وقوله عليه السلام: laquo;لا معقل أحصن من الورعraquo; فالورع الورع، والأصل هو النظر إلى ما قال وليس النظر إلى من قال.


أما الظهور العلني في وسائل الإعلام فهذا ما أحرص عليه ما دعا لذلك داعٍ من الضرورة التي في تركها الفساد، وعليَّ أن أُبيِّن الحقائق كما هي، فالأتباع حريصون على الاستيثاق من كلامي وإلاّ فسيستبد المدلسون ويحكون عني ما لا أرضاه ولا أمرت به كما يحصل في مثل هذه الأيام مع السيد السيستاني فتزداد عند ذلك الفتن وتشتد النعرات، وليكون الإمام أمير المؤمنين ((عليه السلام)) مثلنا في ذلك، إذ كان صلوات الله وسلامه عليه يصعد منبر جامع الكوفة بعد كل صلاة ويخطب في الأتباع والمؤمنين فيراهم ويروه ويخوض في كافة الشؤون الدينية والدنيوية، فما قدر الشخص المسمى (بالمرجع) أمام شخصية سيد البررة وقاتل الفجرة الإمام الهمام العلاّم (أرواحنا فداه).

محمد سعيد الطريحي
صاحب مجلة الموسم