لقد أدرك شعب كوردستان منذ منتصف الأربعينات من القرن الماضي أن الديمقراطية هي الهدف الأمثل والطريق الأصلح لتحقيق ما يصبو إليه في الخلاص من الظلم والاضطهاد والتهميش، بل كانت الديمقراطية للعراق الهدف الأول للكورد من اجل تحقيق غايتهم في الاستقلال الذاتي سواء الفيدرالي أو في حق تقرير المصير بأي شكل آخر، جنبا إلى جنب مع الاستخدام الثوري للعنف في مقارعة الأنظمة الشمولية التي توالت على حكم العراق منذ تأسيسه وحتى سقوط نموذجه العنصري في احتلال البلاد من قبل القوات الأمريكية ومن ثم عصابات الإرهاب والمخابرات الدولية المتورطة في الشأن الداخلي العراقي.

وطيلة أكثر من ستين عاما كان شعب كوردستان يصر دوما وهو في أحلك الضروف وأكثرها مأساوية على الحل السلمي والديمقراطي لقضيته والتعاطي النبيل في تفاصيل الحرب مع العدو بما لا يجعلها هدفا - أي الحرب - بل واحدة من الوسائل لتحقيق ذلك الهدف، وليس ببعيد عن ذاكرتنا كيف تصرف القادة الكورد بعد اقل من أربع سنوات من كارثة حلبجة والأنفال، أبان حرب الخليج الثانية عام 1991م حينما كانت هناك فسحة للتفاوض من اجل الحل السلمي والديمقراطي للعراقيين عموما ولشعب كوردستان خاصة، ورغم تاريخ النظام الأسود في تعاطيه مع قضية كوردستان ووحشيته التي لا مثيل لها، إلا أنهم كانوا دوما يبحثون عن فرص السلام والديمقراطية لتطور الحياة وتحقيق الأهداف المرجوة، وكذا فعلوا في مطلع الستينات من القرن الماضي أيضا حينما كانت هناك بعض فرص ربما استخدمها أصحابها في النظام لأجل المراوغة وكسب الوقت إلا إن الطرف الثاني كان يتعامل ضمن ثوابت ومبدأ السلام والديمقراطية هي الطريق الأمثل لتطور مجتمعاتنا وتحقيق ما نصبو إليه من عدالة في الحقوق والواجبات وان العنف والسلاح خيار غير مرغوب واستثنائي وطارئ.

وفي سنوات المقاومة كانت الديمقراطية واحدة من أهم المرتكزات التي يعتمدها الثوار في تعاملهم اليومي مع تفاصيل الحرب جنبا إلى جنب مع كل القوى السياسية العراقية المعارضة للدكتاتورية ومن جميع الأطياف والتي لجأت إلى جبال كوردستان وجعلت منها مواقع متقدمة للنضال من اجل الحرية والانعتاق للعراقيين عامة ولشعب كوردستان الذي اعتمد التسامح والتعايش وقبول الآخر بين مكوناته العرقية والدينية والمذهبية، حيث يتعايش المسلمون والمسيحيون والايزيديون على مختلف مشاربهم ومذاهبهم وطبقاتهم على أساس المواطنة والانتماء دونما أن يكون هناك صراع على أساس ديني أو عرقي مما أعطى هذه المجتمعات أساسا متينا للسلوك الديمقراطي كثقافة لقبول الآخر والمختلف.

وفي أول فرصة ينالها شعب كوردستان لتحقيق ذاته دون وصاية أو حكم دكتاتوري بعد انتصار انتفاضة الربيع في آذار 1991م أعلن الرئيس مسعود بارزاني الخيار الديمقراطي في تأسيس المؤسسات الدستورية والحكومية التي أراد النظام السابق بسحبها من مدن ومحافظات الإقليم إحداث الشلل والإرباك في المجتمع والدولة بغياب مؤسسات الإدارة والتشريع، فكانت انتخابات مايو/ايارعام 1992م ردا حضاريا وتحديا كبيرا للنظام الدكتاتوري وانتصارا للمبدأ الذي طالما تم اعتماده أساسا لحركة شعب كوردستان التحررية.
في هذه الانتخابات تنافس الحزبان الكبيران الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني إلى جانب مجموعة من الأحزاب الوطنية الأخرى لشغل مقاعد البرلمان المائة وإحدى عشرة في أول تجربة من نوعها في تاريخ هذا الشعب وربما منذ أكثر ثلاثة عقود من تاريخ العراق السياسي بعد سقوط الملكية، متحدين بذلك أجندات محلية عراقية تابعة لنظام صدام حسين ودولية إقليمية ذات علاقة بالملف الكوردستاني في الشرق الأوسط كونها سابقة وتجربة تكاد تكون الأولى من نوعها في المنطقة بهذا الشكل الإقليمي.

ورغم كل المعوقات التي رافقت تلك العملية فقد اجتاز شعب كوردستان انتخاباته الأولى بنجاح كبير ومشاركة منقطعة النظير وبأشراف مباشر من مئات الشخصيات والمنظمات العالمية لحقوق الإنسان من أوربا وأمريكا إضافة إلى ممثلي الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، لينبثق أول برلمان كوردستاني في تاريخ هذا الشعب يضع لبناته القانونية والتشريعية الأولى للحفاظ على نهج الخيار الديمقراطي للكورد وبقية المكونات الأخرى في الإقليم.

وقد أعقبت تأسيس البرلمان الكوردستاني مرحلة بناء وانبثاق مؤسسات الإقليم التنفيذية والقضائية وفي مقدمتها الحكومة الكوردستانية الأولى التي نالت ثقة البرلمان وبدأت بإدارة الإقليم والعمل على مواجهة حصارين مزدوجين في آن واحد؛ الأول من قبل الأمم المتحدة للعراق بأكمله والثاني من قبل النظام في بغداد الذي منع دخول أي شيء إلى الإقليم بما في ذلك المواد الغذائية والأدوية بكافة أنواعها ووسائل الطاقة من كهرباء ووقود وكل ما يتعلق بإدامة الحياة صناعيا وزراعيا.

ورغم إن النظام السابق وحلفائه من دول الجوار المعنيين بملف كوردستان وشعبها أنفقت الكثير من الأموال والجهد من اجل إفشال التجربة الديمقراطية في الإقليم وإيقاف تطور مؤسساتها ونجحت إلى حد ما في إشعال وإدامة حرب أهلية كادت أن تدمر البلاد والعباد لولا حكمة الكثير من القيادات السياسية والاجتماعية وتدخل الأصدقاء والحلفاء في العالم الديمقراطي والذي أوقف تلك الحرب المدمرة بل وحولها إلى دافع لتوحيد الجهود ومعالجة الجراح والانطلاق إلى بناء المجتمع ومؤسساته وتوحيدها في إدارة واحدة تحت سقف القانون ومؤسساته الديمقراطية ومرجعيته البرلمانية التي التأمت مرة أخرى في كانون أول 2005م حيث توجه الناخبون الكوردستانيون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب من يمثلهم في برلمان كوردستان من خلال جبهة أو ائتلاف ضم معظم القوى الاجتماعية والسياسية الديمقراطية والعلمانية والدينية أيضا، إضافة إلى المجموعات العرقية والقومية الأخرى في الإقليم ولأول مرة بالتزامن مع انتخابات عراقية حقيقية لانتخاب مجلس للنواب العراقي أيضا بعد سقوط الدكتاتورية وقيام العراق الاتحادي.

واليوم وبعد أربع سنوات مليئة بالعمل الدؤوب من اجل تكريس الوحدة الاجتماعية والسياسية في الإقليم والنجاح في توحيد الإدارات على مستوى السلطة التنفيذية ووزاراتها وتشريع العشرات من القوانين والتشريعات التي تحفظ هذا النهج الديمقراطي وتعزز مشاركة المجتمع ومنظماته المدنية وتحافظ على تجربته الديمقراطية تأتي الانتخابات المزمع إجراؤها في الخامس والعشرين من تموز المقبل الثالثة منذ انتفاضة الربيع عام 1991م والتي يبلغ فيها عدد الناخبين ( 2،518،229 ) ناخب على خلفية عدد سكان المحافظات الثلاث اربيـل ودهـوك والسـليمانية والبالغ ( 4،382،291 ) باستثناء سكان المناطق التي ما زالت خارج الإقليم والمشمولة بالمادة 140 والجالية الكوردستانية في المهجر، حيث تتجه الفعاليات السياسية أحزابا وكيانات إلى صناديق الاقتراع لانتخاب برلمان جديد ودماء جديدة وقوانين طموحة تمنح النساء مقاعد أكثر من ذي قبل ( 30% ) والشباب فرصا أكثر للمساهمة في صنع وتشريع القرار والقانون ( قبول الترشيح لأعمار 25 سنة فما فوق )، وتطور واضح في نشوء معارضة مختلفة تماما عما كانت عليه في الانتخابات السابقة وربما الأولى من نوعها منذ تمتع الإقليم بوضعه الفيدرالي، حيث برزت في هذه الانتخابات كيانات وحركات تدعو إلى إحداث تغييرات وإصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية، ثم إن هذه الانتخابات المثيرة للجدل أكثر من سابقتيها سيتم الاستفتاء فيها أيضا على منصب رئيس الإقليم بطلب خاص من الرئيس مسعود بارزاني الذي أصر على انتخاب الرئيس مباشرة من الشعب، وعلى ضوء ذلك اقر البرلمان قانونا لانتخاب الرئيس مباشرة حيث أعلن خمسة مرشحين منافستهم للرئيس بارزاني على موقع الرئاسة في سابقة هي الأولى من نوعها في الإقليم والعراق عموما.


ويبدو أن مهام كبيرة وقضايا شائكة تنتظر الدورة البرلمانية الجديدة في شكلها الذي سيضم إلى جانب قائمة الحزبين الكبيرين كيانات أخرى وأحزاب تدخل الساحة السياسية لأول مرة، وعدت جميعها الناخبين بأجراء تغييرات وتحديثات مهمة في المجتمع والإدارة وبتقليص مساحات الفساد المالي والإداري بما يحقق مكاسب أكثر للمواطن والمجتمع وبنيته التحتية ويطور شكل الحياة في كافة أوجهها ومتطلباتها ليس في الإقليم فحسب وإنما في ما يتعلق بأكثر من ثلث نفوس كوردستان الذين يعيشون خارج حدود 19 آذار 2003م في سنجار وزمار والشيخان وكركوك وخانقين ومندلي وبقية المناطق الأخرى في الموصل وديالى وتكريت المشمولة بالمادة 140 من الدستور الدائم.

كفاح محمود كريم