قراءة الجسد
د.طاهر علوان من كان:
مشهد حميم يجمع بين quot;وليم ديفوquot; وزوجته quot;شارلوت غينسبورغquot; كائنان يهيمان في كون مجهول مع مدخل الفيلم، ولم هما هكذا؟ في التكرار والإنبلاج البورنوغرافي؟ وما حاجتنا لقراءة الجسد على مخدع الزوجية؟ وهو بدهية الكائنات في تزاوجها؟ وماالغاية من تلك الموسيقى التي تشبه موسيقى ترانيم الكنائس لتقرن بالمشهد المكشوف ذاك؟ لا اجابة عاجلة فلنمض.
عاصفة الأبيض والأسود التي افتتحت الفيلم من الجنسانية الشهوانية المتدفقة هي برسم عالم مجهول خلاصته ذلك التأكيد الممنهج على فورة الجسد، لماذا؟ وأفلام البورنو ركام فوق الركام وبالسرعة البطيئة نتابع ذلك العصف الضوئي بين الزوجين المتعانقين ليترافق مع ظهور الطفل في عدد من اللقطات الحميمية تلك، لكن تتوج تلك الجنسانية الشهوانية المتدفقة بتأبين وأحزان تكمل المشهد فمن اللهو الجنساني الى المقبرة مباشرة وفجأة، لا تفصل بين العالمين غير ثوان: لقد قضى الطفل، بينما الزوجين يتبادلان الأدوار، ويتيهان في الشهوة العارمة، يخرج الزوجان مع آخرين من المقبرة بعد مواراة الطفل، الطفل الذي سقط من علو بينما كان الزوجان منشغلان في اداء مشهدهما الهائج، وبانهيار المشهد الشاعري تنهار الزوجة.

الهلع الهستيري
تحول دراماتيكي كبير هو انهيار الزوجة وانخراطها في العويل والنحيب والعزلة والكوابيس، لكن الحلول النفسانية ربما كانت حلاً ويحاول الزوج أن يساعد للخروج بالزوجة مما هي فيه وذلك بإستخدام مهاراته كطبيب نفساني، حتى ينتهي به الأمر الى السعي لمعرفة أي الأماكن تخيفها أكثر من غيرها وتسبب لها الرعب والكوابيس. اذا لم يعد الأنسان / الغول / الوحش / الشبح هو الذي يقض مضاجع المرأة التي تهاوت شاعريتها الى عاصفة من الجنون، بل هو المكان الذي يطاردها، المكان بديل عن الأنسان الوحش الدراكولا أو الشبح، وتقول: إنها الغابة البعيدة هناك ..المسماة بـ quot;غابة عدنquot; ويسألها عن أكثر مكان في الغابة يخيفها فتقول إنه الجسر الخشبي، اذا يتحول المكان: الغابة والجسر الى وعائين للرعب والفصام، وأشكال من الهيجان والهلع الهستيري ويقرر الزوج ان يصحب زوجته الى تلك الغابة والى البيت الخشبي الذي يمتلكانه هناك. وخلال رحلة الوصول الى البيت تصاب الزوجة بنوبات متواصلة من الفزع وتستريح في وسط الغابة وتتذكر كيف ان زوجها قد طالبها ان تتخيل الغابة بجميع تفاصيلها وهي تسير هناك وحيدة مذعورة وان تنام على العشب وتتحول الى جزء من ذلك العشب في اللون والجسم. تتماهى تماما وتغيب وتضيع في الحيز المكاني، في العشب الطري وفي لونه، ولكن نوبات الفزع لن تتوقف، بل تستمر في مطاردتها مما يدفع بالزوج الى العودة الى المشاهد الحميمية معها كإنقاذ وتسكين مؤقت لها، وهو حل سيكولوجي غريب، اذ ان ذلك الجيشان الأنساني سرعان ما يخرس ساعة يخرس الفم ويسكن الجسد لحظة التئام عادية بين زوجين غائبين عن الكوكب في غابة مهجورة معزولة وقد تحولت الى مشفى في فهم الزوج، وساحة للصراع بالنسبة للزوجة المحطمة، حتى انه يجدها وهي تضرب رأسها بقوة في داخل الحمام فتكون مشاركتها في الفراش هي الحل مرة أخرى وأخرى.

الذات الهائمة
في البيت الريفي تتطور أزمة الزوجة، اذ يتحول الأمر الى تساؤلات عن الذات والأنثى والجنس والحياة وتغوص هي في دواخل ذاتها المجهولة، وحتى المكان الذي ينامان فيه في الغابة لا يوفر لهما الهدوء والراحة المطلوبة اذ ان هنالك بقايا الأشجار وقطع الحجارة التي تتساقط على سطح ذلك البيت الخشبيوكأنها الأصوات المتواصلة الصارخة في أعماق الذات، تلك التي تحطم الهدوء لتشيع التوتر والإغتراب، أصوات لا تتوقف طوال الليل حتى اذا طلع النهار عادت الزوجة الى نوباتها المتفجرة وبحثها عن ذاتها سواء بممارستها العادة السرية بمحاذاة تلك الشجرة الضخمة متشعبة الجذور والتي سيقرنها الإثنان بشجرة الإناث في حديقة عدن، الإناث اللائي يختبئن خلف كل غصن من اغصانها الميتة وحيث تتلوى نلك الأغصان متشعبة تاركة تحتها كهفا مجهولا عميقا ومعتما ومترافقا مع صور من القرون الوسطى تقرن الميثولوجيا بالذات الهائمة اذ يكتشف الزوج تلك الببليوغرافيا الصورية في ركن مجهول ومعزول من منزل الأسرار الخشبي ذاك الذي يذكرك بمنازل هتشكوك، اقصد منازل الرعب المعزولة في quot;سايكوquot; والتي تعوي من حولها الذئاب مع اطلالة كل قمر وهو يشق عتمة الليل البهيم.
ويواصل الزوج مهمته التي يظهر من خلالها انه يستطيع انقاذ زوجته حتى تبلغ حالة الفصام المرضي للزوجة ذروتها عندما تتحول تحولا دراماتيكيا اذ لم يعد المكان عدوها ومصدر خوفها، بل يحتشد ذلك الخوف ويتحول الى رد فعل عنيف وانتقام شرس من الزوج، زوجي عدوي، تلك هي الخلاصة، فيتلقى ضربتها القاصمة في موضع الرجولة منه، يفقد على اثرها الوعي، فتستغل الفرصة وتقوم بعملية بشعة ووحشية بثقب ساق الزوج وربطها بكتلة معدنية كبيرة تحول دون حركته وبقاءه يتعذب وينزف حتى الموت اما هي واستمرارا للمشاركة في الألم وقتل موضع اللذة في داخلها فأنها تفتح ساقيها وتقوم بعملية ختان بشعة وفضيعة لنفسها وباللقطة المكبرة على الشاشة quot;في وقت الحملة العالمية لوقف ختان الأناث، ذلك قول ناقدة فرنسية صدمت بالمشهد وكانت في طابور مشاهدي الفيلمquot;، لكن لماذا؟ وماالسبب؟ وماالدافع؟ ألأنها قد جنت؟ أم تعاني الفصام؟ لكنها سيمفونية الألم وفكرة الألم، تتحولان الى محرك لدوافع وافعال الزوجة، المازوخية والسادية المنتجتان للألم تحتشدان بشكل جنوني وعاصف، يجب ان يتأذى الزوج ويتألم، ولكن اين؟ في موضع الراحة والسعادة منه، تعطيل ذلك تماما وشله نهائيا، حتى انها وفي مشهد هو امتدادا للبشاعة المتلاحقة تستمني ذكر الزوج ليتدفق منه الدم، ولكن الزوج ما إن يفيق حتى يبدأ بالزحف الى خارج المنزل عاجزا عن الخلاص من قطعة المعدن الضخمة تلك التي تثقل حركته ويجد في الحفرة المعتمة تحت شجرة الأناث ملاذا ولكنه وهو يختبئ يجد طائرا quot;مفاجأة هتشكوكية دون شك!quot; سرعان مايبدأ هذا الطائر المكلف بدور في الفيلم بأطلاق اصوات تلفت نظر الزوجة مما يسهل عليها الأستدلال على مكان اختباء الزوج بغرض مزيد من الإنتقام منه فيما هي تصرخ دونما انقطاع quot;أيها السافل أين انت؟quot; وتعثر على quot;ذلك السافلquot; فعلا والذي كان الحبيب الحميم من قبل، وتمضي في انتقامها حيث تغطيه بالتراب فلما تفيق من نوبة الفصام تلك تخلص الزوج وتخرجه من التراب وترعاه وتساعده على التخلص من كتلة الحديد الضخمة التي ادخلتها وربطتها الى ساقه فما يكون منه الا الإنتقام منها خنقا ثم ليقوم بإحراقها على نفس الشجرة التي تحولت الى عنصر وركن مهم من حياتهما بينما ينتهي الفيلم بتقدم حشود من النساء اللائي يغزين تلك الشجرة ويتوزعن على جميع جهاتها!.

الأجواء المحتقنة
هذا غيض من فيض من المشاهد السادية والمازوخية على السواء و كثير من الفصام والوحشية وحيث نكوص الذات وتحطمها علامة فارقة، ومن ثم لا تدري ما السبب في اطلاق هذا الإسم على الفيلم وعلما ان الأسم كما هو في الأدبيات المسيحية يعني quot;المسيح الدجالquot; بالمقابل في الأدبيات الإسلامية ، فمن هو هذا المسيح المخادع؟
لا يوجد شخص غير الزوج وربما كانت محاولاته اليائسة لإنقاذ زوجته نظرية اكثر منها واقعية بسبب تدهور حالة الزوجة وانهيارها كليا، وربما يحضر تأويل مبني على فكرة المسيح الدجال انه يدعي أو يوهم الناس وينخدعوا انه قائدهم للصلاح والخير والفضيلة لكنه يقودهم للخراب والشر، وربما هو تأويل من لدن الزوجة ان زوجها قد قادها الى ماهي عليه بدعوى معالجتها نفسيا بينما هو حطمها تماما. يقدم المخرج قصته في شكل فصول متعددة: الفصل الأول: الألم، الفصل الثاني: الفقدان وهكذا، وبالطبع يحتمل الفيلم كثيرا جدا من التأويلات فهو يعزف على وتر الميثولوجيا والذات واللاشعور والرمز وربما كانت الأنثى محور الفيلم ولكن في الجانب الآخر هنالك نظرة الى quot;الجنسquot; على انه هو السبب في المحنة التي عصفت بحياة تلك المرأة فهي كانت تشارك زوجها تلك المتعة عندما سقط الطفل ومات وزوجها كان يهدؤها بممارسة الحب معها وتحول فعل الحب الى حاجة موازية لإسكات الألم مؤقتا أو تسكينه ولهذا تلجأ الزوجة الى التخلص من الأدوات المسببة لذلك فتضرب زوجها تلك الضربة القاضية، وقد يكون تأويل موضوع الجنس هو أحد التأويلات العديدة التي يمكن النظر فيها فضلا عن مشاهد التخيلات والأحلام التي يكتظ بها الفيلم، والملاحظ بصفة عامة ان المهارة العالية في صنع الصور الفيلمية والأضاءة والمونتاج وقد تميزت بحس جمالي عالي رافقه استخدام متقن على مستوى المؤثرات التي اجتمعت كلها للتعبير عن الأجواء المحتقنة التي تحف بالزوجين.

بشاعة بعض المَشاهد
لكن كل ذلك لم يشفع للفيلم بأن ينال اعجاب المشاهدين بالرغم من الدعاية الكبيرة له، كما كان هنالك شبه اجماع في العديد من الصحف والمجلات التي صدرت ابان المهرجان على انه لا يحظَ بكثير من النقاط التي تؤهله للفوز بأحدى جوائز المهرجان المهمة، لكن المفاجأة كانت ان حصلت بطلة الفيلم الممثلة quot;شارلوت غينسبورغquot; على جائزة احسن ممثلة، وبدت على منصة التتويج وكأنها ليست تلك التي تجلت طيلة مشاهد الفيلم، كانت تؤدي على المنصة دور فتاة يغمرها الحياء، فتاة غرة وبسيطة، تحدثت عن والديها وتمنت ان يقتربوا اكثر من دورها الذي أدته في هذا الفيلم وعن اولادها، لاسيما وانها خرجت عن اعلى مستويات المشاهد العارية والجنسية الى ماهو اشد عنفا ووحشية، حتى قيل أن أربعة اشخاص مرهفي أو مرهفات الحس اغمي عليهم اثناء العرض من جراء بشاعة بعض المشاهد لا سيما اقتطاع المرأة بظرها بالمقص، ولهذا لم يكن هنالك استقبال حسن للفيلم ولا ردود فعل ايجابية حوله يلتفت اليها بشكل عام، مع اني سمعت او قرأت التفاتة طريفة من صحافي عربي أو اكثر قائلا quot;أوه، ياله من تحفة فنيةquot; وليس مستغربا ان تسمع تقييمات كهذه بعدما تحول فيلم quot;نبيquot; مثلا وفيه مافيه من الدس العنصري والإساءة للعرب والمسلمين وخاصة الجالية المغاربية في فرنسا، تحول الى فيلم عظيم في نظر بعض الصحافيين العرب، ويريدوننا ان نكذب انفسنا ولا نصدق ما شاهدناه من تهافت وسماجة متناهية في ذلك الفيلم المبيتة اغراضه ودوافع انتاجه ولا تخفى على أي عاقل، وفي كل الأحول لكل رأيه ورؤيته ووجهة نظره ولي رأيي ورؤيتي، فلا ضرر ولا ضرار.
ولكن من الملفت للنظر حقا،اعلان مخرج ومنتج الفيلم انهما سيسوقان نسختين مختلفتين من الفيلم بحسب الدول والشركات التي ستشتريه، نسخة ممنتجة سيتم فيها التخلص من المشاهد الأشد عنفا وبشاعة ونسخة اخرى، وهي النسخة التي عرضت في كان وتعرض حاليا في الدنمارك، وهي النسخة الكاملة دون حذف لأي مشهد.

هفوة المخرج الكبيرة
يعرض الفيلم الآن في الصالات الدنماركية quot;بلد المخرجquot; وكذلك في السويد والنرويج ترافقه عاصفة من الآراء المتضاربة ففي الوقت الذي احتفت به مجلة سكوب دي كي الدنماركية ومنحته ستة درجات من ستة، وكذلك حذت حذوها مجلة بوليتيكن قائلة quot;انه قطعة فنية تتحدث عن الحزن والجنس والموت وعن اللامعنى لكل شيءquot;، نجد الناقد السينمائي كلاوس كرستنسين محرر مجلة quot;ايكوquot; السينمائية الدنماركية الشهيرة يختلف مع من امتدح الفيلم وأشاد به كل هذه الإشادة ومن منحه من النقاد أعلى النقاط، متهما اياهم بالمبالغة، بل أنه ذهب الى ما هو أبعد قائلا إن هذا الفيلم هي هفوة المخرج الكبيرة!
الناقد سكوت فونداس من مجلة لوس انجلس الأسبوعية منحه نقطة واحدة من أربع نقاط وكذلك فعل الناقد مايكل سمنت من مجلة بوزتيف الفرنسية ونفس الترتيب منحه البرتو كرسبي من مجلة لايونيتا، بينما منحه الناقد ديرك مالكوم من صحيفة لندن ستاندرد نقطتان من أربع نقاط أيضا.

لارس فون ترير
هو مخرج دنماركي من مواليد 1956 في كوبنهاكن. أخرج حتى الآن أربعة عشر فيلماً قبل هذا الفيلم، منها: عناصر الجريمة 1984، ميديا 1988، أوروبا 1991، الرقص في الظلام، 2000، دوكفيل 2003، مخرج: رئيس الجميع 2006.