لم تكن دول الخليج بمنأى عن التأثيرات التي أصابت الاقتصاد العالمي على خلفية جملة من الأحداث والتطورات التي عصفت بالساحة الدولية.

وعلى الرغم من أن النفط، الذي شهدت أسعاره ارتفاعات قياسية خلال الشهور الماضية، يشكل الرافد الأساسي لاقتصادات ذول الخليج، إلا أن ذلك لم يعفها من التأثر بالتضخم الذي أصاب حتى كبريات الاقتصادات في العالم.

جائحة كورونا والغزو الروسي لأوكرانيا

فما إن خرجت هذه الدول من أزمة جائحة كورونا وتداعياتها على الاقتصاد حتى دخلت في تداعيات أزمة عالمية جديدة فرضها الغزو الروسي لأوكرانيا، وما رافقه من ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط وبالتالي ارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع والخدمات حول العالم.

مصفاة بترول في الكويت
Getty Images
أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة إيرادات الدول الخليجية

صحيح أن ارتفاع أسعار النفط أدى إلى زيادة إيرادات الدول النفطية بشكل عام، والدول الخليجية بشكل خاص، غير أن ذلك لا علاقة له بنسبة التضخم داخل كل بلد، فكون البلد نفطيا لا يمنعه من أن يتعرّض لمعدل تضخّم مرتفع، بحسب الصحفي الاقتصادي أحمد الخطيب.

الخطيب قال لبي بي سي إن: " التضخم أمر طبيعي لأن الدول الخليجية تستورد السلع والمواد الأولية والغذائية من الخارج، وهي سلع ارتفعت أسعارها بشكل متسارع بسبب ارتفاع تكاليف الشحن والنقل، عقب ارتفاع أسعار النفط العالمية، وبالتالي فإن أكثر القطاعات تضررا هي قطاعات النقل والشحن والوقود وتذاكر السفر، إضافة إلى قطاعات أخرى تتصل بشكل مباشر أو غير مباشر بقطاع النقل، وهذا يختلف من بلد إلى آخر بحسب نسبة استخدام سكان كل دولة لهذه السلع او الخدمات".

الكويت الأكثر تأثرا خليجيا

سجلت الكويت أكبر ارتفاع في نسب التضخم، بين دول مجلس التعاون الخليجي، إذ فاق 4.5 في المئة.

ويعود ذلك إلى اعتماد الكويت على الاستيراد بشكل كبير، إذ تستورد أكثر من 90 في المئة من حاجتها من المواد الغذائية من الخارج، وهي مواد ارتفعت أسعارها بسبب ارتفاع تكاليف النقل والشحن.

سوق في الكويت
Getty Images
تعتمد الكويت على الاستيراد في تأمين معظم احتياجاتها من المواد الغذائية

وبحسب بيانات الإدارة الكويتية المركزية للإحصاء، سجّلت الكويت ارتفاعا في الأرقام القياسية لأسعار المستهلكين (التضخم) نسبة 4.52 في المئة في مايو/أيار الماضي على أساس سنوي.

وتعتبر الأرقام القياسية لأسعار المستهلك أداة لقياس مستويات الأسعار إما بشكل شهري أو سنوي، وهو ما يساهم في قياس نسبة النمو أو الانكماش الاقتصادي لأي بلد، ما يسمح للدولة المعنية بوضع خطط اقتصادية ومالية ونقدية.

ووفقا لأرقام الوكالة، جاءت قطاعات: المواد الغذائية والمشروبات والسجائر والألبسة والمفروشات والخدمات السكنية والاتصالات، في مقدمة القطاعات التي سجلت أرقاما قياسية.

وبحسب أرقام البنك الدولي تتصدّر الكويت قائمة البلدان الخليجية التي سجلت ارتفاعا في معدلات التضخم تليها سلطنة عمان ومن بعدها الإمارات، فالبحرين وقطر، وتأتي السعودية في المرتبة الأخيرة مع نسبة تضخم بنحو 2.5 في المئة.

سيدات في مقهى في الرياض
Getty Images
قررت السعودية تخصيص 20 مليار ريال لمواجهة تداعيات ارتفاع الأسعار عالميا

وعن هذا الموضوع قال الخبير الاقتصادي السعودي جهاد العبيد، في مقابلة مع بي بي سي نيوز عربي إن التضخم أصاب جميع القطاعات في المملكة العربية السعودية لأن تكاليف النقل فرضت نفسها على أسعار السلع والخدمات، معتبرا أن الأهم حاليا هو تحديد نسبة ارتفاع هذه السلع والسيطرة عليها.

وكانت السعودية قد قرّرت تخصيص 20 مليار ريال سعودي (5.3 مليار دولار) لدعم الأسر المستحقة في مواجهة تداعيات ارتفاع الأسعار العالمية.

وبحسب وكالة الأنباء السعودية فإنه سيتم تخصيص نصف هذا المبلغ، حوالي 10.4 مليار ريال (2.77 مليار دولار) كمساعدات نقدية مباشرة لمستفيدي الضمان الاجتماعي، وبرنامج حساب المواطن الذي أطلقته السعودية عام 2017، وبرنامج دعم صغار مربي الماشية، بينما ستخصص بقية المبلغ لزيادة المخزونات الاستراتيجية للمواد الأساسية والتأكد من توفرها.

وتأتي الخطوة السعودية في وقت تحتل فيه القدرة الشرائية السعودية المرتبة الرابعة ضمن دول مجموعة العشرين.

ويشير الكاتب والمحلل السياسي السعودي، مبارك آل عاتي إلى هذه البيانات بوصفها "مؤشرا على الملاءة المالية للاقتصاد السعودي". ويضيف: "أتوقّع أن تزيد إسهامات الحكومة السعودية في حال ازداد الوضع سوءا".

الإمارات تدعم مواطنيها من ذوي الدخل المحدود

وقبل الإعلان السعودي كانت حكومة الإمارات أقرّت إعادة هيكلة "برنامج الدعم الاجتماعي لمحدودي الدخل" بنحو 7.6 مليار دولار أمريكي تخصص للأسر الإماراتية ذات الدخل المحدود، أي تلك التي لا يتجاوز دخلها 25 ألف درهم شهريا (نحو 6800 دولار أميركي شهريا).

وعن هذه الخطوة قال الصحفي الاقتصادي أحمد الخطيب إن الحكومة تلجأ عادة إلى تدابير مماثلة حين لا يترافق التضخم مع ارتفاع في الرواتب ذلك أن الهدف من هذه الخطوة هو تخفيف الفجوة بين التضخم وعدم زيادة الرواتب.

وتعتبر الإمارات، التي لا تتجاوز نسبة مواطنيها الـ 20 في المئة من إجمالي سكانها، من أكثر البلدان ارتفاعا في مؤشر غلاء المعيشة.

فبحسب آخر تقرير لشركة ميرسر، جاءت إمارة دبي في المرتبة الأولى عربيا، والحادية والثلاثين عالميا، في مؤشر غلاء المعيشة تليها إمارة أبو ظبي (61 عالميا والثانية عربيا).

برج العرب
Getty Images
احتلت إمارة دبي المرتبة الأولى عربيا في مؤشر غلاء المعيشة

كما احتلت مدن خليجية أخرى المراتب الأولى ضمن الدول العربية. حيث حلت الرياض في المرتبة الثالثة عربيا والثالثة بعد المئة عالميا، فجدة (111 عالميا والرابعة عربيا)، أما المنامة فحلت في المرتبة السادسة عربيا، والسابعة عشرة بعد المئة عالميا، تليها مسقط (119 عالميا والسابعة عربيا)، ثم الكويت (131 عالميا والثامنة عربيا).

وشمل التقرير 227 مدينة عربية وأجنبية.

وحتى الآن، تبقى نسب التضخم في الدول الخليجية، في حدود مقبولة، خاصة إذا ما قورنت بالارتفاع الذي شهدته دول صناعية كبرى، تراوحت الزيادة في نسب التضخم فيها بين 8 و 10 في المئة.

لكن اقتصار إجراءات الدعم الحكومي، التي أعلنت عنها دول كالسعودية والإمارات، على المواطنين يطرح تساؤلات عن كيفية الحفاظ على القوة الشرائية في تلك الدول، في ضوء عدم تلقي الوافدين أي قسط من الإعانات الحكومية، في وقت تواجه فيه ميزانياتهم ضغطا بسبب ارتفاع الأسعار.