أعترف بأهمية الحوار (مثقفون عراقيون حول النشيد الوطني العراقي )الذي أجراه الكاتب والناقد الفني حسين السكاف مع نخبة من المثقفين العراقيين، والذي يعد أوسع حوار يجمع آراء عراقية مهمة في وقت واحد، ولكنني أعترف بنفس الوقت بأنني صدمت لبعض ما جاء فيه من آراء، كوني موسيقي عراقي، وكوني أيضاً واحد من الذين شاركوا بمسابقة النشيد الوطني العراقي التي أطلقتها وزارة الثقافة العراقية الأولى بعد سقوط الصنم.
عبارة النشيد الوطنيين تعني أن هناك نص شعري – كلام مُنْشَدْ – مُلحّن، يعكس صورة شعب يمتلك حضارة وتاريخ، حاضر ومستقبل، يرتكز بناءه اللحني على ضوابط متعارف عليها دولياً وكذلك على الميزان الشعري المراد تلحينه. وتعريف النشيد كما جاء في معجم الرائد على الصفحة رقم 1504، هو: ما يُغنّى من الشعر الوطني أو الحماسي.
النشيد الوطني بطبيعته يختلف عن الأغنية الوطنية وهذا ما قد يجهله الكثيرون، حيث صعوبة التمييز بين النشيد والأغنية أمر وارد. فالأغنية تختلف في بنائها اللحني ونظمها الشعري عن النشيد، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأغنية العاطفية وألوان الغناء الأخرى. ويمكنني أن أذكر هنا هدف واحد بسيط من الأهداف الكثيرة التي من أجلها تتمسك الشعوب بأن يكون لها نشيد وطني، وهو حين يُردد النشيد الوطني في المدارس مثلاً أوالمهرجانات الرياضية، فأنه سوف يغذي الفرد المواطن بالحس الوطني اوتوماتيكيا، كونه يرمز كما اشرنا الى الوطن والشعب والحضارة من خلال نص شعري ملحّن.
أما ما يخص السلام الوطني، فهو الموسيقى المستنبطة والمستوحاة من مضمون النشيد الوطني، وفي أغلب الأحيان يكون مقطع من موسيقى النشيد الوطني نفسه، ومن دون شعر. يعزف السلام الوطني في المراسم الرسمية العليا والمحافل الدولية .كمراسم استقبال رؤوساء الدول وملوكها وممثليها وكذلك في المناسبات الوطنية وفي بداية كل صباح جديد من خلال محطة الإذاعة والتلفزيزن التابعة للدولة.
وبعدما أوضحنا الفرق بين بعض المفاهيم، دعونا ندخل صلب موضوعة النشيد الوطني العراقي، الذي أرى أهمية التعريج على ذكر بعض النقاط المهمة من تاريخه أمراً ضرورياً. فلقد تعرض النشيد الوطني العراقي الى الكثير من التغييرات والرؤى مثلما تعرضت لها الحالة العراقية بشكل عام. وما بين الفترة الملكية والجمهورية حتى وقتنا هذا اُعتُمِدَ للعراق اكثر من نشيد وطني، فنشيد "موطني" ذلك النشيد الرائع الذي اخذ الحصة الأكبر من بين اناشيد عراقية كثيرة لم تكن اقل جمالاً وتأثيراً عنه في تلك الفترة، وأذكر منها نشيد " وطن واحد " ونشيد " لحصاها فضل على الشهب " وكذلك " لاحت رؤوس الحراب " وغيرها من أناشيد لا زالت عالقة في ضمائرنا وقلوبنا وعقولنا، لما لها من مفردات جميلة واقعية حماسية، تُلهب العاطفة وتُشعر المرء بكبريائه وعظمة خلقه ورفعته، وتجسد واقع الوطن والتلاحم والمحبة. صاغ تلك الأناشيد ملحنون كبار إعتمدوا بناءً لحنياً قوياً ورائعاً لا يجرؤ احد على نكرانه.
وبمناسبة ذكر نشيد " موطني " أود إيضاح أمر غاية في الأهمية كنت قد عرّجت عليه في مقالة سابقة كشفت خلالها عن خطأ في الأداء، والحمد لله، فقد استجيب لندائي ولم يعرض النشيد بعد من على الشاشات العراقية، حيث إكتفوا بموسيقاه فقط. ويهمني أيضا ان أبيّن أن ليس كل ما يُكتب صحيح وخال من الخطأ، فعلينا التأكد قبل النشر، ومثالنا على ذلك كتاب " الأناشيد المدرسية - الجزءالأول - تأليف سليمان العيسى وكامل القدسي " والكتاب دوّن الأناشيد بالنوتة الموسيقية، فقد دوِّنت في الصفحة 49 منه، النوتة الموسيقية لنشيد " موطني " بشكل خاطئ، حيث كان يجب على الزميل القدسي أن يضع في آخر المقدمة الموسيقية علامة سكوت بمقدار ضربة (نوار) لكي يكون مسار النشيد سليما من حيث البناء والغناء. وحسبما جاء في تدوين القدسي فقد صارت بداية الغناء من محل الضربة التي هي مكان علامة السكوت. والصحيح ان يكون الدخول من بعد علامة السكوت. ان هذا الخطأ قد جعل مسار اللحن خاطئً من اولهِ الى آخرهِ.
أما مايخص نشيد الكتاتور " وطن مد على الأفق جناحا .. وارتدى مجد الحضارات وشاحا " الذي كتبه الشاعر شفيق الكمالي ولحنَّه وليد غلمية، والذي لازمنا – أي النشيد - أطول فترة زمنية عرفناها دون أن يحفظه أحد، بإستثاء المقطع الأول منه بسبب طول النص الشعري، فهو من الناحية الفنية والجمالية كان جميلاً جداً ولا غبار عليه، ولكن الرأي العلمي الفني الخاص بالبناء اللحني له الذي وللأسف لم ينتبه أحد من الموسيقيين أو الملحنين أو المسؤولين في الوطن العربي وليس العراق فحسب ممن يحمل ألقاب مخيفة كالبروفسور ، أ. د.، الموسيقار، اللواء، وغيرها من ألقاب أخجل حتى من مجرد ذكرها لعظمتها فكيف بحملها، أقول، أن أحداً منهم لم ينتبه الى وجود أخطاء في بنائه اللحني. كنت قد وجدتُها بعد إعتماده وتعميمه رسمياً علينا، وللأمانة أذكر أن زميلي الفنان جميل جرجيس فقط من كان يشاطرني الإنتباه إلى الخطأ ذاك ( آمل أن لا يدّعي احد منهم، انه وجدها وأحسّها بعد أن يقرأ ملاحظاتي ) وما بوحي بتلك الأخطاء الفادحة الآن وفي الفترة القليلة المنصرمة، إلا دليلاً واضحاً على ذلك الظلم والجور والتعسف الذي كان يتعرض له المبدع العراقي حال نقده أي كلمة يوافق عليها الدكتاتور. وكذلك الأمل في أن أجد مَنْ يهمه أمر الموسيقى كعلم وذوق وبناء، لا تجارة وشهرة. لقد فات على الدكتور وليد غلمية – ملحن نشيد الدكتاتور - عند بناء لحن النشيد الوطني السابق الأمور التالية:
1- لا يجوز مدُ بعض الحروف في الغناء كحروف العلة المعروفة. مثال على ذلك الشطر الأول " وطنٌ مدَّ على الأفق جناحا " نجد ان في كلمة ( مدَّ ) قد مُدت الفتحة على حرف الدال اثناء بناء اللحن وكان الاصح ان تكون مقطوعة (عادية) خفيفة لكننا سمعناها ممدودة ( مـدّ ا ) وبالتالي فقد حُفظت على هذا النحو الخاطئ
2- في المقطع الذي يلي مقطع " نحن من بابل وآشور لنا " وبالضبط عند المقطع الذي يقول " حين ...... ثورة / وحملنا راية التحرير فكرة " نجد خللاً في البناء اللحني، حيث ان الملحن وضع الضغوط في هذا المقطع على ميزان 4/3. في حين نجد ان مسار لحن النشيد هو 4/2 مما جعله مغايراً لمسار لحن النشيد، وكان الأصح أن يكون البناء في هذا المقطع أيضا على ميزان 4/2 .
النشيد الوطني للعراق الجديد
أن أهمية النشيد الوطني العراقي، النشيد الذي سيمثل العراق الجديد، تظهر واضحة للعيان في وقتنا الراهن من خلال المناقشات والآراء والمقالات والنتاجات العملية التي يبديها ويقدمها بشكل مترع بالحرص والإهتمام، رجالات الثقافة والفن من العراقيين، في الوقت الذي نرى فيه أن مؤسسات الدولة غارقة في هموم آخرى فرضها الوضع العراقي الجديد. ومن هنا نستطيع أن نفهم دور المثقف والفنان في إختصار الزمن وعدم الإنتظار والفاعلية في المشاركتة الجادة في ببناء عراق جديد. لذا أجد نفسي أمام مسؤولية وطنية وفنية في أن أعقب على بعض النقاط التي جاءت ضمن الحوار الذي أجراه الكاتب حسين السكاف والذي نشره موقع لإيلاف مشكوراً ضمن زاوية " لقاء إيلاف " بتاريخ 12. 10. 2005.
إن للمأزق الذي وقع فيه النشيد السابق – نشيد الدكتاتور – من حيث طول النص الشعري، إشارة يجب الإستفادة منها في نشيدنا الجديد، وعليه يتوجب ان يكون النص قصيرا ذو مفردات سهلة ومعبّرة، خفيفة الوقع على النفس والأذن . اضف لذلك عراقيته بالكامل من نص ولحن وأداء كي تلعب الروح العراقية دورها في ايصاله الى اعماق الفرد العراقي. وهذا ما يتفق تماماً مع آراء الدكتور عبد الإله الصائغ التي جاءت ضمن الحوار.
وأعتقد ان تأجيل إعتماد النشيد الوطني العراقي في الوقت الراهن أفضل من أن نعتمد نشيد يثير الإشكالات، كما أشار الشاعر حميد العقابي، ولكن كان الأجدر بوزارة الثقافة اعتماد أحد الأناشيد المقدمة إليها ضمن المسابقة التي طرحتها وزارة الدكتور مفيد الجزائري، والمستوفي لكافة شروط وأسس تأليفه من حيث البناء اللحني والنص الشعري البسيط المعبّر والتوزيع اللائق الى غير ذلك من مقومات نجاح أي عمل فني كبير. حيث كانت فرصة نجاح اعتماده أفضل مما نحن عليه الآن لأسباب عديدة منها:
أننا جميعا قد شاركنا وبعفوية صادقة أظهرت حبنا وولاءنا للوطن في أول فرصة سنحت لنا سواء كانت في النصوص الشعرية أو الألحان والتنفيذ، فخرجت أعمالنا عراقية مائة في المئة. وقد عشتم معنا تلك الأجواء حينما تسابقنا لإيصال أعمالنا (مهما كان شكل ذلك العمل) وبشق الأنفس الى وزارة الثقافة. أما إعتماد نشيد وطني معين في الفترة الحالية فبرأيي سيكون صعب جداً، ليس للأسباب التي ذكرها الأخ الشاعر العقابي في تخوفه المشروع من أن يصبح النشيد من حصة الفئة الغالبة إنتخابياً فحسب، إنما لأمور أبعد وأخطر من ذلك، فالبلد غير مستقر وأن أية مفردة غير محسوبة ستلعب دورها الخطير في تفكيك البلد، ناهيك عن وضع الموسيقى العراقية المتردي في الوقت الحاضر وهجرة كادرها الجيد منذ سنوات طويلة عن الساحة الفنية العراقية. لذا يتوجب علينا التريث. ولا ادري كيف سيكون الحال بعد الإحباط الذي أصابنا في المرة الأولى والإستخفاف بمشاعرنا الوطنية الصادقة والذي كان وقعه شديد على نفوسنا نحن الفنانيين الذي شاركوا بمسابقة النشيد الوطني العراقي، واللذين لم نسمع أي رد أو كلمة شكر غاية اللحظة؟؟ وعموما أتمنى أن يبتعد ساسة البلد بما فيهم السيد وزير الثقافة عن قبول أياً من النصوص الشعرية التي من شأنها تشتيت وتمزيق الوحدة الوطنية العراقية، وأن تكون هناك لجنة فنية موسيقية من ذوي الإختصاص من الدول الصديقة، العربية والأجنبية للنظر عند الإختيار وتجنباً للوقوع في مجال المحسوبية والمعرفة والمصلحة الخاصة، وليس في هذا عيب إطلاقاً، ذلك لأننا بحاجة الى دعم ومساندة بعد السبات الطويل الذي عشناه، وهذا برأيي لا يقلل من شأننا أبداً بل العكس لأن الأختيار السليم بمساعدة الآخر أفضل ألف مرة من الإختيار الخاطئ.
لقد اتفقت الرأي مع بعض الزملاء في ان يأخذ النشيد الوطني وقته في الفترة الراهنة، لكني لا أوافق الأخ المخرج طارق هاشم قوله بأننا لسنا بحاجة الى نشيد وطني. ولكنه إذا كان يقصد الوقت الراهن فقط، فأنا أتفق معه. العراق بلد عريق صاحب حضارة عريقة، وبالتالي فتجريد العراق من نشيد يتغنى شعبه فيه وبحضارته وسموه ورفعته انما هو تجريد العراق وشعبه من هويته العريقة.
نقطة أخرى أود الإشارة إليها، هي إستغرابي الشديد بتمسك الزميل الفنان فلاح صبار وآخرين معه بفكرة إستخدام مقام الحسيني في البناء اللحني للنشيد الوطني؟؟ وكما ذكرت في بداية حديثي فإن هناك فرق بين النشيد والأغنية الوطنية من حيث البناء اللحني والنص الشعري لكل منهما، فالأغنية يمكن ان تلحن على أي سلم كان بينما النشيد الوطني يفضل عند بناء لحنه الإبتعاد عن السلالم الخاضعة الى( 4/1 تون ) لأسباب تتعلق بالأجواق الموسيقية الأوربية وغيرها حيث ان (4/1 تون) هذا لا يدخل في صلب موسيقاهم، مما يؤثر على تذوقهم له. وهذا بطبيعة الحال ناتج عن العوامل البيئية والجغرافية والإجتماعية والدينية عندهم. وإذا إضطرت تلك الأجواق إلى عزفه فأنها ستكون عاجزة عن منحه حقه من الحس والجمال والأداء الموسيقي مثلما نعطيه نحن للأسباب السابقة نفسها. و بإمكاننا إستخدام كثير من السلالم الأخرى التي لا تحتوي على (4/1 تون ) مثل سلم النكريز والحجاز والحجاز كار والزنكولاه والكرد واللامي وغيرها، وجميع هذه السلالم تبعدنا عن اشكالات نحن في غنى عنها وإن كانت هذه الإشكالات بسيطة. أما عن استخدام الآلات الهوائية وميزان المارش وإيقاعات الطبول، الى غير ذلك من مفردات لازمت الأناشيد، فأقول أن الباب مفتوح لكل الأفكار الجيدة والمميزة ولم يُفرض علينا ميزان المارش فلماذا نقف عنده؟ وهناك موازين عديدة غيره.
وعن مضمون النشيد الوطني وشكله وصورته ومفرداته الى غير ذلك من دلالات، اقول، ليس أجمل من التغني بالوطن وترابه وسمائه حيث لا يختلف إثنان على ذلك بإسلوب سهل جميل وشفاف يعكس روعة وجمال سهولنا وجبالنا وترابنا و انتماء الفرد لوطنه من خلال حبه وتفانيه في العمل وبسط الذراع لبنائه، وهذا برأيي هو مبتغى كل عراقي شريف وغيور.
وهنا لا يسعني إلا ان انقل لكم صورة العراق من خلال رؤية صادقة شفافة صاغها مبدعها رغم مرضه، فكتب لي ملبيّاً رجائي له بكتابة نص شعري للنشيد الوطني، فألف الشاعر الأستاذ عبد الجبار العاشور القصيدة التالية :
سماءُ العراقٍوأرضُ العراقٍ
هما مُقلتايَومسرى انطلاقي
يُلوُنُ أرضيربيعُ المزارع
ويُسعِدُ شعبيعطاءُ المصانع
فتزهو الحيا ةُوتصفو المنابع
بلادي الحياةُبلادي الخلود
سنبني غداًمُستنيرا سعيد
لينعمَ شعبيبعَيْش رغيد
سَمَوْنا فنحنُالأُبا ة ُ الأماجِد
فد ُم موطنيللعلا والمحا ِمد
سَتُعليكَأفكارُنا والسواعد
وبالمناسبة فقد استخدمنا ( سلم " النوى أثر " في بناء لحن النشيد وعلى الميزان 8/6 ) وهو بعيد كل البعد عن المارش والطبول والحسيني فأين المشكلة اذن؟.
قرأتُ أيضاَ فكرة الفنان المسرحي هادي الخزاعي، في أننا بحاجة الى نشيد يخاطب العقل، خال من الكلام إسوة بالأمم المتقدمة. وهنا اسأل: هل صار معلوما لديه الآن الفرق بين النشيد والسلام؟ وهل سينشد الشعب العراقي النشيد الوطني الخال من الكلام بالنوتة الموسيقية فقط ( دو، ري، مي، فا، وهكذا؟. اعجبُ لهذه الفكرة التي تعجز عن تحقيقها أرقى دول العالم، ونحن نعلم ان كل دول العالم حتى المتخلفة حضاريا لها سلامها ونشيدها الوطنيْين، فهل سنتخلف عنهم حتى في هذا؟ وبرأيي ان الأمر منوط بالشعراء والساسة لكي يبتعدوا كل البعد عن النعرات القومية والمذهبية وغيرها عند اعتماد النصوص الشعرية للنشيد الجديد.
هناك فرق بين مفهومي الإيقاع والميزان. والنشيد الوطني يخضع لميزان حسب التفعيلة الشعرية أو ميزان الشعر، ولا يخضع لإيقاع بمفهوم الإيقاع العام ( المتداول بيننا)، ولكل تفعيلة شعرية موازين موسيقية يختارها الملحن البارع بشكل ينسجم ومعنى الشعروميزانه وجماليته. وقد لاحظت أن هناك من قال مصطلع ( الإيقاع الحسيني ) وهذا خطأ كبير، خصوصاً إذا صدر من فنان متخصص بالموسيقى، فالحسيني " سُلَّمْ " وليس إيقاع، ولا ضير في استخدام سلم الحسيني إلا للأسباب التي ذكرتها من قبل والمتعلقة (بربع التون) لا اكثر.
ذكرتُ أن هناك بناء لحني خاص لكل لون غنائي ( العاطفي والديني واغنية الطفل والنشيد والموشح ) وهكذا. وفي الدول المتقدمة نجد أن ( الموسيقيّ مُختص ) بمعنى: أن الموسيقى في هذه الدول يجيدها خريجوا المؤسسات كعلم قائم بذاته. ورغم ذاك نجد أنهم يتخصصون فيها بعد ذلك كل حسب رغبته وموهبته. فهتاك مدارس ومعاهد وجامعات تُعنى بهذه التخصصات ( كالتأليف والقيادة والغناء ). وهذا بدوره يؤهل الموسيقي أكاديميا في مجال تخصصه لأنه سيقف عند كل شاردة في مجاله هذا. وبالتالي سيُنتج ويبدع بصورة سليمة غير مشكوك فيها. وللأسف لم يصل الوطن العربي بعد الى هذا السمو في مجال علم الموسيقى والغناء، بإستثناء فنانيين قلائل جداً.
أما بخصوص موسيقى الفنان الكبير جميل بشير، فهي فعلا جميلة ومؤثرة ولا ننكرها أبدا، لكنها لا تصلح لنشيد وطني، والبسبب هو، لكل لون غنائي بناؤه الخاص كما اشرت سابقا.
ورد في الحوار أيضاً، أمنية من شاعر، تمنى أن تكون موسيقى القيثارة ضمن موسيقى النشيد الوطني، أمنية جميلة والقيثارة آلة جميلة أيضاً، عمرها من عمر حضاراتنا وأمر إدخالها في النشيد الوطني أمر جميل، بل رائع ولكن من حقي أن أسأل عمّن يّلم ويتخصص في هذه الآلة، أبعادها، مجالها، إمكانياتها، وبالتالي عن المبدع الذي سيكون عازفها؟، فالآلة ومنذ زمن بعيد تحنطت مثل عقول الكثير. ومَن يدري ربما سيأتي اليوم الذي نلمس اوتارها ونبثّ فيها الحياة والإحساس من جديد بعد ان يستقر حال الوطن. وهنا أحب أن أشير الى نقطة هامة، وهي أن الآلات الوترية تتأ ثر بالجو وبالتالي ستؤثر سلبا أثناء العزف في الأجواء المفتوحة كما يحصل في المطارات على سبيل المثال، وهذا يوقعنا في مشكلة كبيرة.
بالتأكيد صور جميلة رسمتها خيالاتنا ملحنين وشعراء، وما اختلاف آرائنا حوله إلا دليل على وجود هذه الصور. ومما زاد من جماليتها، وجود الشعراء والملحنين في بقاع مختلفة، مما ساهم في وجود وتشكيل ورسم أكثر من نص ولحن. فالنشيد القادم لابد وأن يكون صورة معاكسة لما كان علية سابقه في كل شئ، في المفردة واللحن وحتى الأداء. وهذا ما اعتمده الفنان رامي الرجب حين تلحينه النشيد الوطني الذي شارك في المسابقة الوزارية المنسية، حيث أن فكرته بُنيت على الأداء المختلف لما اعتدنا سماعه في الأناشيد، فصبّ إهتمامه على صوت الحياة، صوت الفجر الجديد، ذلك هو صوت الطفولة العراقية، وهل أحقّ منها بأدائه؟ المشكلة لا تتعلق بالنشيد نصا ولحنا بل اختياراً أيضاً. وهنا تكمن المسؤولية الكبرى والنزاهة والصالح العام. ومن هنا أجدد العتب على وزارة الثقافة، حول سكوتها الغريب عن الأعمال التي قدمت لها.على الأقل كان بإمكانها - بعد موافقتنا طبعا - بث الأناشيد المشاركة في المسابقة على القنوات العراقية ليسمع الناس في الداخل أصواتنا، وليعلموا أننا معهم لحظة بلحظة، ففي ذلك عزاء لهم، ودافع للوقوف من جديد وبثبات، بعد أن ظنوا أن لا أحد منا معهم.
بخصوص إقتراح الفنان والمخرج السينمائي طارق هاشم حول قصيدة الشاعر بدر شاكر السياب، فهي جميلة، لكنها لا تتناسب والنشيد الوطني من حيث تفعيلتها الشعرية أولا ولإحتوائها على مفردات نحاول أن نتجاوزها، كمفردة الموت\.
اما الإشارة التي جاء بها الكاتب حسين السكاف في نهاية الحوار حول محالفتنا الحظ في أن يكون السياسي صاحب القرار في موضوعة النشيد متذوقا للموسيقى ؟ فاقول، أنني أستبعد ذلك ( مع دعائي بأن أكون مخطئاً ). وبرأيي فإن قلّة قليلة من ساسة العراق قد سمحت ظروفه بدراسة شئ بسيط عن الموسيقى بسبب الوضع الإجتماعي والعادات والتقاليد، ولو كان درس الموسيقى في مدارسنا قد أُقرّ كمادة دراسية ضمن المواد المقررة إسوة بالدول المتقدمة وبعض الدول العربية المتفتحة، لأصبح الذوق العام للشعب نوعا ما أرقى مما هو عليه الآن، أضف إلى ذلك، أن معظم ساسة الحكم تشغلهم أمور الدولة وأمور أخرى، فهم لم يتعودوا سماع الموسيقى لوحدها، بل سماع الأغاني، وفي هذا فرق كبير. ورغم ذلك أتمنى أن نكون أوفر حظاً، فنحظى بعناية حقيقية من لدن ساسة الحكم، كل حسب استحقاقه وعطائه ومقدار ما يحمل من علم، لا حسب محسوبيته. أتمنى على أصحاب القرار أن يحكموا ويعدلوا، خصوصا وأن أغلب ساسة الحكم قد عاشوا فترة طويلة خارج العراق وقد لاحظوا بالتأكيد الفرق بين الزمنين والمفهومين، وأقصد مفهوم الجدارة والكفاءة ومفهوم الضحك على الذقون خصوصا في مجالنا الموسيقي.
حاولت جهد إمكاني وبتعبير مبسط أن أوضّح بعض مفاهيم موسيقية علمية قد يجهلها الكثير.
لقد كان للحوار الأثر الطيب والصدر الرحب، وأتمنى ان نبدأ الخطوة الأولى بثقة أكبر، ورؤية أوضح، وأن نتعاون معا في رفد عراقنا بكل ما نحمله من علم وموضوعية ومحبة، ولنكن يداً واحدةً تدفع بالجهل والتخلف إلى غير عودة. أتمنى أن يكون السلام والنشيد والوطنيين فاتحة خير على العراق شعباً وأرضاً وسماءاً.
كلمة اخيرة اختم فيها حواري، هي أن النشيد والسلام الوطنيْين لابد منهما، طالما هناك وطن عريق أسمه العراق وإن قد كبا ذات يوم.
باهر هاشم الرجب
عازف وأستاذ آلتي القانون والسنطور




التعليقات