من لا يتذكر الحكاية التي رويت لنا ونحن صغار: خلف رجل لأولاده أرضا، وأخبرهم أن في الأرض كنز. وبعد أن مات، حفر الأولاد الأرض، ووجدوا أن الكنز هو الأرض نفسها. هذه الحكاية البسيطة تذكرتها وأنا أفكر في طريقة معينة، بل في أفضل الطرق لمكافأة قارئ رواية بنسالم حميش "العلامة". فحميش اعترف لنا، أن الكنز الموجود في الرواية هو حياة عالم العمران الشهير عبد الرحمان ابن خلدون. لكن القارئ حالما يبدأ في الحفر بحثا عن الكنز الموعود، يجد أن الكنز هو الرواية نفسها. وذلك من حق حميش لأن كل كاتب يدعي أنه يخفي في السرد كنزا، وعلى القارئ أن يقوم باكتساب هذا الكنز بواسطة التأويل. وهي مهمة صعبة، خصوصا وأن "العلامة" هي أكثر روايات حميش لا شخصية، يضاف إليها طبعا رائعته "مجنون الحكم" التي هي عالم من التفاصيل الغيرية. فيما تقف "سماسرة السراب" ومحن "الفتى زين شامة" في مصاف أعمال حميش الذاتية، حيث نجد تفاصيل بيوغرافية ومواد نفسية تحيل على الكاتب. لكن الكاتب، كل كاتب، عندما يتعب من نفسه ومن قضاياها الحميمة والمجروحة، يخوض تجربة الآخرين. هذا إذا صح أن نفصل بين ذاتنا وذوات الآخرين.
تشبه رواية "العلامة" عمارة من ثلاثة طوابق. لكل طابق شخصياته وحياته الخاصة وإيقاعه المختلف. والصوت الثابت في هذه الطوابق الثلاثة هو صوت عبد الرحمان (ابن خلدون) الذي نسمعه كما نسمع دقات جرس مكسور أو قلب ممزق. باستثناء أنشودة الحب في فصل "بين الوقوع في الحب والحصول في ظل الحكم". وهو فصل يعشق فيه عبد الرحمان أم البنين ويرتبط بها ويتزوجها في غمرة حب مضفور من قبلات وبراكين حسب تعبير شعري لبابلو نيرودا .
إن رواية الحقائق القديمة" العلامة" تتمحور حول عالم العمران الشهير عبد الرحمان بن خلدون، من زاوية شكوكة واستراباته، فرحه وكربه، صراعاته وعلاقاته الثقافية والسياسية والدبلوماسية. تصوره في ضعفه وقوته، لتخلص في الأخير إلى أنه إنسان جدير بأن تشرق عليه الشمس، حسب تعبير أحد أقطاب النزعة الإنسانية. وهذه التحولات التي ترسمها الراوية عبر مسار الذات، وإبراز الطبيعة المتشظية لهذه الذات لدليل على أن الذات الإنسانية كانت وستبقى إلى الأبد منقسمة على ذاتها. ضعيفة وخائفة أمام سؤال الموت الذي تواجهه بقوة وعناد،ويستبد ها ويشلها بحدة استثنائية، ويقتلها بلا قتال. كما جاء في شعر المتنبي.
من بين استنادات رواية" العلامة " نجد السيرة الذاتية لابن خلدون"التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا". وهو الكتاب التي يعتبر آخر نتاج ابن خلدون، الذي لم يفرغ في تأليفه إلا قبيل وفاته بشهور معدودة، أي في غضون سنة 808 هجرية الموافق ل 1401 م. وكان عمره عندئذ يناهز ستا وسبعين سنة. مما يعني أن" التعريف" هو بمثابة بوح ختامي وضع فيه عالم العمران، العقل العظيم، ترجمة نص حياته منذ سلالة جد آل خلدون الأول باشبيلية حتى عبد الرحمان كما رسمته السيرة الذاتية، ثم رواية" العلامة" التي قامت بتقديم عالم متخيل لم يستند على كل تفاصيل كتاب"التعريف" تجنبا لكتابة الرواية التاريخية. فحميش قام بمهارة باستثمار بعض التفاصيل فقط من حياة" واقعية"، مكتوبة، وانطلق في تخييل روائي ينزاح كليا عن الكتابة الحقائقية كما جاءت في" التعريف". واللحظة التي انطلق منها حميش هي اللحظة الدرامية التي كان فيها ابن خلدون ينتظر وصول أسرته من تونس، بعد قبول السلطات أبي العباسي الحفصي شفاعة السلطان المملوكي برقوق في ذلك. وكان ابن خلدون يشغل منصب قاضي قضاة المالكية. إلا أن أسرته فنيت في غرق السفينة المبحرة نحو مرفأ الإسكندرية. وأمام فظاعة وقوة الحادث المأساوي لم يقل ابن خلدون سوى كلمات مقتضبة: "فكثر الشغب علي من كل جانب، وأظلم الجو بيني وبين أهل الدولة، ووافق ذلك مصابي بالأهل والولد، وصلوا من المغرب في السفين، فأصابها قاصف من الريح فغرقت، فذهب الموجود والسكن والمولود، فعظم الجزع ورجح الزهد" ("التعريف بابن خلدون" ص : 255، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة. تحقيق محمد بن تاويت الطنجي، 1951). هذه هي اللحظة الدرامية الكبرى التي انطلقت منها الرواية، فشكلت مفصلا من مفاصلها الكثيرة. فانطلق حميش يصور ما يفعله الموت في الإنسان. لكنها ستجد في الرواية أشياء أخرى أسوء منه. فابن خلدون خبر الموت من خلال وقائع مأساوية كانت لها في مجرى حياة الرجل آثارا عميقة. ففي 748ه/1348م، وهو في الخامسة عشرة من عمره، فقد الفتى أباه وأمه وبعض مشيخته التونسيين بفعل الطاعون الأعظم لمنتصف القرن.
وفي سنة 776ه/1375م مات ذو الوزارتين، لسان الدين بن الخطيب، مغتالا في زنزانة سجنه على يد عملاء أمير غرناطة محمد الخامس، وذلك بعد أن سلمه إلى هذا الأخير السلطان المريني أبو العباس، مقايضا به تأييده على العرش. ومعلوم أن الصداقة التي كانت تربط ابن خلدون بابن الخطيب، بالرغم من غيوم المنافسة السياسية، كانت قائمة على الاحترام والتقدير المتبادلين.
ولم تمض ثلاث سنوات حتى اغتيل أخ ابن خلدون الأكبر "يحيى" بإيعاز من أبي تاشفين ابن أبي حمو الزياني، أمير تلمسان العبد الوادي.
الموت إذن أصبح طقسا اعتياديا في حياة ابن خلدون. لكن الأشياء الأخرى الأسوأ منه، والمؤثرة أكثر منه، والمتبقية والأعمق منه هي بالضبط ما كتبها حميش في "العلامة" بين عبد الرحمان في "العلامة" التي يجب أن تقرأ اعتمادا على منهج مقارن بين "التعريف" وبين "العلامة" بين عبد الرحمان ابن خلدون في سيرة العالم المشار إليها، وبين عبد الرحمان في "العلامة". فالحضور النصي، والمناخ التخييلي، والحساسية اللغوية بين النصين شاسعة ومتباينة. إننا في "التعريف" بازاء كتابة حقائقية، كما هو الشأن بالنسبة للكتابة في الأدب الشخصي. وفي "العلامة" نكون أمام بناء روائي ونسق تخييلي من وضع كاتب يعيش بيننا هو "حميش" المؤول لحياة ابن خلدون، الخالق لطبقة نصية إلى جانب الطبقات النصية في "التعريف". فابن خلدون لم يتزوج في سيرته، لكن ذهن حميش اليقظ فتش جيدا في تلافيف السيرة الذاتية وقبض على مؤشرات دقيقة تستبعد عزوف ابن خلدون المالكي عن التأهل بعد وفاة زوجته. فزوجه من أم البنين في "العلامة"، أرملة كاتبة "الحيحي"، المخلص الذي كان يفتح شيئين أمام العلامة : قلبه وأوراقه في فصل ليالي الإملاء السبع.
إن قراءة "العلامة" ينبغي أن تتم في مرحلة أولى، في رحلة الذهاب والإياب بين "التعريف". بين نص كتب في القرن الرابع عشر الميلادي، على صيغة بوح ختامي، في نهاية مسار عالم. وبالتالي فكتابة السيرة الذاتية تحتل مكانة مغايرة داخل فضاء الـتأليف عند ابن خلدون العالم والقاضي. وبين نص كتب في نهاية القرن العشرين من طرف باحث وكاتب ومؤلف بدأ مساره مفكرا في المجال الفلسفي، فأضاف التأليف الروائي إلى طبقاته الكتابية المتعددة والمتنوعة. بين نص كتب بضمير"أنا"، عندما كانت التعبيرات الذاتية تتعرض للإدانة الاجتماعية والدينية من قبل ثقافة عربية إسلامية. وبين نص كتب في مرحلة ثقافية مدعومة بإيديولوجيات الذات والأنا التي ملأت مكان التاريخ الشاغر. بين نص مطوق بمنظور خاص لمفهوم الكاتب الذي كان دوره ينحصر في وظيفة الوسيط بين الثقافة الفقهية وبين جمهرة القراء. وبين رواية ولدت في إطار فهم مغاير لمفهوم الكاتب باعتباره واضع نسق وصانع بنيان وتخييل وحامل مسؤولية هذا الخلق. بين كتابة سير ذاتية بضمير المتكلم وبين كتابة سيرية بضمير الغائب. وإن ما نتلقاه بضمير"أنا" ليس هو ما نتلقاه بضمير"هو".
ومن جهة أخرى يجب تلقي رواية"العلامة" كما نتلقى القصائد الفكرية، وعائلة من النصوص الروائية التي تقدم صورا روحانية وسيرا حياتية لشعراء ومفكرين، مثل رواية الشاعر والناثر الفرنسي البارز جاك لاكارييرJacques lacarrière في روايته" غبار العالم" la poussière du monde التي يصور فيها الشاعر الصوفي التركي" يونس إمري" من القرن الميلادي الثالث عشر الذي يشكل وحده مجرة كاملة في سماء الروحانيات التركية، والشرقية بعامة.
لقد فعل" لاكاريير" مافعله حميش. فهو الآخر قدم سيرة للشاعر التركي بالمعنى المعروف للسيرBiographies . وصنع" بورتريه" روائي له، منطلق من مجموعة من قصائده ومن معطيات حياته ليبتكر فضاء روحانيا لتركيا الأناضولية. وهي أهداف وصيغ تجمع بين حميش ولاكاريير وأمين معلوف في جل أعماله. خصوصا في " ليون الإفريقي" وسمرقند" المصاغة من خيوط حياة شاعر الفارسية العظيم" عمر الخيام".
إن" العلامة" سفر بلا انقطاع في حياة ابن خلدون، وفي بياضات سيرته" التعريف" التي يطلق عليها حميش" سيرة ذاتية" تجاوزا. وإنها رحلة نشم فيها رائحة الشساعة، وعبقرية التخييل المصاغ في أسلوبية لها من عراقة اللفظ مالها من حداثة الزواج بين الكلمات.
إن عمارة"العلامة" المكونة من ثلاثة طوابق، بالعناوين الآتية: 1) الإملاء في الليالي السبع، 2) بين الوقوع في الحب والحصول في ظل الحكم، و3) الرحلة إلى تيمور الأعرج، جائحة القرن. يجب أن تقرأ كنص حواري مع السيرة الذاتية" التعريق"، فيها نقد وتأويل وتخييل وملء بياضات. فادخلوا شقق هذه العمارة آمنين، واحذروا إن المفاتيح تتحول إلى أقفال.
معروف أن" حميش" قام بتأطير عدة أسئلة حول ابن خلدون في أبحاث سابقة. وهو الآن في" العلامة" يقوم برصد لمحطات دالة في سيرته عبر جريان التاريخ. وهو المسار الذي قاده إلى الرزايا والهزات التي واجهها الرجل بكثير من الجلد والثبات. كما أنه يبرز كيف أن ابن خلدون استوعب روح عصره التي أضعته إلى قوانين"التأقلم الوسطى" كما يدعوه حميش. والرواية تبرر سلوكاته المتقلبة وتنكراته. الشيء الذي دفع ابن خلدون إلى بيع خدماته من دون تمييز إلى أمراء وسلاطين العصر، من حفصيين ومرنيين ونصريين. وقد كان ابن خلدون يستفيد من التناقضات والخصومات. كما كان بارعا في الانسحاب عندما تبلغ الأمور درجة من الخطر. لقد كان ابن خلدون يمارس السياسة كشر لا بد منه على أرض الغرب الإسلامي. لكن وهو في مصر المماليك التي كانت بعيدة عن جحيم العصائب والقبائل المسلحة، أصبح ابن خلدون في غنى عن انتحال عقلية القلب والتلون. فظهر ميالا إلى الاستقامة وهو يمارس القضاء المالكي. فكثرت عليه الدسائس، لدرجة أنه عزل عن القضاء ست مرات.
خلاصة: الرواية إما أن تكون"العلامة" أو لا تكون.
كاتب المقال شاعر وناقد/ عضو باتحاد كتاب المغرب،




التعليقات