عن quot;البصر والبصيرةquot; لريم هلال


المبدأ التحادثي
لم نكتب عن السيرة الذاتية حينما يكون بمقدورنا، في الوقت، أن نكتب سيرتنا الذاتية بأنفسنا؟ لأن أفضل طريق للوصول إلى أعماق السريرة الذاتية هو الكتابة عنها. مثلما يؤمن مترجم الشعر، الذي بإمكانه كتابة القصيدة، أن أفضل طريق للوصول إلى أعماق القصيدة هو ترجمتها. إن النقد هو أفضل طريقة للقراءة. كما أن النقد ، ونقد السيرة الذاتية خصوصا، مثلما الترجمة هو مغامرة لا مهنة، تنسج بين الباحث و بين كتاب السيرة الذاتية علاقة حميمية. بل إنك تبدو أحيانا وكأنك محلل هذا الكاتب، ذلك أن العطر الدلالي في السيرة الذاتية يحتاج إلى إعادة خلق. و هذا العطر الدلالي يحتاج إلى عمليات خلق مضاعفة حين يتعلق الأمر بسيرة ذاتية خطتها يد امرأة. إن نقد السيرة الذاية مغامرة لأنك ستبحث عن القانون الجوهري لهذا النوع من الخطاب، و عن كل ما يضمن شرعيته. فالمتكلم في النص السير ذاتي ملتصق بقوله. بل إن هذا الالتصاق مسألة مطلوبة. إضافة إلى أن التناول اللغوي للأحداث يوفر خلقا جديدا لحقيقتها. ولعل ذلك من بين انعكاسات خطاب يقدم نفسه على أنه حقيقي من أجل استضافة جيدة للقارئ .
هذه هي حقيقة هذا النوع من الخطاب، فثمة تركيز على نظام من المقابلة نشعر به داخل النص. نوع من quot;المبادئ التحادثية conversationnelles الضرورية لحدوث تقابل جيدquot;1.

تحادث العالم و تصارعه
ليست السيرة الذاتية معفاة من تقديم الصراع بين الquot;أناquot; والعالم المحيط، هذا المرتع الكلي للأوهام. وهي تقدم هذا الصراع بهم تعليمي، مما يجعلها quot; تنتمي إلى البلاغة القديمةquot; 2 .و القارئ مدعو إلى التمييز بين ال quot;أناquot; و العالم المختلفان، فيبدأ في التفكير في شرطه الخاص كإنسان3 . هذه هي القوة البلاغية التي يجب الانتباه إليها في سيرة quot; البصر و البصيرةquot; 4 لريم هلال، التي تحاول منذ الصفحات الأولى، بناء خطاب ذاتي مرتبط بالقارئ. و إبعاد الصورة اللهوية عن ذلك الخطاب و هي صورة تكون ملتصقة عادة بنصوص التخييل أكثر من نصوص الكتابة الذاتية.
تلتف quot;البصر و البصيرةquot; لولبيا حول واقع ريم المستعاد. أليست الكتابة هي موهبة الإلتفاف اللولبي حول الواقع. يجب على الإنسان أن يلف نفسه كاللولب حول شيء ما. لكن يجب انتظار ما يحدث حين يكون الإنسان لا يعرف الواقع 5، أو يجد نفسه أصغر منه حجما و قوة. ومن هنا نجد أن quot; البصر و البصيرةquot; تسعى إلى إقامة تصالح بين الأضداد. لتثبت في الأخير أنه تصالح مستحيل. فهذا التصالح لم يكن ممكنا بين الكفيفة و المبصرين .
يستمد النص عنوانه من حوار بين الكاتبة ووالدها حول فتاة نبهت صديقتها بصوت مسموع: quot;أنظري إلى هذه التي لا ترىquot;. ا لتفت الوالد إلى quot;ريمquot; وسألها بامتعاض واضحquot; لو خيرت أنت ما بين بصر هذه و بصيرتك أنت فأيهما تؤثرين؟quot; فأجابت ريم: البصيرة يا والدي، البصيرة 6 . وهي القيمة التي أكدت عليها الكاتبة بجملة أخرى :quot; لا ترى بعينها إلا قليلا، لكنها ترى بعقلها كل شيءquot; 7 وقد أتت هذه الواقعة خاتمة للكتاب. وهي واقعة محورية في بنيةquot; البصر و البصيرةquot; من حيث الحدث الداخلي الذي يؤكد أن هذه القيمة النصية المحورية الختامية هي امتداد للنص بمجمله، بعد أن تناول العديد من أنواع التفاعل و الصراع بين بصر الآخرين و بصيرة الكاتبة.
عندما ولجت ريم هلال عالم الجامعة و تفوقت فيه ثم تخرجت من قسم اللغة العربية، أصدرت وزارة التعليم قرارا بتعيينها معيدة ثم تراجعت عن هذا القرار متعللة بكونها كفيفة. وقد خلف التراجع عن هذا القرار استياء كبيرا في الوسط الثقافي و العلمي بسوريا. خصوصا و أن مسألة تعيين الشخص الكفيف في التدريس الجامعي مسألة تجاوزتها غالبية الجامعات العربية، وليس عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين الوحيد الذي وصل إلى أهدافه رغما آفته، بل إن هناك الكثيرين على سبيل المثال: د. عبد الحميد يونس أستاذ الأدب الشعبي في جامعة القاهرة كان رئيسا بقسم اللغة العربية. الدكتورquot; صلاح مخيمرquot; عميد كلية التربية وعلم النفس في جامعة عين شمس. د. مصطفى الجويني رئيس قسم اللغة العربية في كلية البنات بجامعة عين شمس. هذا إضافة على أن القانون السوري رقم 144 لسنة 1958 في مادتيه 16 و 17، وكذلك قرار وزير الشؤون الغجتماعية و العمل رقم 787 بتاريخ في مادتيه الثانية و السابعة عشر يحددان الوظائف التي يمكن للمكفوفين ممارستها، و من ذلك quot; وظيفة إلقاء المحاضرات العلمية و الثقافية في المؤسسات التربوية و في المعاهد و الجامعاتquot;.
وقد جاء التركيز على هذه المحنة و كأن quot; الساردة أرادت نقل بعض الحقائق الذهنية و الواقعية التي استخلصتها من تجربتهاquot; 8 و من ضمن هذه القوانين و المبادئ الذهنية و السياسية التي تتحكم في المجنمع. ومن هنا تعقد السيرة الذاتية ميثاقا تواصليا مع قارئها الذي ينبغي أن يبحث عن تعهد قول الحقيقة في تلا فيف السرد، و من ثم يبدي تعاطفه الضروري في عملية التواصل9.
وريم هلال تعي كامل مسؤوليتها الأدبية لأنها تتوجه بتجربتها، ضمن ميثاق، إلى قراء يقبلون ويتفهمون القواعد التي تحكم عملها الأدبي 10. وهذا مايسميه فلاسفة الوجود بـquot;القصديةquot; التي تبعد السيرة الذاتية من دائرة العزلة، بخلاف اليوميات الخاصة والمذكرات، أي قصدية الكاتبة في التوجه إلى الآخر و سرد تجربتها له. غير أنه لا بد من الإشارة إلى أن التعاقد مع القارئ / الآخر من أجل قول الحقيقة مسألة نسبية مادام كل واحد يحكي قصته كما يريد أن يرى نفسه هو11.

الهم العلمي:
يغلب على quot; البصر و البصيرةquot; الهم العلمي، وكأن ريم هلال تحقق ذاتها، وتقوم برحلتها من أجل بناء الشخصية الذاتية، بواسطة التزامها بالتحصيل العلمي. وهذا البعد هو الذي خلص الشخصية في صراعها من النزعة الفردية و ما تعنيه هذه النزعة من معاني العزلة و الانطواء، ثم الذهاب نحو الجماعة العلمية باعتبارها كيانا إيجابيا يخرج الفرد من حدود أناه، وقد كانت الشخصية الرئيسية تخرج من العزلة دون أن تتأثر خصائص فرديتها : فلقاؤها بالجماعة لم يكن يتسبب في ضياع ذاتها. وهذا الكيان الفردي و الجمعي في نفس الآن تطلب بصيرة عليا. لكن قدر الذات الكفيفة هو الاغتراب quot; وبقيت جسدا واحدا لا يحييه سوى الألم و الاغترابquot; 12 ثم الوحدة.
quot; ومما كان يزيد من شعوري بالوحدة و يضاعف من حجمه هو أنني كنت بين فترة و أخرى أفقد حقيبتي، ثم ألقاها بعد يوم أو أكثر دون أن أدرك كيفية حدوث ذلكquot; 13 ثم quot; لقد عدت إلى وحدتي المخزنة، لأن أقراني ظلوا يقصرون علاقتهم معي على التجاور المكاني دون أن يخطر ببال أي أحد منهم أي توجه إلي يشعرني بوجوديquot;14.
يعتبر موضوع التربية و التعليم من الموضوعات التراثية الموجودة في الأعمال الحديثة 15. نجد الدكتور شوقي ضيف ، الناقد الضليع في الأدب العربي القديم، قد كتب سيرته الذاتية quot;معيquot; لتسجيل عملية تربيته و تعليمه. حيث يسرد مسار حياته و تطوره من الدراسة في القرية انتهاء بالحصول على الدكتوراه. أما حياته الشخصية فتظل مقنعة. وهذه ملاحظة تسحب عل quot; البصر و البصيرةquot; التي تبدأ بالميلاد عام 1960 إلى الحصول على الدكتوراه. فريم هلال تصف المدرسة التي تعلمت فيها و التلاميذ، الأصدقاء منهم و الأعداء، والمعلمين بصفاتهم الشخصية و مظاهرهم و مزاياهم و ما إلى ذلك من العناصر الموضوعية. كل ذلك من أجل التأريخ التربوي و الدفاعي في نفس الآن، وتعظيم الذات الناجحة رغم عقباتها و مثبطاتها الذاتية و الخلقية. لذلك فموضوع quot;تربيتهquot; أو quot;تعليمهquot; هو من الموضوعات النمطية في الخطاب التقليدي quot; إلا أنه في الوقت نفسه تعبير عن الحداثة، لأن التعليم مجال شديد التأثر بعملية التحديثquot;16 .
تنحو ريم هلال منحنى طه حسين في سيرته الذاتية الشهيرة quot; الأيامquot; من أجل تأكيد تفوقها الأدبي و العلمي. فقد أنجزت بحثا بعنوان quot;حركة النقد العربي الحديث حول الشعر الجاهليquot;، وأطروحة دكتوراه حضرتها باجتهاد عن رواية quot;الحرافيشquot; لنجيب محفوظ. وربطتها علاقة صداقة بأدباء من سوريا على رأسهم الشاعر شوقي بغدادي، الذي كتب عنها مقالا في جريدة quot;الثورةquot; تحت عنوان quot;ريم البحرquot;. لقد استخدمت ريم هلال موضوع quot;الثقافةquot; وquot;العلمquot; بنفس الهدف الذي كان يرومه طه حسين، أي quot;كذريعة للهجوم والانتقام واستنكار الجهل الذي تعرض له في حياتهquot; 17 ومن هنا تكون رسالة الكاتب وهو يسجل تجربة التربية و التعليم هي الدفاع و فضح الأوهام و نقد الأساليب التقليدية، وفتح quot;البوابات الذهنيةquot; 18 على التنوير و التوعية السياسية و الإصلاح الإجتماعي.
تقدم quot;البصر والبصيرةquot; المدرسة كشريحة مصغرة من المجتمع الذي ينضح بالظلم و الإجحاف و اللامساواة و القمع. ومن ثم الآثار السلبية لهذا النوع من المدارس على الكاتبة. وهذا quot; موضوع شديد الأهمية، والإستبطان النفسي- من هذا النوع- ملمح غريب على الأسلوب الحديث في الكتابة عن تربية المرء وتعليمه، وهو لا يمت بصلة على الإطلاق للأهداف التاريخية أو الدينية للسيرة الذاتية التقليديةquot; 19، تقول عن المعلمة (ج) التي كانت تدربها على الكتابة و القراءة quot; والتي كنت أخصها بالكثير من المحبة بسبب دماثتها، لكن ما لبث أن تبين لي من خلال ما أعلمتني أمي بعد سنوات أن هذه الدماثة لم تكن تعني شيئا، و لم تشكل سوى صورة ظاهرية لا يمكن خلفها أي جوهر إنسانيquot;20 حيث أن والدة ريم كانت كلما سألت المعلمة المذكورة عن إمكان سيرها في العلم محت من أمامها كل أمل، وأغرقتها في بحر من اليأس المطلق. كما أنها تقف المدرسة كالآتي: quot;انتهت إلي وحدتي المعهودة، فعاد معها الألم و القهر اللذان لم يتقلصا مع الزمن و ألفة المشكلة...quot; 21 .
لكن ذلك لا يمنع الطفلة ريم من تقديم المدرسة بشكل إيجابي، من منظور حقها في التعليم و تفوقها فيه. وهذا يعود بنا إلى طه حسين في quot;الأيامquot;. فهذا النص يحتفي بالطفل الموهوب. ويعود بنا إلى سيرة ذاتية أخرى لعائشة عبد الرحمان quot;فوق الجسرquot; التي تتباهى بمعرفتها بالمواد الإسلامية و بذكائها كطفلة أدهشت الجميع بقدرتها على الحفظ وسرعة التعلم. من هنا فمغزى quot;البصر و البصيرةquot; هو أن مصير الإنسان لا يقرره وضعه الصحي، وشرطه وموروثه الإجتماعي، بل هو حر لكي يصنع مساره الخاص، و يصبح ما يريد. وينضاف هذا الإصرار الحر، الرؤية التي تميز الإنسان الحديث للعالم، و التي هي من أهم دوافع كتابة السيرة الذاتية. quot; فلكي ينتج الكاتب سيرة ذاتية لا بد له من أن يصدق أن المجتمع يتغير بمرور الوقت، وأن ذلك التغير و يؤثر على حياة الفردquot;22.

الإفادة من quot;أيامquot; طه حسين
أفادت سيرة هنري أدامز الذاتية quot; تربية هنري أدامزquot; كثيرا سلامة موسى في كتابة سيرته الذاتية quot; تربية سلامةquot; التي بدورها أفادت الشاعر عبد القادر الجنابي في quot; تربية عبد القادر الجنابيquot;. و أفادت quot; اعترافات القديس أوغسطينquot; كثيرا جان جاك روسو في كتابة quot; الاعترافات: التي أفادت هي الأخرى الشاعر المصري عبد الرحمن شكري في كتابة سيرته الذاتية quot;كتاب الاعترافاتquot;.
أما ريم هلال فقد أفادت كثيرا من quot;أيامquot; طه حسين. ورغم أن عميد الأدب العربي لم يقدم أية إشارة في quot;الأيامquot; لا quot;اعترافاتquot; روسو التي ألهمته، فإن صاحبة quot; البصر و البصيرةquot; تشير في نصها إلى طه حسين باعتباره شبيها لها في الإعاقة و الحياة و الأدب.
هناك نصوص سير ذاتية عربية كثيرة كتبها أصحابها متأثرين بكتاب أجانب إما لكونهم عاشوا فترات طويلة في أوروبا و أمريكا، أو كانت لهم صلات بالأوساط الغربية في بلدانهم. و قائمة هذه الأسماء طويلة: طه حسين، ابراهيم عبد القادر المازني، عبد المجيد بن جلون، توفيق الحكيم، أنيس فريحة، ميخائيل نعيمة، محمد شكري، حنا مينه، جبرا إبراهيم جبرا، فدوى طوقان، ليلى أبو زيد. ف quot;الخبز الحافيquot; كان حافزها هو بول بولز، وquot;رجوع إلى الطفولةquot; كتبت استجابة لطلب البروفيسور quot; إليزابيت فينيزياquot; ، أستاذ الأدب الإنجليزي و دراسات الشرق الأوسط في جامعة تيكساس ndash; أوستن، ليتم نشرها بالإنجليزية ضمن أنطولوجيا عن طفولة بعض الكتاب العرب 22.
لقد استلهمت quot;البصر و البصيرةquot; تجربة طه حسين في الحياة والأدب. والنص يشير إلى ذلك في الصفحات (219-215-179-176-171-165-86). والكاتبة لم تشر إلى أي تأثر من أي نوع، بالسرديات الذاتية الأوروبية. بل الكتاب المرجعي هو quot; الأيامquot; والشخص المنارة هو طه حسين.

تشظي الزمن:
لا تشير quot; البصر و البصيرةquot; كثيرا إلى السنوات و التواريخ الكافية لتحديد تسلسلها الزمني . غير أن بداية القصة تجيء كما يلي: quot; في التاسع عشر من نسيان عان ستين و تسعمائة و ألف كان المساء قد غطى تماما مدينة اللاديقية حين قدمت مولودة أولى إلى والديquot; 24. ويتحدد زمن الاستمرار الدقيق للقصة حين تنتهي بقصيدة كتبها صديق والد الكاتبة الشاعرquot; جميل حسنquot; سنة 1998 باللاديقية ، مكان الولادة. و ذلك يبعدنا عن تخمين معين لتسلسل زمني تقريبي. و من المفروض أن السيرة الذاتية صادقة تاريخيا 25 الشيء الذي يعفي قارئها المرتاب من الإعتماد على الدلائل الخارجية مثل سيرة حياة المؤلف.
والنص بذلك يشكل استثناء ضمن السيرة الذاتية النسائية، حيث أن أسلوب المرأة القصصي لا يلتزم بالتلاحق الزمني في السرد quot; الذي ينقل أبعاد صورتها لذاتها وتجزؤها. بينما تتسم كتابات الرجل بالثقة و السرد الذي يعتمد على تلاحق زمني و يقدم خطا مستقيما لتطور الحياة. وفي هذا الإطار تعقد الباحثة quot;إستل جيلينكquot;مقارنة بين مضمون تجربة كتاب و كاتبات السيرة الذاتية التي تتلخص في تركيز الكتاب على البعد العام لتجربتهم (حياتهم المهنية وعلاقتهم بالمجتمع) في نصوص تعتمد على السرد الزمني، وتتناول الكاتبات البعد الخاص في أسلوب قصصي يلجأ إلى التشظيquot; 26 الشيء الذي يقربها من الوحدة الروائية.

انعدام الوعي بالهوية الجنوسية:
للسيرة الذاتية في صيغتها المؤنثة وعي خاص بالهوية الجنوسية. فكثيرا ما تظهر النساء في سيرتهن مهتمات بدرجة جمالهن، سيمون دوبوفرار في quot;قوة الأشياءquot;، مارغريت دوراس في quot;العشيقquot; lrsquo;amant ، ليلى هواري في quot; زيدة التي لا مكان لهاquot; Zeida de nulle part، آمنة بلحاج يحيى في quot; يوميات حدوديةquot; chronique frontaliegrave;re، و نفس الشيء عند آسيا جبار. وهذا الهوس بالجسد هو حسب تعبير jean seacute;jeux هو اعتراف النساء بأجسادهن. ويضاف إلى هذا الهوس تناول الكتابة لمغامرات هذا الجسد، الذي يعاد اكتشافه بعد كل مغامرة و هو اكتشاف للاختلاف الذي يمكنهن من تحرير quot; عبارة تسوية عن الجسد الأنثوي الذي مجده طويلا وعرفه أو جهله الخطاب المقتصر على الرجلquot; 27 . و لكن الكاتبات quot; لا يقصرن حياتهن على مصيرهن البيولوجي فقط، فمقابلة الرجل الموعود تعد شيئا هاما في حياتهنquot; 28. وهذه المقابلة الموعودة لم تتحدث عنها quot;البصر و البصيرةquot; إلا في الصفحة 236 التي تؤكد أن ريم هلال امرأة من الشرق حسنة السلوك.
-1 السيرة الذاتية و القارئ المرتاب
جعلت quot; البصر و البصيرةquot; من حياة ريم هلال شيئا عموميا يستند إلى عرض ما ليس قابلا لان يبقى سرا : الإعاقة. و هذه ربما هي إحدى الحقائق التي أنتجتها ، نقيض السر، وإفشاء السر عملية غير ممكنة إلا في حضور القارئ الذي يعطي للسر و الاعتراف الدلالة، عن طريق الشك و الارتياب أو الاقتناع و الإنجداب . وهنا نلاحظ أن نبرة الكاتبة تختلف باختلاف الهدف الذي يبحث عنه . وبذلك يبدا في تأسيس علاقة مع الآخر/القارئ الذي ينتظر حقيقة مرجعية، فتبدأ عملية الانتقال من الأدب التخيلي إلى السيري المرجعي. ولا تختلف ريم هلال في هذا الشأن عن الكتاب الذين أصبحوا روادا في قول الحقيقة وبإعطاء الخطاب قاعدة لجعله ممكنا: quot;أيها القارئ، هنا ستجد كتابا صادقاquot;، ورغم أن هذه المبادئ أصبحت شاذة أدبيا، إلا أنها تشكل العمود الفقري لكل سيرة ذاتية، وربما ذلك راجع في كون quot; الكاتب يشعر بالحاجة إلى إعطاء حقيقة يساهم العالم الاجتماعي في إفسادها (توماس كليرك ndash; quot;الكتابات الذاتية، المفهوم، التاريخ، الوظائف، والأشكال، ترجمة : محمود عبد الغني، ص: 47 دار أزمنة- الأردن 2005).
إن للصدق الذي يرومه الكاتب، قانون أساسي لتحقيق المبادئ التحادثية conversationnelles من أجل حدوث تقابل جيد بين ا لقارئ و الكاتب. سيكون لذلك أثر قوي على الخطاب و على عملية تلقيه، إذ أن المتلقي سيشعر أنه معني بنص لا يخدعه، بل يعلن عن صفاء المقاصد من طرف السارد الذي يعتبر قول الحقيقة من بين شروط تحقق خطابه. quot; عندما يبدو السرد و كأنه يخرق ضرورة الصدق هذه فإن السارد يرسل إشارات لتنبيه القارئquot; (نفسه.ص.46).
تقف الكاتبة مرتابة مثل قارئها المرتاب، كأنها تريد فضح أوهام العالم الكلي. والقارئ مدعو إلى فهم هذه الوظيفة التي تريد أن تؤديها الquot;أناquot; بعيدا عن آليات و أدوات ووظائف التخييل. لكن يجب الاعتراف أن تعقيدات العالم الحديث لا تدوب بمجرد وضع كتاب صريح عنها.

تسرد الكاتبة أقدار الكفيف . كاشفة عن انحياز الحياة إلى غيرها من البشر . فالعمى المنتصر هو الذي أعاد صياغة شخصيتها، لقد أملى عليها دورة جديدة. الشيء الذي جعل النص مسيجا بأزمنة التذكر الجريحة. و التذكر شأن من شؤون البصيرة لا من شؤون البصر.
يبني العمى سؤال الهوية الغامض. على الأعمى أن يسأل عن مآله، وأن ينظر بالبصيرة لا بالبصر إلى الحياة القادمة التي تنتظره. أما الدروب و الأمكنة التي تنتظره فلا يراها بل يتحسسها بفضل quot; قوى العمىquot;. الأعمى لا ينتقل من مكان إلى مكان، بل من شكل معين للمعرفة إلى شكل مغاير و هذا نوع من التصور السحري للعالم.
إن عمى الكاتبة هو الذي بدأ رحلة تحولات هويتها في أصعب الأوقات. هو الذي كتب نصا من صميم quot; أدب المضطهدينquot;. غير أنه يقع في خانة النصوص الذاتية التي تخادع قارئها. وقد تكون هذه الخدعة هي أفضل طريق حتى لا تصبح السيرة الذاتية quot; مجرد ركام بئيس من الأسرارquot;.


* هوامش:
Thomas Clerc. Les eacute;critures de soi _p.49 _ 1
Ibid.p.502
Ibid .p.503
4ريم هلال، البصر و البصيرة، دار الآداب، بيروت، 2002
-5ألفريدة يلينك : quot;محاضرة نوبلquot; : مجلة الكرمل، العدد 82، ---2005،ص.2004.
-6البصر و البيرة، ص. 240.
-7نفسه، ص.178
Jacques Lecarme et Eliane Lecarne-Tabane, Lrsquo;Autobiograpfie, Armand colin/Masson, Paris,1997n p.838-
Elisqbeth Bruss, laquo; Lrsquo;autobiographie, comme acte liteacute;raire raquo;, rev, Poetique, Ndeg;17, 1974, P.14.9-
Lrsquo;autobiographi, Ibid, p.69.10-
Ibid, P.8911-
-12البصر و البصيرة، ص.29
-13نفسه، ص.32
-14نفسه، ص39
-15تيتز رووكي، في طفولتي، دراسة في السيرة الذاتية العربية، ترجمة طلعب الشايب، مراجعة و تقديم : رمضان بسطاويسي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة،2002،ص.161
-16نفسه، ص.162
-17يحيى عبد الدايم، السيرة الذاتية في الادب العربي، ص.35
-18تعبير لquot;آرثر بيرجرquot;
-19في طفولتي،م.س.ص.163
-20البصر و البصيرة، م.س. ص.34
-21نفسه،ص. 49
-22في طفولتي، م.س. ص.176
-23نفسه، ص.181
-24البصر و البصيرة، م.س،ص5.
-25في طفولتي، ص.195
-26تحية عبد الناصر،quot;السيرة الذاتية الإفريقية : إسهام المرأةquot; مجلة quot; ألفquot; العدد الثاني و العشرون،2002، ص.59
Lecarme, OP.cit, p.9727-
-28 غراء مهنا، quot; السيرة الذاتية في صيغة المؤنثquot;، ألف، م.س.ص.49