بيروت: القصص القصيرة العشر التي حملت عنوان quot;أسماء مستعارةquot; والتي تشكل بعض بدايات الكاتب الكبير عبد الرحمن منيف تعكس في ما تعكسه رومانسية من أبرز سماتها حزن وأسى وثورة بسبب الغربة القسرية وتبدد الآمال بالتغيير كما تعكس سخرية ساحقة تنصب على أوضاع عربية يصورها بما هو أقرب الى الكاريكاتير المضحك المبكي. وهو فضلا عن تركيزه على مشكلات وحالات اجتماعية يطل بأشد ما في كلماته من نفاذ عندما يصور حالات الاحباط والتشرد التي تصيب الحالمين والساعين الى التغيير في بلدان عربية تدفع الى اليأس وفي هذا العالم الذي يبدو له مجنونا ويثير الجنون.
بعض قصصه يعكس أحداثا وأوضاعا ومشاعر طبعت حقبة من العصر الذي كتبت فيه وهي تنقلنا مباشرة حينا وبقرار منه قائم على إعجاب وتقدير الى عوالم كتاب مثل نيكوس كازانتزاكيس في quot;زورباquot; أو بما نعتبره نحن التقاء ابن صدفة بآخرين.. مثلا كأجواء الغربة والاغتراب اليونانيين المكملين لأجواء زوربا كما يصورهما أمل دنقل.. أو الغربة وجنون العالم ونفاقه كما نقرأ عند شعراء منهم بلند الحيدري مثلا. انها ردود فعل متقاربة ومواقف متبناة حينا والتقاء افكار ومشاعر إزاء أوضاع عاشها أدباء وشعراء في حقبة معينة من الزمن. بالاضافة الى ذلك كله برزت في القصص تلك القدرة السردية المميزة التي حلقت لاحقا بعيدا عند الكاتب الراحل وان كانت في فترة البدايات هذه مغلفة بل مسكوبة بطابع شعري شديد الايحاء والتأثير.
السيدة سعاد منيف زوجة الراحل الكبير قدمت هذه القصص القصيرة فقالت في كلمات حملها الغلاف quot;كتبت هذه القصص بين عامي 1969 - 1970 والتي كانت مرحلة تجريبية في حياة الكاتب عبد الرحمن منيف وامتحان اولي لممارسة الكتابة حتى ان معظمها كتب قبل اي عمل روائي في وقت كان مغرما بقراءة القصة القصيرة... أجّل نشرها مرارا للعودة اليها لتكون بشكل يرضى عنه أكثر لكن لم يجر عليها أي تعديلات أساسية لقناعته انه اذا بدأ فستتغير نهائيا ولحرصه ان تترك كما جاءت في الكتابة الاولى وضمن ظروفها. لقد قسم القصص الى مجموعتين ورتب تسلسل القصص في كل مجموعة ووضع عنوانا للمجموعة الاولى quot;أسماء مستعارةquot; وquot;الباب المفتوحquot; للمجموعة الثانية. والذي لم يتحقق هو نيته بأن يحضّر مقدمة مناسبة لتلك المجموعات بعد تصحيحات بسيطة وان لم تكتمل هذه الرغبة.quot;
وقد صدر الكتاب عن quot;المؤسسة العربية للدراسات والنشرquot; وquot;المركز الثقافي العربيquot; وجاء في 157 صفحة متوسطة القطع. التصميم والرسوم لمروان قصاب حسن.
القصة الاولى حملت عنوانا هو نفسه الذي اعطي للمجموعة ككل. تجري الاحداث في هوسكوفو البلغارية. تبدأ بتلك البراعة في الوصف التي عرف بها منيف والتي تجسدت لاحقا في رسمه عالما كاملا بحياته الاجتماعية بكل شعابها وكأنه ينسج سجادة واسعة بمنمنماتها الكثيرة. يصف بداية حركة الحياة في زحمة الشارع فيقول quot;كانوا رجالا ونساء كبارا وصغارا خطواتهم بطيئة والجو يمتليء بذلك الدوي المخنوق الذي يتولد عندما يتكلم الناس ويضحكون ويسبرون في وقت واحد فانك تسمع الأصوات ولكن لا تميز فيها انفرادها او استقلاليتها ولا تستطيع ان تنفصل عنها لتراقبها بل سرعان ما تصبح جزءا منها.quot;
في المطعم سرعان ما ينشأ نوع من الصداقة مع نادل تبين لاحقا انه ثائر يوناني سابق من الذين هربوا من بلدهم اثناء الصراع مع الحكم العسكري وبعد عشرين سنة لا يزال هو وعدد من رفقائه يحلمون بالعودة. اطلق عليه الراوي اسم quot;زورباquot; لانه ذكره به في انصرافه الى المتعة المتجسدة في الخمر والمرأة. انه ثائر محبط حزين. كأن غربته وجدت بعض عزاء في هذا الغريب الاخر فدارت الخمر وفاضت الاحزان. اتفقا على حلم عند زوربا وهو ان يزوره صديقه الجديد عندما يعود الى اليونان بعد ان تتحرر. لقاء الغريبين ينتج ما اسماه امرؤ القيس نسبا في قوله quot;وكل غريب للغريب نسيبquot;ويذكرنا بقصيدة امل دنقل quot;مارياquot; تلك اليونانية الاخرى التي التقاها الشاعر الغريب غريبة عن بلدها في بلد ثالث. يقول quot;ماريا يا ساقية المشرب/ الليلة عيد/ لكنّا نخفي جمرات التنهيدquot; وتنتهي القصيدة بأمل الاثنين بان يعود كل منهما الى بلده quot;فانا مثلك كنت صغيرا/ ارفع عيني للشمس كثيرا/ لكني منذ هجرت بلادي/ والاشواق/ ان ارجع يوما للشمس.../ قولي يا ماريا/ العام القادم يبصر كل منا أهله/ كي أرجع طفلا.. وتعودي طفلة...quot; وتمضي نصوص منيف في أجواء ممتعة من السرد الشعري.
ويتغير النمط الشعري هذا في قصة quot;خطاب العرشquot; مثلا ليتحول الى سخرية مباشرة من الحكم والحكام في العالم العربي بشكل خاص. ومن قبيل الاحتياط والخوف من يد السلطات الطويلة ينهي القصة بما يوحي بانها جرت في مستشفى للامراض العصبية.انه سيف ذو حدين يهرب منه الكاتب عن طريق quot;تقيةquot; لا تقي كثيرا الى القول ان الملك الذي يتكلم هو مجنون نزيل ذلك المستشفى. لكن في الامر خبثا فنيا فهذه الصورة كبعض ابيات الشعر العربية quot;تقرأ طردا وعكساquot; فنستطيع ان نفهم منها ان احوال عالمنا العربي وسياساته وسياسيه تجعله أقرب الى مستشفى للامراض العقلية.
في quot;عرق ..ونشرة أخبارquot; ينقلنا الكاتب الى عالم مجنون أيضا وكاذب أيضا. فنتذكر الشاعر العراقي بلند الحيدري في quot;لندن..وتدق بيج بن.. دن دنquot; وكذلك quot;قرص للنومquot; حيث يصور لنا الكلام والافعال المتناقضة فالرئيس الامريكي ريتشارد quot;نيكسون يخطب في المجلس/ وخطاب للبابا بولسquot; والشاعر لا يستطيع النوم بهو محتاج الى قرص للنوم.
نقرأ عند منيف وصفا لتناقضات العالم القتالة. يقول في حوار معبر:
quot;-ويسكي مع الصودا..
-ويسكي مع الثلج فقط
-ويسكي.. بيرة..
-قهوة
-قهوة سكر قليل..
-حبة ليبريوم عيار عشرة.

...والرجال يموتون يموتون وصور الصغار في محافظ جلدية عتيقة في الجيوب وصور الاصدقاء بأوضاع مضحكة وطوابع بريدية وعناوين وأرقام هواتف وأحلام صغيرة في زوايا الذاكرة.quot;

عالم يموت ولا مهرب من أخباره الا بشرب العرق وتناول حبوب المسكنات. (رويترز)