كثيرًا ما يحاول
البعض الإدلاء بدلوه في قراءة الرّاهن العربي متلمّسًا طريقه في هذا الأوقيانوس المتخبّط. أبدأ فأقول: الحقّ يُقال، إنّي لا أستثني نفسي من هؤلاء المنشغلين ليل نهار في هذه القضايا الّتي تؤرّق الكثيرين من ذوي الاهتمامات. لا شكّ أنّ الانشغال بهذه الأمور مردّه إلى هذا التّأريق المزمن الّذي تُسبّبه هذه التّشكيلة المتنوّعة من البشر الّذين ننتمي إليهم والأحوال الّتي ألفَوْا أنفسهم فيها على مرّ الزّمن. ومهما حاول البعض أن يتلفّع بألحفة المؤامرات الّتي تُحاك من بعيد ضدّه ويُلقي بعبء المسؤوليّة على كاهل الآخرين، بدءًا بالاستعمار، مرورًا بالصّهيونيّة وانتهاءً بكلّ ما يخطر على باله من صنوف المؤامرات، إلاّ أنّ الحقيقة المرّة تبقى شاخصة أمام ناظريه في المرآة الّتي ينظر فيها كلّ صباح قبل الشّروع بمكابدة يوم جديد من حياته على هذه الأرض.

أسهلُ ما في الأمر
أن يُنحي المرء باللّائمة على الآخرين، وعلى وجه الخصوص إذا كان هؤلاء الآخرون من صنف الّذين يُنظر إليهم بوصفهم قوى عظمى ومقتدرة، أو ما إلي ذلك من تشبيهات تقترب من الصّفات والأسماء الحسنى. إنّ نفض الأيدي من المسؤوليّة الذّاتيّة هي حال نفسيّة مرضيّة مزمنة لدينا. إنّها، برأيي، أقرب إلى حال الإيمان منها إلى رؤية الواقع كما هو على حقيقته دون رتوش. فمثلما أنّ المؤمن يجنح إلى التّشبّث بقوى غيبيّة عندما يُصاب بالعيّ في تفسير الكون من حوله، فيركن إلى سكينة وطمأنينة تُغنيه عن تشغيل تلك الملكة البشريّة الّتي انوجدت في الرأس باسم العقل. كذا هي حال كلّ هؤلاء الّذين يجنحون إلى إلقاء المسؤوليّة عن سوء أحوالهم على عاتق الآخرين، دون ذواتهم هم. لأنّهم إذ يفعلون ذلك، ودون عناء يُذكر، فهم يتنصّلون من مسؤولياتهم هم عن سوء الحال الّتي وجدوا أنفسهم فيها. هذا هو، وباختصار، التّوصيف المقتضب لحال العرب في هذا الأوان.
وفي الحقيقة، قد يكون
هذا التّوصيف صحيحًا على مرّ الأزمان ومنذ القدم. لكن، ما لنا ولذلك الماضي الآن؟ فنحن نبتغي الخروج من الرّاهن الآسن في هذا الأوان. ومن أجل الخروج من هذا الغابر الّذي يُعشّش في كلّ حركة من حركاتنا الآنيّة لا توجد طريق أخرى سوى طريق فصل الدّين عن الدّولة. لقد فعلت ذلك شعوب أخرى فقطعت أشواطًا من التّقدُّم، وأشواطًا من التّحرُّر من كلّ يشكّل حجر عثرة في طريقها. وفي حالنا نحن العرب، ليس حجر يعترض سبيلنا، بل رجوم من العوائق هي من صنع أيدينا. لا حاجة إلى البحث عن اختراع جديد، فقد اخترعته من قبل تلك الشّعوب الّتي تغذّ الخطى في ركب التّطوُّر والتّقدُّم والانفتاح، وما علينا، نحن العرب، سوى الاستفادة من تجارب تلك الشّعوب. لا يكفي أن نستفيد من علوم تلك الشّعوب ومخترعات علوم تلك الأمم على أهميّة كلّ ذلك. آن الأوان أن نستفيد من هيكليّات المؤسّسات والنّظم الاجتماعيّة الّتي دفعتها قدمًا. ومن أجل ذلك، يجب تغيير الأولويّات لدينا، بمعنى أن نأخذ بأسباب التّقدُّم أوّلاً قبل تبنّي كلّ ما تنتجه علوم تلك الشّعوب. يجب أن نضع نصب أعيننا أوّلا وقبل أيّ شيء آخر، أنّ العلوم لا تتقدّم إلاّ بحبّ الاستطلاع، لا تتقدّم إلاّ بالشكّ. نعم، هذا الشكّ هو المَلَكة -النّعمة- الّتي نفتقدها نحن العرب في حياتنا.
ومن أجل الوصول إلى ذلك،
يجب طرد الدّين من الشّارع وسجنه في المسجد والكنيسة والكنيس وغيرها من أماكن العبادة الّتي تشكّل كواتم عقول منصوبة على رؤوس بني البشر. وعندما أقول طرد الدّين من الشّارع فإنّما أعني إنّه يُسمَح لمن لا يريد أن يشغّل عقله أن يفعل ذلك كيفما ارتأى لنفسه، لكن في الوقت ذاته بشرط أن يُحظَر عليه فرض تصوّراته على كلّ من يرغب في تشغيل عقله خارج سجون العقل المسمّاة أماكن عبادة على اختلاف مشاربها وتيّاراتها.
أيّ أنّنا، ومن أجل الأخذ بأسباب التّطوُّر يجب أن نقلب الآية رأسًا على عقب. علينا أوّلا أن نبدأ من الشكّ الّذي كان دائمًا أيسر وأسلك الطّرق إلى العلم وإلى كشف المحجوب في هذا الكون المضروب من حولنا. وما لم نفعل ذلك، فسنظلّ نهيم على أوجهنا حالّين مُرتحلين بين مضارب العربان في حال من التّصحُّر الذّهني. أليس كذلك؟
فماذا أقول، إذن، لهذه الأمّة الآن؟
نستميح روح نزار قبّاني عذرًا لتحوير كلامه:
إنّي خَيّرْتُك فاختاري
ما بينَ المَوْتِ على جَهْلٍ،
أو فَوْقَ مَراكِبِ بَحَّارِ.
اخْتارِي العَقْلَ أو اللاّعَقْلَ
فَجُبْنٌ ألاّ تَخْتاري.
لا تُوجَدُ مَعْرَكةٌ أُخْرَى
مَا بينَ القِطّةِ وَالفَارِ.
***
والعقلُ وليّ التّوفيق!