اعتدال سلامه من برلين: من الأمراض التي لم تعرف اسبابها حتى اليوم هي عدم النوم ويصيب المرء من دون انذار مسبق او الاصابة بمرض معين. وتبقى هذه الحالة في الكثير من الاحيان سنوات طويلة مما يدفع المريض إلى الانهيار العصبي.

وحسب المعلومات التي جمعها الاطباء الالمان عن عدم النوم او الارق انه حالة لا يمكن تلمسها مسبقا ولا تسبقها عوارض معينة ولا يمكن وضعها تحت المراقبة وتصيب المرء من دون مسببات واضحة. لذا يتحدث علم النفس عن هذه الحالة بانها مستقلة ومازالت البحوث حولها في مراحلها الأولى.

وعدم النوم مثل الحلقة الشيطانية من دون نهاية حيث يصاب المرء به ليال متتالية ويعود ليصيبه مرة اخرى من دون مسببات واضحة، لكنها تكون احيانا مجموعة من العوامل النفسية والجسدية.

ومن الصعب فهمنا للمريض الا اذا اصيبنا بالحالة نفسها، فهو يتقلب في السرير دون ان تغفل عينه ويصارع النعس فلا يتغلب عليه. ويصبح وقت النوم من الساعات المخيفة له لانها تعني له المرارة والعذاب والامل بالنوم ، وينتج عن ذلك كله استيقاظ المصاب في اليوم التالي متعبا منهكا فيتحول الوضع إلى معاناة تفقده اعصابه ومركز عمله في بعض الاحيان.

وينعكس تطور الحالة على العلاقة مع عائلة والاصحاب لان المصاب يعاني في ساعات الارق وعدم النوم من الافكار السلبية والتشكك بالاخرين وتعكير المزاج.

ومن يشكو من عدم التمكن من النوم يشعر دائما بانه الوحيد الذي يتقلب في السرير بينما ينعم الاخرون بالنوم .وهو لا يسمع الا النصائح من زملائه في العمل او حتى افراد عائلته عندما يشكو مثل قولهم quot; عليك المزيد من الاسترخاء او عدم شرب الكثير من القهوة والشاي قبل النومquot;، لذا يفكر أن الاخرين لا يدركون تماما معاناته بالفعل فيلجأ للطبيب الذي لا يعرف في الكثير من الاحيان سبب ارقه المستمر وتكون النتيجة اعطائه مهدئات او عقاقير منومة مثل الفاليوم.

واشارت عدة دراسات طبية أن ما بين ال20 و40 % من المصابين بعدم النوم يتناولون بشكل منتظم منوم، لكن هل هذا ما يتمناه المريض ويرغب به؟ استقراء للراي في المانيا دل ان الاغلبية تلجأ للعقاقير لانها لم تعد تحتمل قلة النوم ولم تسلك منذ البداية الطريق الصحيح لعلاج الحالة ويصاب العديد بالادمان لسهولة الحصول على المنوم.

لكن من يعتقد أنه الوحيد الذي لا ينام يكون مخطأ ، فالكثير من الدراسات الطبية حول عدم النوم اشارت إلى ان كل واحد من ثلاثة من البالغين يواجه مصاعب في النوم أو عدمه مما يسبب له مزاجا معكرا وعدم القدرة على الانتاج في العمل. وإلى جانب وجع الراس الذي يشعر به عادة لحرمانه من النوم فيصاب بالهزول الجسدي وفي بعض الاحيان الانطواء.

وتقول احدى الدراسات الالمانية حتى سن ال40 تشكو المراة مثل ا لرجل من عدم النوم لكن بعد ذلك تميل الكفة إلى المراة وتصبح أكثر شكوى من قلة النوم من الرجل ( 2-3 ). ومن المسببات العامة تراجع نسبة الهرمونات خاصة في فترة سن اليأس ، لكن هناك عوامل اخرى مسببة مثل المشاكل العمل أو ظروفه السيئة أو غير المريحة وسوء التغذية والقلق من المشاكل المالية ايضا قلة الحركة، لكن توجد مسببات عضوية لعدم النوم وتكون بسبب امراض جسدية .

ويقسم الطب في المانيا عدم النوم إلى اربعة انواع : عدم النوم الحاد ويسمى Insomnie ndash; Hyposomnie وأسبابه نفسية عادة بسبب الارهاق الكثير وعدم الراحة أو النوم وحتى التوتر العصبي الشديد. والنوع الثاني ويسمى Hypersomnieوهو عادة نوم متقطع ويستيقظ المصاب به بسبب شخيره لانه يحبس نفسه كما يصحب هذه الحالة تحريك القدمين والسبب التعب والسرير غير المريح وعدم تجديد الهواء في غرفة النوم ودرجة الحرارة فيها ساخنة او باردة والضجيج الخارجي وعدم الحركة أي الجلوس الطويل والنوع الثالث المسمىParasomnie وهو بقاء المريض بين النائم والمستيقظ دون ان يصل إلى النوم المتواصل.

والنوع الأخير بقاء العينين مفتحتين رغم التعب وغياب النوم بشكل قطعي. وتسمى حالة عدم النوم الدائمة تدوم هذه الحالة أربعة أسابيع وحتى الستة اشهر لكن ليس اكثر فاذا ما تعدى هذه المدة تصبح مزمنة.

ويختفي عدم النوم الحاد عادة عندما تزول المسببات مثل المرض او الاجهاد لكن اذا ما تواصل فهذا يعني ان الاصابة به اصبحت مزمنة وتحتاج لعلاج طبي ومن النادر وجود دواء يعطي بشكل عفوي من دون معالجة طبية حقيقية، وفي هذا الصدد تقول دراسة نشرت في مجلة ابوتيكيه الطبية الالمانية أن ثلثي المصابين بعدم النوم المزمن يعانون منه مدة عام و 40% حتى خمسة أعوام أو أكثر.

والسؤال المطروح ماذا يجب ان يفعله المصاب؟ اول خطوة تفكير المريض العميق بما يعانيه من مشاكل شخصية إن في العمل أو العائلة وكيف يمكن تفاديها او ازالتها مع سلوك برنامج معين له بعيد عن الارهاق الجسدي والنفسي مثل عدم ممارسة الرياضة مساءا وتفادي تناول الوجبات الدسمة والثقيلة وتفادي النقاشات الحادة قبل النوم لانها توتر الاعصاب وتجعل النوم صعب، اضافة الى الاستغناء عن جهاز التلفزيون في غرفة النوم.

ومن الطرق التي تسهل الطريق الى النوم نزهة قصيرة في الهواء الطلق تنشط الدورة الدموية خاصة في الدماغ او الحمامات الدافئة ( مابين 34 و36 درجة) يضاف اليها بعض الاعشاب مثل البلسان والزيزفون. او ممارسة رياضة اليوغا ، مع الحفاظ على درجة حرارة غرفة النوم حتى ال18 درجة وتأكد من سلامة السرير ومرتبة السرير وعدم إطالة القيلولة بعد الظهر اكثر من ربع ساعة لأن القيلولة الطويلة تكون عادة على حساب النوم ليلا. وينصح الاطباء بمغادرة السرير اذا لم يغلب على المريض النوم بعد نصف ساعة والانشغال بشئ الى ان يدركه التعب مرة اخرى .

لكن عندما لا ينفع كل ذلك؟

اذا كانت هذه العلاجات الناعمة من دون جدوي يجب الخضوع لعلاج خاص. وهنا يقول تقرير من جامعة رينغنسبورغ جنوب ألمانيا ولديها مركز لمعالجة عدم النوم المزمن ان المريض يحتاج إلى أربعة اسابيع للعلاج لكن يجب أن يكون المرض في مراحله الأول، فالبعض ياتي بعد ثلاثة اعوام ويكون قد تناول ما يكفي من الحبوب المنومة والمهدئة فيصعب المعالجة.

وفي مركز معالجة عدم النوم يتم فحص نوع نوم المريض عبر قياس الكهرباء في الدماغ وتقلص وارتخاء العضلات وكيفية التنفس وحركة العينين ونبضات القلب وكمية الأوكسجين في الدم ، فكل هذا يشكل تشخيصا متكاملا يعتمد عليه الطبيب في تحديد العلاج.

واول الخطوات لا تكون عادة اعطاء المريض عقاقير طبية الا في حالات معينة عندما يكون قد وصل إلى مراحل متقدمة وأصبحت اعصابه شبه منهارة. وهنا يصف الطبيب عقاقير لا تدخل فيها مواد كيميائية كي لا يتحول إلى مدمن عليها وتكون لمدة ما بين الاسبوعين والاربعة اسابيع ، بعدها توقف لنفس المدة مع وضعه تحت المراقبة ، وتساعد العقاقير التي تناولها على كسر الخوف من عدم النوم فيسترخي الجسم.

ومن العقاقير التي تعطي لفترة قصيرة وبجرعات قليلة لمحاربة عدم النوم دواء فيه نسبة قليلة من مادة Benzodiazepin أو antidepressiva وهو عقار ضد الاضطرابات النفسية أو antihitaminika
أو L-trytophan.

وقبل ذلك يلجأ الطبيب عادة الى العلاجات من الاعشاب .لكن حتى اختياره لنوع من العلاج مرتبط بعدة عناصر منها سبب الارق وعدم النوم ، فالانهيار العصبي يسبب هذه العوارض وعمر المريض والمدة التي سبق وتناول فيها عقاقير. عدا عن ذلك يجب تفادي تناول عقاقير تلحق الاذى مثل امراض القلب والدورة الدموية والكبد والكلى وأمراض العيون، وعلى الطبيب المعالج الاطلاع على تاريخ المريض المرضي.

ويجب ان يحسن العقار الذي يتناوله المريض من نوعية نومه وطوله وأن يؤثر ليلا لا في النهار ايضا وان لا تكون له مؤثرات سلبية جانبية وان لا يكون سما للجسم خاصة عندما يجب تناوله لفترة طويلة وان لا يسبب ادمان عليه ويكون تغييره من دون مشاكل جانبية. لكن المشكلة أن مثل هذا العلاج المثالي غير متواجد حتى الان وقد يتوفر في عقار هذا العنصر ولا يتوفر العنصر الاخر.

وتقول دراسة من جامعة فوتسبورغ ان معالجة عدم النوم بالعقاقير بعد فحص المريض بعناية فائقة أفضل وسيلة حتى الان لأن مواصلة حالته قد تؤدي به إلى الاصابات بالانهيار العصبي وما لا يحمد عقباه ، وعلى المريض أن يدرك أمرين ان العقار يساعده على النوم ولا يزيل المسببات الرئيسية أي انه مساعد وليس شافي ، وان يكون العلاج ضمن خطة معالجة متكاملة خاصة اذا كان يشكو من امراض اخرى.

لكن هناك مرضى يفضلون الخضوع لعلاج من دون عقاقير مثل الابر الصينية او التمارين الجسدية والنفسية مثل اليوغا، ايضا رياضة التنفس بهدف ازالة العوامل المسبب لعدم النوم او السيطرة عليها وهي تقنية جديدة في المانيا تتطلب من المريض الصبر والوقت الطويل. ومن حسناتها تفادي الادمان على المهدئات او ما شابه ذلك. ولقد اثبت هذا العلاج فائدته وفعاليته لكنه يتطلب من المريض الكثير من الجهد والتنازل عن بعض العادات المحببة والتغلب على التعب الذي يظهر في اول المراحل والتعاون مع المعالج وتحمل الوقت الطويل كي يكون العلاج فعالا لكن العديد من المرضى لا يصل الى النهاية.