حوار مع الروائي السعودي عبده خال (1/2)

حاورته أميرة القحطاني: الذي يقرأ مؤلفات الكاتب السعودي الكبير عبده خال لا يتوقعه بهذا اللطف وهذا التواضع وقد كنت أتخيل الحديث معه صعب جدا أو مستحيل.. فمجاراة كاتب كبير خصوصا على قارئه ومتابعه عاديه ليس سهلاً ولكن بمجرد الالتقاء معه تصبح الأمور مختلفة.. تصبح أنت الكاتب الكبير وهو المحاور الصغير.. عبده خال ليس فقط كاتب مختلف ولكنه أيضا إنسان مختلف. *من هو عبد الرحيم محمد خال أو عبده خال؟
- هو كائن انساني تم استئصاله في محطات عديدة، واول المحطات كانت قريته، تلك القرية التي تقرض الناس كفأر شره، وكان عبدالرحيم على مائدتها، قدره أنه جاء معكوسا على تلك المأدبة، فقرضت جزاء من اسمه، فأخذت (الرحيم)، وفي ليل دامس تم تهريبه للمدينة يحمل اسما مبتورا وحكايات كالأرغفة الطازجة كلما جاع قضم ما يشتهي من أرغفته المحمولة، وفي المدينة وجد نفسه مقسما بين ماض وحاضر يوقفه امام الناس باسم عبده خال ويتم تجزئته واستقطاءه بقرض من قوارض لا يعرف من أين تقرضه.

*يبدأ باولو كويليو روايتة quot;الزهيّر quot; بـ (أنا رجل حر) ! هل يستطيع الإنسان العربي أن يكون حرا؟
- الحرية نسبية، وهي ممنوحة لكل كائن، على المستوى التخيلي، وتتناسب حينما تتحول الى شيء مشاع، فحين أكون في حالة تخيلية أمارس الحرية المطلقة.. وحين تتحدث أما سلطة (أي كانت هذه السلطة) تتناقص تلك الحرية وتدخل في نفق أو أيقونة تصفي حريتك وفق سمك الايقونة التي تخرج من خلالها كلماتك تصبح حرية مرتهنة لمشيئة المجموع وليس وفق مشيئتك الذاتية. ويمكن القول أن كل وجود يحتم الحرية ومتى ما كان ذلك الوجود مؤطر فإننا نمارس حرياتنا في الخفاء.. وكلما ضاق المكان بمحرماته اتسعت حرية الخيال، فالمخيلة هي (المستر كي) لأي غرفة مغلقة إن المخيلة تمتلك حرية لا تحدها قضبان أو مقولات وهذه عظمة الإنسان.

* فسوق الرواية التي صدرت مؤخرا للكاتب عبده خال هي أشبه بحجر كبير وثقيل تم إلقاؤه في ماء (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) الماء الراكد والمحرم. ويدخل (أيمن ناس) في حوار مع موظفي الهيئة يكشف الخطأ الفادح الذي تقع فيه الهيئه باسم الاسلام والحفاظ على القيم الاسلاميه وهو فضح الناس في مجتمع لايتقبل المخطئ مما ينتج عنه خطأ آخر يطول جميع افراد العائله والمحيط. اهنئك اولا على شجاعتك و على طرح موضوع الهيئه بهذه الصوره الواضحه والهادئه والعقلانيه. والحقيقه شغلني سؤال وهو كيف استطعت أن تعطي وجهك للعاصفة وما هو السبب الذي دفعك لهذه المواجهة؟ لحل مشكله يعاني منها المجتمع ام هو ثأر؟
- الجثة عندما تتحلل لا يمكن أن تمنع انتشار رائحتها.. هل نستطيع أن ندلس ونقول أنها رائحة زكية.. ورواية فسوق هي جثث متعددة الروائح هب عليها الهواء فنشر روائحها لجهات مختلفة، ولم أكن سوى مستنشق لها.. والعاصفة التي تتحدثين عنها هي من عرت تلك القبور الصامتة، فمكنت كل جثة من إظهار ندوبها وترحيل صوتها عبر الكتابة..
فالموتى لا يحملون فضائحهم معهم لكن تلك الفضائح تبقى عالقة على ألسنتنا..

* (حين تخلق سجنا كبيرا، على الناس أن يتدبروا كيفية الهرب) واضح انك تلمس الانسان من الداخل وتعطي العذر لكل انسان حوله المجتمع الى مجرم او ساقط او سارق او مدمن او منبوذ كما نرى في حالة (شفيق الميت). ومن الاشياء التي تميز اعمالك بشكل عام انك تدخل الى عمق الشخصيه البشعه وتقوم باخراج الروح الجميله التي تكون حبيسة ذلك الجسد الذي حوله المجتمع الى جسد مليئ بالقبح. من اين تاتي بهذه القدره؟ وهل درست علم النفس؟
- شكرا على إطراءك لتلك المقدرة التي وصفتيها.. وقبل ذلك فالنفس البشرية هي كوكب نسكنه، وندعي أننا أحطنا بتفاصيله بينما حقيقة الأمر نحن نجلس في زاوية ضيقة من ذلك الكوكب ونحاول أن نخط حدوده بقيم وأخلاقيات وسلوكيات نتشارك جميعا في تمجيد الحميد منها وذم المشين. ولو تأمل كل منا في هذه النفس التي يحملها سيجد أنه لا يعرف خبايا وزوايا معتمة كثيرة، هو فقط يهندم سلوكه وفق أمزجة وقواعد الآخرين حتى إذ اكتشف سلوكا غريبا أو شاذا أثناء تأمله سرعان ما يحاول أن يمحوه أو يسدل عليه الحجب.. ولو تعرينا للحظات عما يجب ولا يجب سيكتشف أنه يقتعد كوكبا يموج ببحار مالحة وأنهار عذبة ونفايات وشخصيات كل منها يناقض الأخرى، شخصيات حقيقة تسكن وما علم النفس إلا أداة قاصرة عن فهم ذلك التجريف المهول الذي يحدث في أنفسنا، كما أن علم النفس ولد من الروايات حين طبق أحد الأطباء حالات واقعية على شخوص الروائي الفذ دوستوفسكي.. والكاتب كلما منح نفسه فرصة التحرر من ملابسه الثقيلة وغاص في بحور النفس البشرية اكتشف مواقع لم تصل إليها أساليب التهذيب والتعليم.. فالتعليم يكبل الحرية، التعليم هو الآفة الحقيقية للعقل البشري، ولو لاه لما أنتجنا كل هذه البشاعة التي نتبادلها كهدايا ونحن نبتسم.
هناك كهوف لا تزال مظلمة عنا ومهمة الكاتب أن يضيء جزء منها لنعرف أننا لا زلنا نقف على بقعة صغيرة من كوكب مهول ومسكون بشخصيات لا نعرفها في واقعنا.. (وفي أنفسكم أفلا تبصرون).. البشرية لازالت تقف في رقعة صغيرة من قارة ضخمة أسمها النفس.

* كتبت رواية فسوق بأسلوب بوليسي شيق يجعل القارئ ينشغل بأمور البحث والتقصي والرغبة في الوصول إلى النهاية لمعرفة حل القضية. الا تعتقد بانك تشغل القارئ بهذه الطريقة وتبعده عن تأمل جمال الرواية والتوقف عند الأفكار والجمل الابداعيه الكثيرة التي تحملها فسوق؟
- كتابة الرواية كالإعداد لمهرجان متنوع.. والحاضرون لمشاهدة هذا المهرجان شخصيات مختلفة المذاقات والثقافات والاهتمامات.. فبعض الحضور يرغب في معرفة مفردات المهرجان والبعض يبحث عن النشوة والبعض يبحث عن البهرجة والبعض جاء للالتقاء بالأصدقاء والبعض جاء لتخريب الفقرات والبعض جاء مشاركا في الحفل وأشخاص جاؤوا لأن مهمتهم تنسيق الفقرات وإخراجها وفق مخططها والبعض جاء لتلبية الدعوة.. هذا الخليط المختلف ممن حضروا لكل واحد منهم غاية من الحضور.. والرواية عليها أن تلبي أو تمنح تلك الرغبات جزء من ميولها لكن سير المهرجان يتوقف على المخططين له.. وربما استهدفت أن تكون رواية فسوق مهرجان لجنائز ذهبت لمقابرها في كامل زينتها عل القارئ يشم كل تلك الروائح المنتنة التي نخبئها في دواخلنا ونحن نرتدي أجمل الحلل.. أو لعلني كنت أخرق لأني تعمدت أن أزيل الأتربة عن كل تلك الجثث مدعيا أني أحتفي بها. !!

* هدفك من الكتابة بشكل عام.
- الكتابة هي خروج عما يجب أن تكون عليه، هي الحرية المطلقة لأن تعيد تفاصيل الحياة كما تشتهي ربما تقع أسير الواقع أثناء السرد لكنك تترك جزء منك يحلق خارج السرب، وفي هذا تهريب بذور أمانيك في جهة لا تصلها دويبات الأرض أو الحشرات المتطفلة. والكتابة ليست عملا روتينيا بحيث تدعي أنها تحقق لك المردود المالي والاجتماعي هي عشق ومطارحة هوى، فهل رأيت إنسانا يمل من مطارحة عشيقته لوعاجه كلما صدأ في الأزقة الملتوية والتي تلتهمه كجزور علق على خطاف جزار يعرف كيف يفصل اللحم عن العظم.

*بالرغم من انك دللت كثيرا إلا إن (القرية، الطفولة الصعبة، المرض، الألم) قواعد قويه ساهمت في صناعة الكاتب عبده خال. ما مدى تأثير الظروف والبيئة التي نشأت بها في كتاباتك وهل صحيح بأنك تستمد أحداث قصصك من ماضيك؟
- نحن نرتحل عبر الأزمنة وكأننا نرتحل عبر مدن، نحبها ونعشقها إلا أن رحلتنا بها ما هي إلا رحلة (ترانزيت) علينا أن نستنشق ونرى كل ما تسمح به اللحظة، ورحيلنا عبر هذه المدن ربما يجعلنا أكثر تقلبا في الأمزجة وفي الاعتقادات وفي القناعات. والماضي كالطفولة نحن له ولا نعرف كيف تعلمنا المشي وغادرناه لكنه يبقى كالرحلات التي تعكرت في بعض موانئها وكلما أوشكت الرحلة على الانتهاء اشتقنا لكل اللحظات التي عبرتنا.
ليس هناك ألم في الماضي.
تصدق هذه الجملة كلما ابتعدنا عنه كثيرا، فكل اللحظات تعجن في ذاكرتك وتفوح برائحة الحنين.. نحن نحن للجرح القديم، ألا تجدين من ينتشي أمامك وهو يريك جرحا غائرا في جسده، نشوته تأتي من لحظة التذكر لتلك الحادثة، يتذكرها بفرح غامر كطفل يرغب في إعادة تلعثم الكلمات على لسانه.. ألا نتغنى جميعا بلثغة الأطفال.. هل أقول لك أني لم أكتب الماضي بعد، فمخزن هذا الماضي لا يزال مليء بالشخصيات التي أحلم بأن أخرجها لكي ترقص في واقعنا..

* متى تكتب وهل هناك طقوس معينه تتبعها قبل أو أثناء الكتابة؟
- كتابة الرواية تحديدا تبدأ من مغازلة عذرية، ثمة شخصية تطوف في مخيلتي وتغيب.. تغيب كفتاة عاشقة وخجولة، أشعر بها تخترق دمي، وظل انتظرها حتى تغرق في داخلي تماما، ساعتها نتطارح العشق في أي وقت تشاء أو أشاء.

*تتشح رواياتك بالسواد وأحيانا أكثر من ذلك.. المرض.. التخلف.. الإيمان المطلق بالخرافات وخصوصا في quot; الموت يمر من هنا quot; وقد كانت مفاجأة حقيقية بالنسبة لي أن اعرف بان هذه الأمور تحدث فعلا في الواقع وفي زمن قريب جداً وربما لازالت تحدث حتى ألان خصوصا فيما يتعلق بالوثنية أو ما يشبه الوثنية. وأود معرفة شيء سمعته لو سمحت لي وهو انك عشت تجربه مريرة من تجارب الموت يمر من هنا.
- العقل البشري ينهض بمنجزاته في جزء من الأرض ويتباطأ في جزء أخر، هذا التباطؤ هو نوع من الحافظة التي يسرب إليها العقل تجاربه الأولى، هناك نقاط تظل معتمة، والعقل في حاجة لإبقائها في الجزء المعتم.. كي ينمو الغموض والوحشية والجمال الذي يهتكه العلم بضوئه الباهر، والبشرية إذ استسلمت للإضاءة الباهرة تحرق، لذلك أنا أؤمن أننا بقايا أساطير، تظهر جيناتنا الأولى من سلوك أو لفظة، أو أزياء، أو فكرة..
وأمراض العقل الأولى تظهر حينما نترك الذاكرة الحافظة تمنحنا قليلا من لزوجته لنفرك بهما عجينا له نكهة الحكاية الأولى التي كانت تفسر كل عواصف الطبيعة حينما كان العقل أعزل من أي نظرية تمكنه من خلق التفسيرات الفيزيائية لحدوث ظواهر الطبيعة.
وعندما تكون الكتابة الروائية تدور في فلك المكان الأول عليها أن تستعير أدوات العقل الأول، وهذا ليس احتقار لبدائية العقل البشري بل أرى أن تلك البدايات كانت أكثر حرية في صياغة الكون بما يتلاءم مع المساحات الشاسعة من الحرية المطلقة.. ومن هنا تأتي صياغة الرواية متفلتة مما يجب.. هي الحجر الذي يفلق أكبر الأنهار..

* لست مع تفسير الكاتب لكتاباته ولكنني مضطرة لطرح هذا السؤال ماذا تريد أن تقول في (الطين)؟
- لو كنت راغبا في شرح ماذا كنت أريد من تلك الرواية لكنت كتبت مقالة في ليلة واحدة ووفرت على نفسي تعب أربع سنوات متواصلة في كتابتها.. أنا كتبتها كجنون بشري ربما اعترى مخيلتي البدائية وتفسيرها للكون وفق ذاكرة تنطلق من عجينة الماضي والحاضر بكل منجزاته العلمية من نظريات مثبتة وغير مثبتة، أرادت تلك الذاكرة تمزيق كل الكون وإعادة التفكير فيه مرة أخرى وفق جنوح العقل نحو الثورة على عقل ساد بتعليمنا بنظريات غدت كأوتاد الجبال لتسمر مخيلتنا وفق نظريات تراكمات في تفسيرها لما يحيط بها.. وكانت الطين معول سعيت به لهد الكون كاملا.. هو نوع من الجنون.. ألم تسمعي أن مجنونا هم بتحطيم اهرامات الجيزة، أظن أنهم لو تركوه لفعلها.. وفي كتابتي للطين لم يتبعني أحد، فهددت ذلك الكون القائم في مخيلتكم بفعل النظريات المتراكمة.

* أحيانا تكون الشخصية مؤثره في رواية ما لدرجة أنها تسكن قارئها.. يتعايش معها على أنها واقع ومن هذه الشخصيات quot;يحيى quot; في مدن تأكل العشب quot; وهي الرواية التي عرفك من خلالها كثير من القراء وأنا واحده منهم. ماذا تحمل بداخلك لـ quot; مدن تأكل العشب quot; ولـ يحيى quot; وهل تلتقي معه في نقطه معينة؟ هل مدن تأكل العشب قصه حقيقية؟

- لنبتعد عن تقريرية هل هي واقعية أو خيال، ونسأل عن مدى عمق تواجد يحي في أعماق من قرأ تلك الرواية، أليس كلنا يحي، كلنا خسرنا أحلامنا وحياتنا في لعبة سمجة يقال لها الحياة.. كل واحد منا هو يحي شخابيط الفرق في تشكل الأحداث التي نفرزها في حياتنا أو في تشكل الأحداث التي تدمر حياتنا ونحن منساقون لذلك التهشيم المتعمد.. ليس فينا رجل لبيب يخرج من ذلك الاتون.

* لا أود الابتعاد عن quot; المدن التي تأكل العشب quot; ربما لأنني أحبها أكثر من غيرها. تقول في بداية هذه الرواية الرائعة (أنا لا اعرف جمال عبد الناصر وانتم لا تعرفون جدتي) هل مر عبد الناصر في هنا؟
- إن مجيء عبد الناصر كان في لحظة فاصلة بين زمنين: زمن استعمار وتحرر، وكانت الأمة
العربية.

يتبع