الشاعر أسعد الغريري
محمود الخطيب من عمان:
(أراضي خدودها.. تزعل شفايفها.. تسبل عيونها.. لو لامست كفها)، هذا الالتقاط الجميل للصورة الشعرية التي كتبها بأناقة، الشاعر اسعد الغريري، صاحب الاحساس اللغوي العالي، لتنهمر احاسيسه مدرارة فوق مساحة الورق البيضاء، قبل أن تعانق بسلاسة الانهمار الموسيقي الذي صاغه الفنان كاظم الساهر، وهذبه الموسيقي هشام نياز عبر توزيعه الموسيقي، ليتقاطع ذلك، في خروج أغنية للجمهور، استلطف فكرتها، وتقبلها وضمها في وجدانه.
هذا الالتقاط للصور الشعرية، يثبت بلا شك بأننا امام quot;صائغ احساسquot; يلتقط بخياله الافكار ويرسم حروفها في نصوص شعرية تقترب من القلب بهيافه، وتدغدغ مشاعر ذلك العاشق الذي يفتش بين الاغنيات على واحدة تقترب من مشاعره التي تشتعل نارا شوقا الى حبيبته.
في قصائده كلها (لمن استطاع قراءتها).. سواء كانت مغناة او القصائد التي ينظمها، تشعر بانك امام احساس مختلف، يقدمه الغريري باحساسه الخاص، وبوجدانه ورومانسيته الطاغية بين سطور القصائد وعبقها اللذيذ والشهي والفائض عذوبة، او حين يخاطب محبوبته بعنفوان العاشق (العدل يا حبيتي ان تعدلي.. اوتخرجي من داخلي.. فإلى متى ابقى قتيلا هكذا.. واظل اعشق قاتلي؟).
اسعد الغريري.. (المظلوم اعلاميا وفنيا)، يعيش بين كلماته كالعاشق الرومانسي الذي يكتب حبيبته وتكتبه، يرسمها وترسمه، في سطور قصائده التي تتحول اغنيات تعشعش في فضاء الروح كعصفورة رقيقة quot;تزقزقquot; مطربةً العاشقين.
الغريري مع كاظم الساهر
الجمهور العربي، تعرف على اغنيات اسعد الغريري، من خلال موسيقى وصوت كاظم الساهر، الذي رافق كلماته منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، بأغنيات كانت كعبق العطر، في (شجرة الزيتون quot;اول أغنية رسمية للساهرquot;، وموال واغنية اماني يا اماني، وقصيدة لو كان، وموال نصي ثلج نصي نار)، واستمرت مسيرته مع الساهر، في الفترة الذهبية التي عرف بها الجمهور، الاخير.. وذاع صيته جراء تنقل الساهر بين عواصم الدنيا، بداية من عمان مرورا ببيروت وانتهاء بالقاهرة، فحمل الساهر احاسيس الغريري عبر عوده وصوته، وصبها في قلوب مستمعيه في quot;مين قساك، استعجلت الرحيل، وعندك عين تعاتبني، شكرا، الزمن، مو ضحكتك، موال اغنية الحلوة quot;اعجبكquot;، سيدة عمري الفاضلة، فرشة رمل البحر، جيتك امشي، وانتهاءً وليس نهاية بأغنية quot;اراضي خدودهاquot; التي زينت البوم الساهر الاخير quot;يوميات رجل مهزومquot;.
هذه الرحلة التي شارفت على سنيها العشرين، افرزت في طياتها علاقة خفية تربط قلم الغريري بعود وصوت الساهر، وان كان الجمهور العربي يتعطش لمثل هذه الاحاسيس التي تتقاطع مع ايقاع القلب، تبقى المهمة بيد كاظم الساهر وحده، الذي يعلم مقدار عذوبة اشعار الغريري، ولذلك يخفي ابداعه (عن العيون) ليترجم ما قاله بأحد اغنياته في اختياراته من اشعار الغريري (خايف عليك من العيون..ومن العواذل والضنون).. وعلى الساهر ان يضخ في البوماته اكثر من عمل للغريري في البوماته المقبلة، لان الجمهور يرحل خلف الاغنية الرومانسية اينما قُدمت.
الغريري والساهر في جلسة غنائية ويبدو خلفهما الموزع الموسيقي فاضل فالح
اسعد الذي يشكل مع كاظم quot;ماركة مسجلةquot; للطرفين، استطاع قلة ان ينهلوا من بحر ابداعه الشعري، من المطربين العراقيين والعرب، كرياض احمد الذي ذاعت من كلمات اسعد الغريري والحان جعفر الخفاف، في الثمانينيات اغنية quot;احبك ليش ما ادريquot;، ولمحمود انور quot;ذهب ذهبquot;، كما غنى من كلماته صلاح عبد الغفور وماجد المهندس ومجد القاسم ومي فاروق واسماء لمنور ورضا العبد الله وفايز الحلو في اكثر من مناسبة كانت كأغنيات خاصة او كأوبريتات وطنية للعراق قدمت في القاهرة مؤخرا من الحان نصير شمة.
وتبقى اغنية (علمني عليك) ذات وقع خاص، للجمهور الخليجي، فهذه الاغنية التي لم يخل بيت منها نهاية الثمانينات بصوت عبد الله الرويشد، كانت مفتاح انطلاقة الغريري الشعرية نحو الخليج العربي، حين ذاع صيت الاغنية التي لحنها فاروق هلال، ولولا ازمة الخليج الثانية آنذاك، لكان للغريري رواجا اكبر في معانقة اصوات كبار مغني الخليج العربي.
عموما.. تبقى اشعار اسعد الغريري.. كرمانة في ميزان من يقدمها بصوته، وتبقى رومانسيتها في قلوب من يعيشون الاحساس بالحب وبالحب فقط.
[email protected]