عادل بن زيد الطريفي

كانت وما تزال قضية كركوك واحدة من أعقد مسائل العراق السياسية منذ الاستقلال، بل يمكن اعتبار الجدل والصراع حول هوية هذه المحافظة، أو الإقليم كما يرغب البعض اعتباره، قضية أثنية كلاسيكية لا يضاهيها إلا الصراع حول مدينة القدس بين الفلسطينيين والإسرائيليين. بل إن قضية كركوك بالمعيار السياسي والاثني والاقتصادي لتتعدى في تعقيدها مسألة quot;القدسquot;، فهنالك ما لا يقل عن أربع عرقيات تتنازع الوصاية على المدينة، ويملك كل من الأكراد والتركمان والعرب والآشوريين دلائل تاريخية وجغرافية وديموغرافية على أحقيتهم بالمنطقة الغنية بالنفط.
اليوم يقف الساسة العراقيون في تحد كبير أمام سؤال تقرير المصير لهذه المنطقة، والذي ضمنه الدستور العراقي الجديد، ورغم محاولات الحكومة العراقية تأجيل هذا الملف منذ استحقاقه نهاية العام الماضي، إلا أنه أطل برأسه خلال الأسبوعين الماضيين حاملاً معه شتى الكوابيس ليس فقط للحكومة المركزية التي تجاهد لاستبقاء الوضع كما هو، بل لدول الجوار التي أحست بتهديد كبير لهذا السيناريو الذي لطالما جاهدوه في الأربعين عاما الماضية.

الأحد الماضي تم تأجيل جلسة البرلمان العراقي الخاصة بقانون انتخابات مجالس المحافظات لعدم توافر النصاب، وسبقه سلسلة من التفجيرات التي طالت المحافظة، ومظاهرات عديدة قادها الزعماء المحليون من كافة الأطراف تهدد بتعطيل الانتخابات المقررة في أكتوبر القادم. وكان لافتاً للانتباه أن محاولات الالتفاف عبر قانون الانتخاب الذي أقرته الأحزاب السياسية نهاية يوليو بغياب كتلة التحالف الكردستاني ونواب المجلس الأعلى (الشيعي) حول مسألة كركوك لن تقود إلا إلى مزيد من التأزم، وبات من الواضح أن كركوك ستكون المفتاح الرئيسي ليس فقط أمام التوافق الكردي - الشيعي، بل بارومتر الاختبار الحقيقي لمستقبل الاستقرار السياسي في العراق. ولا أدل على ذلك من الحماس الشديد الذي أبدته كل من الولايات المتحدة وإيران وتركيا لطرفي الخلاف، حتى إن الأخيرة رغم اعتراضاتها الدبلوماسية الطابع - حتى الآن - لنظيرتها العراقية، جددت للتركمان تعهدها الذي أطلقته بعد سقوط بغداد بمنع استقلال المحافظة، أو ضمها لإقليم كردستان، بالقوة إذا لزم الأمر. وإذا كنت تعتقد بأن الأتراك لن يغامروا بالتدخل في قضية داخلية كهذه، فاقرأ النبرة الحادة التي تناولت بها القيادات التركية - والصحف القومية - لمحاولات الأكراد الراهنة لتمهيد الطريق أمام استفتاء شعبي لضم المحافظة وجاراتها - ذات الكثافة الكردية - لإقليم كردستان.

أمام هذا التحدي يبرز السؤال من جديد: كركوك لمن؟

يصعب حقيقة تصديق أي من الدعاوى الراهنة، فالأكراد كانوا وما زالوا رغم التهجير القسري الذي تعرضوا له الأكثرية في المحافظة وجاراتها، ويضمن لهم اتفاق مارس 1970استفتاء يمهد لضم الإقليم، بل إنهم نجحوا منذ الأيام الأولى لمجلس الحكم المحلي في تضمين استقلال كركوك في كافة البيانات والقوانين، وحتى الدستور العراقي الجديد تضمن المادة 140لهم أكثر من ذلك، بالذات إعادة توطين اللاجئين الذين هجِّروا من المنطقة على يد البعثيين. وخلاصة القول إن كركوك هي جائزة الأكراد في الحرب، أو هذا ما يراه الساسة في أربيل والسليمانية. بيد أن العرب والتركمان لهم أيضا دعاوى لا تقل شأنا عن ذلك، فالوثائق التاريخية تثبت تواجدهم في المحافظة منذ القرن السادس عشر، وكركوك حتى نهاية العشرينيات كانت تابعة لولاية الموصل قبل التقسيم الإداري الحديث. الآشوريون من جانبهم لهم أحقية تاريخية تفوق الجميع، فالمدينة كانت عاصمة لحضارتهم قبل ثلاثة آلاف عام. ولذلك، فإن المنطقة التي سكنتها أعراق كثيرة واستوطنت بها بشكل مشترك خلال المئتي عام الماضية تبدو نموذجا مدرسيا للنزاع - أو لنقل تخفيفا الخلاف - الاثني بين عدد من العرقيات.

الحكومة العراقية، والتي أبدت مجهودا مثيرا للإعجاب في مكافحة الإرهاب والعنف الداخلي، تقف اليوم مكبلة أمام حجم التحدي الذي تمثله المطالب الكردية، ورغم أن الجهود حتى اليوم تنصب حول استدامة الوضع الراهن، إلا أن التركمان والأكراد - على وجه الخصوص - مصرون على إثارة المسألة. الإدارة الأمريكية تدعم بشكل خفي كافة المطالب لتلعب على وتر التوازن الطائفي والسياسي في المركز، ومشروع الأمم المتحدة الذي تتم مناقشته منذ بعض الوقت لا يضمن إلا تأجيل القضية لعام آخر، فيما يطرح الإيرانيون تأجيله لعامين.

المصالحة الوطنية الداخلية تصطدم اليوم أمام مسألة كركوك، ورغم أن الأكثرية العراقية لا تريد أن ترى كركوك كردية أو تركمانية بل عراقية ضماناً للوحدة الوطنية، إلا أن ذلك بالمعيار السياسي الراهن متعذر. كركوك هي جائزة الأكراد في الحرب، وإذا سحبت تلك الجائزة منهم فإنهم لن يكونوا راضين عن ذلك، وجهود التسوية لن تفلح في إقناع الأكراد بالتخلي عن هذا المطلب. إذ كيف تقنع الأكراد بنسيان قضية محورية للآمال الكردية منذ العشرينيات. هل هو خطأ المستعمر البريطاني قديما؟ أو خطأ المحتل الأمريكي الراهن؟ .. لا، أظن ذلك مقنعا. صحيح، أن قوى الاستعمار والاحتلال استفادت من هذا الانقسام، ولكنها في الحقيقة لم تخلق المشكلة، لأنها كانت موجودة منذ الاستعمار العثماني للمنطقة، وحقوق الأكراد التاريخية هضمها الجميع بدءاً بالقوى الاستعمارية التي حرمت الأكراد من تقرير المصير، مرورا بالقوميين العرب والإيرانيين والأتراك والسوريين الذي رفضوا الاستغناء عن هذه المنطقة الحيوية لاسيما بعد اكتشاف النفط فيها نهاية العشرينيات.

كركوك، ليست عربية وهي كذلك ليست كردية، بل عراقية. ولكن رغم ذلك، ثمة حقوق كردية فيها، وسيصعب على أي كان تهميشها. بعض السياسيين يأمل أن تعتبر المادة 140من الدستور لاغية في ظل الوضع الحالي، والبعض يستقوي بدول الجوار - كتركيا وإيران - للضغط على الأكراد، ولكن الدستور يكفل لهم مطالبهم، واللجان التي كونت لإعادة توطين الأكراد بعد سياسة التعريب البعثية لا تقل أهمية بالنسبة للجمهور الكردي عن لجان اجتثاث البعث بالنسبة للقوى الشيعية الحاكمة.

الحجة اليوم لدى بعض العرب السنة والشيعة أن قانون فيدرالية كركوك سيفتح المجال أمام فيدراليات جديدة تمهد لتقسيم العراق، والمجلس الأعلى هدد أكثر من مرة بأنه سيلجأ لتكوين دولة جنوبية كمعادل لدولة الأكراد في الشمال. حقيقة، لا أرى أن ذلك ممكن لأن حجم الانقسام السياسي والطائفي بين الشيعة، ونقص الموارد في تلك المناطق لا يؤهلها للانقسام، إذ من يحق له حكم الجنوب، المجلس الأعلى، أم الصدريون، أم العشائر الجنوبية الكبيرة؟

وكما ترى، مصير كركوك ليس مهماً فقط بالنسبة لمستقبل عائدات النفط العراقية، بل إنه سيحدد - ويفسر - شكل الفيدرالية العراقية المستقبلية.

برأيي، أن على الأكراد أن لا يبالغوا في الإسراع بمصير كركوك، فهم لديهم حكم متميز في الشمال، ونفوذ قوي في عامة العراق، والحل يكمن في أن ينقلوا تجربتهم الناجحة في الشمال لكافة المحافظات العراقية. بمعنى آخر، بوسع الأكراد تسويق نموذجهم الديمقراطي لباقي العراق، وتأجيل البت في مصير المحافظة لسنوات قادمة حتى تتبلور صورة أكثر نضجا للفيدرالية العراقية، وبذلك يخفضون من مستوى التوتر الإقليمي والداخلي بخصوص مخاوف انفصالهم، كما يضمنون في المستقبل نموذجا أكثر ملاءمة لعلاقاتهم الداخلية.

على الأكراد أن يدركوا بأن بوسعهم الانفصال الآن، أو شبه الانفصال عبر فرض ضم كركوك وجاراتها ذات الكثافة الكردية، ولكنهم وفي حال تجاوزوا معارضة دول الجوار، فهم ليس بوسعهم العيش إلى جوار عراقي مضطرب. تذكروا، أن إقليم الشمال الكردي ما كان له أن ينشأ أو يزدهر إلا بفضل الحماية الأمريكية والبريطانية بعد حرب الخليج الثانية، واستفادتهم من توازنات القوى في ظل حكم البعث البغيض، ولكن كردستان - كدولة مستقلة أو حتى كيان شبه دولة - ستكون في منطقة كوارث مخيفة من كل جانب. التأجيل ضرورة اليوم، والأكراد وفق الصيغة الراهنة مستفيدين إداريا وعدديا، ولكن أهم من ذلك كله هو تسويق النموذج الكردي لباقي العراق، وفي ذلك ضمان للحقوق الكردية مستقبلا، وصيانة للوحدة العراقية الضرورية لكافة الأطراف الداخلية والخارجية.