لندن

تناول شلومو بن عامي في مقال له بصحيفة الغادريان البريطانية ملف المفاوضات الفلسطينية - الاسرائيلية وكتب يقول:
منذ انطلاقتها في اوسلو قبل ما يربو على عقدين من الزمن، ظلت مفاوضات السلام الاسرائيلية - الفلسطينية غارقة في متاهات نظامين سياسيين مصابين بالشلل عند كلا الطرفين. فرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو هو الآن رهينة للائتلاف الحكومي المستحيل وللمتطرفين من حركة الاستيطان، بشكل يمثل تهديدا خطيرا لسلطته. اما نظراؤه الفلسطينيون فليسوا في وضع أفضل، فضلا عن ان السلطة الفلسطينية لا تمثل غالبية الفلسطينيين، ولا تحكم بشكل ديموقراطي.
فقد انتهت فترة ولاية محمود عباس، ولم يتم اجراء انتخابات جديدة، ورئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض يمارس السلطة بناء على مرسوم رئاسي، ويعطل عمل البرلمان، ويسكت المعارضة. وتعتمد السلطة التي تفتقد الشرعية الدستورية، على قوات الأمن وقوات الاحتلال لممارسة صلاحياتها.
وبطبيعة الحال، اضطرت حركات التحرر الوطني - عبر التاريخ - الى تهميش المتطرفين والمتعصبين من بين صفوفها في مرحلة ما من مراحل نضالها. ويصح ذلك على الحركة الصهيونية، وعلى الثورة الايطالية، وعلى ايرلندا الشمالية، ولكن لم يكن الفريق الفائز في هذه الثورات ابدا، يمثل الغالبية المنتخبة ديموقراطيا. كما ان عملية سلام ينظر اليها كمجرد وسيلة لاضعاف وعزل الطرف الفائز في الانتخابات (كما حدث لحركة حماس) ليس من المحتمل ان تكسب كثيرا من المؤيدين. لقد قصر الرئيس اوباما - كما سلفه بوش - تحركاته السياسية على الاصدقاء من دون الخصوم، وهذا ما يفسر غياب التواصل بين الجماهير العربية وإدارته.
إن افتراض أن بالإمكان تحقيق إسلام من خلال دق اسفين بين laquo;المعتدلينraquo; وlaquo;المتطرفينraquo; يمثل مفهوما مغلوطا على نحو مُهلك. والمفارقة هنا مزدوجة. فالمفاوضات لا تجري مع laquo;المعتدلينraquo; غير الشرعيين فحسب، بل لأن افتقادهم للشرعية يجعل من السهل دفعهم إلى تقديم التنازلات، فضلا عن اعتبار المتطرفين لهم بأنهم عملاء.
وينعكس الانعدام الخطير لشرعية المفاوض الفلسطيني، بل وغياب البوصلة للحركة الوطنية الفلسطينية برمتها، في عودة منظمة التحرير إلى ما قبل أيام عرفات، حتى كانت اداة في يد الانظمة العربية، بدلا من كونها حركة مستقلة. لقد حصل المفاوضون الفلسطينيون على الضوء الأخضر للعودة إلى المفاوضات من جامعة الدول العربية، وليس من الممثلين المنتخبين للشعب الفلسطيني.
إن موافقة أوباما على مطلب نتانياهو بضرورة الاعتراف بيهودية دولة اسرائيل وقبوله لمطالبه الأمنية، جعلا عملية السلام ممكنة. ولكن المبالغة في المطالبات الأمنية كالجدول الزمني الطويل جداً للانسحاب والمطالب الاقليمية غير المعقولة والإصرار على التواجد العسكري الاسرائيلي في وادي الاردن، والسيطرة الكاملة على المجال الجوي والمعابر.. إلخ، سوف يصطدم حتماً بالرؤية الفلسطينية لمعنى السيادة.
فبالنسبة لنتانياهو، فإن قيام دولة فلسطينية يعني نهاية الصراع وانتهاء المطالب، وبفتح موضوع الاعتراف بيهودية الدولة، فإنه يدفع الفلسطيني إلى التمسّك أكثر فأكثر بحق العودة.
أما عباس فهو أضعف من أن يقبل بأية تسوية نهائية تُرضي نتانياهو، فعرفات يمثل المرجعية لما يمكن أو لا يمكن لعباس القبول به. وكما قال في مقابلة أجرتها معه صحيفة القدس، فإنه إذا أجبر على تسوية يتخلى بموجبها عن حق العودة أو القدس أو الحدود laquo;فإنني سأحزم حقائبي وأرحلraquo;.
ومادامت حركة حماس في الصورة، فإنه من الصعب تخيّل التوصل إلى اتفاق يُنهي الاحتلال، فضلا عن الصراع. وهذا يعني امكانية التوصل إلى اتفاق حول القضايا الثانوية وارجاء قضايا الوضع النهائي مرة أخرى.
والمفارقة هي أن laquo;حماسraquo; قد تكون شريكا أفضل من منظمة التحرير للتوصل إلى تسوية كهذه، فهناك أرضية مشتركة اكبر بين حماس واسرائيل مما هي بين الأخيرة ومنظمة التحرير. فإسرائيل تريد إنهاء الصراع، لكنها غير قادرة على دفع الثمن، بينما تريد حماس اتفاق سلام على أن يكون غير نهائي.