سعيد حارب

لا يمكن اختزال ما حدث في تونس على أنه laquo;ثورة جياعraquo;، فالتونسيون ليسوا أكثر فقراً من الهنود أو البرازيليين، بل ربما يلاحظ من زار تونس أن laquo;التوانسةraquo; يعيشون حياة معيشية كريمة قد تخفي شظف العيش، لكنها لا تخفي كرم التونسي الذي يلقاك بترحاب ويقدم لك ما لا يستطيع أن يقدمه لأبنائه، لذا فإن حصر ما حدث في تونس أنه مطالبة بالخبز!! فيه إهانة للشعب التونسي ولتضحيته ولدماء أبنائه، فما الذي حدث في تونس؟ فهذه الدولة التي تعتبر أول دولة عربية تعرف الدستور منذ عام 1864، وتعرف المجتمع المدني قبل ذلك بسنوات، لم تشهد تحولا سياسيا منذ استقلالها في 31 يوليو عام 1954، ولم يحكمها خلال هذه المدة سوى رئيسين هما الحبيب بورقيبة الذي حكم منذ يوليو 1957 وحتى انقلاب زين العابدين بن علي، عليه في 7 نوفمبر 1987 الذي حكم حتى هذه الأحداث!!، علما بأنه خلال هذه الفترة حكم الولايات المتحدة الأميركية أحد عشر رئيسا، بعضهم حكم لفترتين!!، أما على المستوى الحزبي فقد كان فقد سيطر حزب التجمع الدستوري الديمقراطي على الحياة السياسية منذ نشأته في مارس 1920؛ حيث تأسس تحت اسم الحزب الحر الدستوري وتحول اسمه في أكتوبر 1964 إلى الحزب الاشتراكي الدستوري، ثم تحول ثانية إلى اسمه الحالي التجمع الدستوري الديمقراطي 1988، وقد بقي مسيطرا على مجلس النواب حيث تتراوح نسبته في المجلس ما بين %48 و%80 كما حصل في انتخابات 1989، و%100 كما حصل في انتخابات 1994 و1999 و2004، ويرأس الحزب زين العابدين بن علي!!
وبالمقابل تم تهميش القوى السياسية الأخرى في تونس، سواء كانت هذه القوى ليبرالية أم سلامية أم يسارية، وتمت ملاحقة أعضائها وتشريدهم في المنافي أو تعليقهم على المشانق أو زجهم في السجون، ويقدر عدد الذين شملهم الاعتقال السياسي في تونس منذ حكم بن علي بـ350 ألف معتقل، علما بأن عدد سكان تونس يقترب من عشرة ملايين نسمة، أي معتقل واحد من كل 2300 شخص تقريبا!!
وإذا كان الأمر كذلك فماذا عن حقوق الإنسان في تونس؟ تقول منظمة laquo;هيومن رايتس ووتشraquo; في تقريرها لعام 2010 عن تونس: إن laquo;المدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين يخضعون لرقابة مشددة، وحظر السفر التعسفي، والفصل من العمل، وانقطاع في الخدمة الهاتفية، والاعتداءات الجسدية، ومضايقة الأقارب، وأفعال التخريب والسرقة المشبوهة، وحملات التشهير في الصحافة، أما عن القضاء، فيقول التقرير: laquo;رغم أن دستور تونس ينص على استقلال القضاء، فإن السلطة التنفيذية تؤثر تأثيرا قويا على الأحكام القضائية وضوابط التعيين، والمناصب، ونقل القضاة في القضايا ذات الطابع السياسي، وتفشل المحاكم في ضمان محاكمات عادلة للمتهمين. والادعاء العام والقضاة عادة ما يغضون الطرف عن مزاعم التعذيب، حتى عندما يطالب محامو الدفاع رسميا بإجراء تحقيق، وقضاة المحاكم يدينون المتهمين فقط أو في الغالب على أساس اعترافات انتزعت قسرا، أو بناء على شهادة الشهود الذين لا يملك المتهم فرصة مواجهتهم في المحكمةraquo;.
أما عن حرية الإعلام فيقول التقرير: laquo;لا توجد من بين المطبوعات ووسائل الإعلام المحلية ما يُقدم تغطية نقدية لسياسات الحكومة، باستثناء عدد قليل من المجلات ذات التوزيع المحدود، تتوفر تونس على محطات الإذاعة والتلفزيون في ملكية الخواص، ولكن الملكية الخاصة ليست مرادفا لاستقلال هيئات التحرير، وتقوم الحكومة بحظر الوصول إلى مواقع الإنترنت السياسية أو الحقوقية المحلية والدولية التي تتميز بالتغطية الصحافية المنتقدة لتونسraquo;، وقد سكت الغرب عن كل هذه الانتهاكات مقابل ما روجه السياسيون التونسيون بأنهم استطاعوا القضاء على التطرف وتجفيف منابعه وعدّوا ذلك نجاحاً لهم، كما قدموا تونس على أنها نموذج للديمقراطية والاستقرار في منطقة مضطربة، وقد انقلب الأمر عليهم عندما بدأت الأحداث تتوالى، فقد عجز النظام أن يمرر مقولة أن المتطرفين يقفون وراء هذه الأحداث، فكيف يمكن أن يكونوا هم المحرك للأحداث وقد تم القضاء عليهم!؟
إن حالة تونس، تشكل نموذجاً للتحولات التي يمكن أن تشهدها مجتمعات أخرى، وهي شبيهة بالتي شهدتها أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي في عقد التسعينيات من القرن الماضي، حيث كانت تسودها أنظمة دكتاتورية تعيش هاجس الأمن أكثر من هاجس التنمية، وتعادي الحريات العامة والخاصة، وتكبت شعوبها بقبضة حديدية، وإذا كانت أوروبا الشرقية قد تجاوزت تلك المرحلة إلى الديمقراطية والمشاركة، فإن هذه الحالة ما زالت قائمة في أكثر من دولة ومكان، كما أن حالة تونس تعتبر إحدى إفرازات ثورة المعلومات والتواصل الشبكي، وتأثير وسائل الإعلام العابرة للحدود.
لقد ضحى التونسيون بدماء أبنائهم من أجل استعادة حريتهم، ولذا لا يمكن فهم حركة الشعب التونسي على أنها حركة خبز بل هي حركة كرامة!!