سمير عطا الله

أوائل القرن الماضي كتب الدكتور فؤاد صروف في «المقتطف» ما يلي: «القمر هو الجرم الوحيد القريب منّا في الأجرام السماوية. وحتى القمر ليس قريبًا منا كل القرب على ما سوف نرى، فلنفترض بناء سكة حديدية خيالية من الأرض إلى القمر، فما هو الوقت الذي يستغرقه قطار سريع، سائر بسرعة أربعين ميلاً في الساعة للوصول إليه؟ إذا سار القطار 1000 ميل كل يوم، استغرقت الرحلة مائتين وأربعين (240) يومًا، أو نحو ثمانية أشهر من السير ليلاً نهارًا».


كان الدكتور صرّوف من مثقفي المرحلة، لكن مخيلته كانت مشدودة بمحدوديات وحقائق العلم. ولذلك تخيَّل قطارا، لا سفينة فضائية. وقياسًا بسرعات تلك الأيام أقصى ما وصل إليه هو سرعة الأربعين ميلاً. لكن عندما ذهبت السفينة أبولو إلى القمر عام 1969 كانت سرعتها 39.879 كلم في الساعة. إلى الآن هناك من يقول إن الرحلة إلى الجرم السماوي الأقرب إلينا لم تتم. لكن الثابت أن الإنسان حلّق أيامًا في مدار الأرض، وأن السفن الفضائية تبادلت الرواد الأميركيين والروس في ذاك الفضاء، وأن الأميركيين أرسلوا إلى المريخ جرمًا صناعيًا غير مأهول، راح يقفز فوق سطحه كالجنداب، ويرسل إلينا الصور من أنحائه على طريقة المهرة من المصورين الأرمن، الذين اشتهروا بهذه الحرفة في كل مكان، وكان أشهرهم عالميًا يوسف كارش، الذي أقام في أوتاوا والتقط الصور لكبار زعماء العالم.


لقد بلغ الإنسان الفضاء منذ عام 1961 ولم يتوقف حتى الآن عن سَبْر أغوار الكون الذي لا شكل فيه سوى جرم صغير. وقد أدّت تلك الرحلات إلى تطوير أدوات طبية كثيرة وأسلحة كثيرة ومناظير لا يتخيَّلها العقل، وعرّفتنا إلى مجرّات وأجرام لم يكن أحد قد تخيلها من قبل.


لا نعرف ما هو حجم الأموال التي صرفتها أميركا وروسيا وأوروبا والصين والهند في استكشاف العوالم الجامدة المحيطة بنا. لكننا نعرف أن الأموال التي صرفها هؤلاء في الأبحاث الطبية والزراعية قد أعفت البشرية من أخطار صحيّة وبيئية كثيرة. ولو أن المال الذي صُرف على الفضاء صُرف بدل ذلك على الأرض، لكان الفقر أقل، والأمراض أسرع شفاءً، والأطفال أكثر علمًا، والعبث في البيئة أقل فتكًا. كان سعيد عقل يقول: «إن أي اكتشاف علمي أعظم من ألف قصيدة». وأنا من الذين يعتقدون أن أمام البشرية ساحة واحدة للتنافس هي ساحة التقدم العلمي في سبيل الإنسانية.


لكن واحدنا يتساءل، ربما بسبب جهله العلمي، عن جدوى استكشاف الكواكب قبل أن نستكشف طاقات هذا الكوكب الأزرق الجميل، وقبل أن نساهم بأقصى ما لدينا من قدرات في تخفيف الفقر والقهر عن الشعوب المتناسلة بلا حساب. فلا يزال نحو 20 في المائة من الأميركيين يعانون من الفقر، وكذلك نحو 500 مليون صيني و500 مليون هندي، وملايين آخرين في كل مكان. وليت الدكتور صرّوف كان أكثر خيالاً وأقل علمًا، لأدرك أن «الوابور» الذي غنى له محمد عبد الوهاب «يا وابور قولّي رايح على فين»، لا يمكن أن يصل إلى القمر حتى في ثمانية أشهر. لا بد من عربة فضائية من أجل الرحلة.