استشراف المستقبل إحدى أهم أدوات التقدم والتطور في جميع النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والصحية وغيرها، وعليه أرى أن جل دول العالم والقطاع الخاص بأنشطته المختلفة سيركز بعد جائحة كورونا بصورة أقوى وفاعلية أكثر، على هذه الأداة الضرورية التي ستعود عليهم بفوائد جمة إذا ما أحسن استخدامها والتعامل معها، لتحجيم عنصر المفاجأة الذي أصاب جميع القطاعات في مقتل، والأرقام تشهد بذلك.
ذكرت سابقا أن الخطط الاستراتيجية على مستوى الاقتصاد الكلي أو الجزئي لن تكتمل أركانها، ولن تتحقق أهدافها المرجوة إلا بوجود مراكز معتبرة تقوم بصناعة دراسات مستقبلية استشرافية مبنية على بيانات ذات جدوى، يقوم بمعالجتها مختصون، فتنتج عن ذلك معلومات ذات قيمة تغذى بها هذه الدراسات، فتنعكس إيجابا على مخرجاتها ودقتها. الجدير بالذكر أن مخرجات الدراسات الاستشرافية ليست مسلمات ذات طبيعة جامدة، بل يجب أن تتصف المراكز المختصة بهذا النوع من الدراسات بالديناميكية ومتابعة المتغيرات التي تطرأ على مدخلات الموضوعات محل الدراسة دوريا، لتقييمها وتقويمها.
قطاع الطاقة بأقسامه المختلفة يجري عليه ما يجري على غيره، فاستشراف مستقبله -في اعتقادي- مهم جدا، بل ضرورة ملحة لجميع المنتجين والمستهلكين على حد سواء. في رأيي، أن انحراف مخرجات الدراسات الاستشرافية أو المستقبلية عما هو متوقع لا يفقدها موثوقيتها بالضرورة، فهناك عوامل طارئة قد تؤثر بشكل كبير في دقة المخرجات، ولعل النفط الصخري أحد هذه الأمثلة. مع بزوغ نجم النفط الصخري الأمريكي الذي أوجد له مكانا مؤثرا في معادلة النفط العالمية، قام كثير من مراكز الدراسات المستقبلية باستشراف مستقبله، فبالعودة إلى 2016 توقعت بعض الدراسات الاستشرافية أن يصل إنتاج النفط الصخري الأمريكي إلى 8.5 مليون برميل يوميا بحلول 2035، لكن فاجأ النفط الصخري الأمريكي كثيرا من المختصين والمهتمين، حيث بلغ إنتاجه 9.1 مليون برميل يوميا في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019! هذه الأرقام لا تدل بالضرورة على ضعف مراكز الدراسات المستقبلية في قراءة المستقبل واستشرافه، فكما ذكرت سابقا مخرجات هذه الدراسات قد تنحرف كثيرا عن الواقع، بسبب تغيرات فنية أو أحداث طبيعية أو أمنية أو تشريعات حكومية تطرأ وتؤثر بصورة حادة في دقة مخرجات هذه الدراسات.
ما يفقد الدراسات الاستشرافية موثوقيتها -في اعتقادي- هو مدخلاتها غير الموضوعية، التي تخضع لأجندات سياسية معينة، أو تعتمد على مصالح شخصية ضيقة، وما يتعرض له الوقود الأحفوري عموما والنفط خصوصا خير دليل على ذلك. بعد جائحة كورونا توقعت أن تخضع الدراسات الاستشرافية أو المستقبلية إلى مزيد من التمحيص، وأن يتم رفع جودة مدخلات هذه الدراسات، وأن تتسم أكثر بالموضوعية، وأن تنأى بنفسها "قدر المستطاع" عن المؤثرات السياسية والأجندات الضيقة، لكن واقع الحال أن كثيرا من مراكز الدراسات الاستشرافية وبيوت الخبرة العالمية التي كانت تتسم بالموثوقية والموضوعية فقدت كثيرا من مصداقيتها، بل أصبحت أداة سياسية تسعى بكل قوة لتقويض صناعة النفط والاستثمار فيها. هذه الجهات عليها تحمل مسؤوليتها الأخلاقية كعنصر رئيس ومؤثر في الحفاظ على أمن الطاقة العالمي، لا أن تكون معول هدم تسهم بصفاقة في دفع العالم إلى هاوية شح حقيقي للطاقة!
التعليقات