إيهاب الشاوش من تونس: تحتل مدينة القيروان منذ تأسيسها مكانة متميزة في تاريخ تونس، وفي التاريخ الإسلامي عامة، لأنها كانت منذ البداية مدينة العلم والفقه والإشعاع الديني. فالقيروان ظلت تمثل بالنسبة لتونس
لكامل منطقة شمال إفريقية مركزا للعطاء الروحي والفكري الذي أشعّ على منطقة المغرب، وإفريقيا ومنها انطلق الفتح الإسلامي إلى أوروبا شرقا وغربا. لقد بقيت القيروان حوالي أربعة قرون عاصمة الإسلام الأولى لإفريقية والأندلس ومركزا حربيّا للجيوش الإسلامية ونقطة ارتكاز رئيسية لإشاعة اللغة العربية...
و تتميز مدينة القيروان بخاصيتين فهي أول مدينة إسلامية أنشئت في شمال إفريقيا كما أنها حافظت على طابعها المقدس الذي تشهد عليه العديد من أماكن العبادة و المساجد و في مقدمتها الجامع الأعظم و مقام الصحابي أبي زمعة البلوي. و هناك أيضا أماكن أخرى لها مكانتها مثل بئر بروطة و مقبرة قريش و مقام سيدي عمر عبادة.
و تختزل هذه الأماكن الخمسة دون ان تستنفد تنوعها، الذاكرة المكانية و الزمانية للقيروان. التي تتفرع وفقا لترتيب متباين و تسلسلي إلى: أماكن تأسيسية (أسسها السلف) و أماكن لاحقة(أسسها الخلف). أماكن تقع داخل الأسوار و أماكن تقع خارج الأسوار، أماكن ذات مكانة رفيعة و أماكن متحفية.
الوحوش و الأفاعي تستجيب لنداء عقبة
وتبرز النصوص التي تروي و قائع تأسيس القيروان الذي وقع على مراحل، أسطورة التخطيط الأولى و هي أسطورة تهدف إلى ترسيخ الذاكرة و إضفاء القدسية على الأرض و التاريخ.
و إذا كانت المصادر تشير إلى أن الموقع الذي اختاره عقبة يعرف ب"كمونية"، فإن أسطورة التأسيس توحي بأن المدينة التي اختطها عقبة بنيت على ارض قفر. و تروي الأسطورة ان عقبة حين بلغ الموقع الحالي للمدينة و هو الموقع الذي نقل إليه معاوية بن حديح الجيش من المعسكر الأول (القيروان) الذي اختاره القائد في البداية، و جد نفسه في واد تكسوه الأشجار و تتخذه الوحوش و الأفاعي أوكارا لها. فأمرها عقبة الذي كان "مستجاب الدعوة" بالرحيل عن المكان و كرر الدعوة ثلاثة أيام متتالية و كان أن استجابت الوحوش و الأفاعي لندائه على مرأى من المقاتلين. عندها غرس عقبة رمحه في الأرض و صاح قائلا"هذه قيروانكم".
و تتحدث رواية أخرى لنفس الأسطورة نقلها المؤرخون العرب عن قرار عقبة بإيقاد النار في الغابة التي كانت تغطي الموقع الذي وقع عليه الاختيار و ذلك بهدف إيجاد مكان لبناء المدينة و كما حصل في الرواية السابقة اضطرت الحيوانات الضارية إلى الرحيل عن الموقع و تضيف الأسطورة انه حتى بعد انقضاء أربعين عاما على هذا الحدث لم يعثر أهل افريقية على أفعى و لا على عقرب واحدة.
أسطورة المحراب
تقول الأساطير أن الاتجاهات اختلطت على عقبة بن نافع و رفاقه من الفاتحين المسلمين فلم يتبينوا اتجاه القبلة و عندئذ تناهى إليه صوت دله إلى موضع القبلة الصحيح فأمر ببناء محراب الجامع الكبير الذي اختطه في ذلك الاتجاه.
واستنادا إلى هذه الرواية الأسطورية فإن بناء محراب عقبة يعود إلى سنة 670م على أن بعض المصادر التاريخية تشير إلى أن الأمير الأغلبي زيادة الله قد يكون خلال بنائه للجامع الكبير سنة 836م، أبدى رغبة في تدمير محراب عقبة إلا ان احد مهندسيه اشار عليه بإخفاء المحراب القديم بين جدارين حتى لا يرى، و يعتقد القيروانيون الذين بلغتهم الأسطورة بأن محراب عقبة المقدس مخفي خلف محراب زياد الله.
كما يعتفد البعض ان كل مسلم يمر بين العمودين الأحمرين الموجودين في اطار قبة بيت الصلاة تعفر ذنوبه و يضمن لنفسه مقعدا في الجنة.
الجامع الكبير بالقيروان
و بعيدا عن أساطير التأسيس الأولى، فإن بناء الجامع الأعظم يعود إلى زمن تأسيس المدينة على يدي عقبة بن نافع سنة 670م و بذلك يكون جامع عقبة أول مبنى أقيم في القيروان و تلته دار الإمارة و النواة الحضرية الأولى التي قسمت إلى "خطط" حسب الانتماءات القبلية.
و يتميز الجامع الكبير بالقيروان الذي خضع للعديد من عمليات إعادة البناء و التهيئة على مر العصور، بصرامة طرازه المعماري الذي يذكر بالوظيفة العسكرية و الدينية لهذه المدينة. كما يجسم جامع القيروان الفخامة المعلمية الإسلامية في إفريقية و في تونس الحالية، وهو أقدم معلم في الغرب الإسلامي و النموذج الذي تم اقتفاؤه في بناء أماكن العبادة في بلاد المغرب و الأندلس.




التعليقات