ايلاف: مسرحية quot;الذي ظل في هذيانه يقظاًquot; عن قصيدة طويلة للشاعر عدنان الصائغ وومضات شعرية للشعراء: مظفر النواب، يوسف الصائغ، عبود الجابري. إخراج: غانم حميد إعداد: احسان التلال تقديم الفرقة القومية للتمثيل على خشبة مسرح الرشيد في بغداد - 1993.
كتب الناقد د. فاضل ثامر مقالا اثر عرض المسرحية بعنوان / جدل الشعري والدرامي في المسرح quot;بنية الهذيانquot; بين عرضين مسرحيين / ونشره في جريدة quot;الثورةquot;. بغداد ndash; الصفحة الثقافية 9/8/1993. وفيما يلي نصه:
مسرحية quot;الذي ظل في هذيانه يقظاًquot;، التي قدمتها دائرة السينما والمسرح ndash; الفرقة القومية للتمثيل، المستمدة من قصيدة للشاعر عدنان الصائغ والتي أعدها للمسرح احسان التلال وأخرجها غانم حميد، هذه المسرحية تحرّض ذاكرتنا للعودة إلى عرض سابق قُدم قبل نحو أربع سنوات للمجموعة ذاتها تحت عنوان quot;هذيان الذاكرة المرquot; لأن العمل المسرحي الجديد يمثل استئنافاً للتجربة الدرامية التي ولدت داخل العرض المسرحي الأول. كما يكشف العرضان عن رؤية حياتية وفنية متقاربة ومتكاملة إلى حد بعيد. ويطرحان بعض الأشكاليات الخاصة بعلاقة الشعر بالدراما ومسألة الإعداد المسرحي وحرية المعد والمخرج في اعادة تأويل النص الشعري ومسرحته.
فمن المعروف أن جدل الدرامي والشعري جدل اشكالي، فالدرامي موضوعي بطبيعته ومحتشد بالأصوات الغيرية المستقلة والمتصارعة، بينما الشعري في الأصل غنائي احادي الصوت.. فكيف يتسنى للشعري أن يكون الأداة للتعبير عن فعل درامي ممتليء؟ تلك الإشكالية سجلت بشكل خاص في بروز (الدراما الشعرية) بشكل أخص، وفي حضور (الشعر داخل المسرح) حسب تعبير جان كوكتو بشكل أعم، وفي الإنحسار التدريجي لبقاء (الدراما الشعرية) جنساً مستقلاً وعودة النثر، أداة ووسيطاًإالى عالم الحوار المسرحي. وإن ظل الشعري واضحاً بوصفه رؤية أو موقفاً داخل البنية الدرامية الحديثة.
لقد ظل الشعري على الدوام يحاول استدراج التجربة الدرامية إلى ميدانه الخاص: الغنائية، المخيلة الحرة الجامحة، تألق اللغة بوصفها غاية وهدفاً، سلسلة الإنزياحات التي يكون بجوهرها الجوهر الاستعاري بمفهوم جاكوبس للخطاب الشعري في الجوهر الكنائي وتكون نتيجة ذلك أن يعلو صوت الشعري على الدرامي فنسمع في المحصلة النهائية ndash; في الغالب - شعراً فوق خشبة المسرح. أما الدرامي فيحاول بدوره أن يروّض مخيلة الشعر ولغته وانزياحاته وأن يكبح جماحه. ولعبة التوازن القلقة هذه بين الشعري والدرامي ربما هي التي حسمت العلاقة بين الشعر والدراما وجعلت الدراما تقترب أكثر من النثر: الأداة الطيّعة والطبيعية الملائمة للتجربة الدرامية في عصرنا بينما ظلت الدراما الشعرية ميداناً صغيراً للمغامرين من المبدعين الذين لا يخشون مخاطر هذه اللعبة..
ولكن ما الذي تحقق في مسرحية quot;الذي ظل في هذيانه يقظاًquot; وقبل ذلك في مسرحية quot;هذيان الذاكرة المرّquot; وكيف تحققت علاقة الشعري والدرامي بين شاعر هو عدنان الصائغ ومعد مسرحي هو احسان التلال ومخرج هو غانم حميد.
عدنان الصائغ من شعراء الثمانينات الشباب المبدعين القلائل شعره مشتبك بالحياة، ممسك بتلابيبها. إنه شعر يزخر بالفعل والحركة والصراع وهو يلصق داخل متن الشعري مشاهد درامية مصغّرة يقتنصها من نهر الحياة وهي مشاهد ضاجة بحشد الأصوات الغيرية المتشابكة. عدنان الصائغ شاعر أرضي دنيوي ملتصق بالقاع الأسفل في الحياة حتى ليبدو شعره أحياناً قاسياً وفجاً ومريراً وقد طرد من ساحته وإلى الأبد ربات الشعر والغناء وقص أجنحتها الحريرية الرقيقة.
من هذا الكون الشعري الضاج بدأ المعد إحسان التلال عملية إعداد وترويض شعر عدنان الصائغ وإعادة صياغته بعمل درامي جديد. وهو جهد لا يمكن الإستهانة به فهو يكشف عن قدرة تأليفية عالية لأنه في واقع الحال لم يروّض نصاً درامياً شعرياً بل استلهم الفضاء الشعري لنص شعري غنائي خالص. ولم ينتزع منه سوى رؤيته العامة ولغته الشعرية وظل مسؤلاً عن البنية الدرامية بكاملها ويبدو أن الرؤية الإخراجية للمخرج الشاب غانم حميد هي ذات تأثير فعّال في إعادة صياغة العرض المسرحي وفق آليات متجددة.
شخصياً لا أنظر إلى هذين العرضين المسرحيين بوصفهما ينتميان إلى ميدان الدراما الشعرية بل بوصفهما ينتميان إلى الدراما التي تتكئ على النص الشعري في حدود معينة وإذا ما كان المعد قد اتكأ كثيراً على الشعر في المسرحية الأولى، فقد كان في المسرحية الثانية أكثر اتكاءً على الدراما من الشعر. وإذا ما كانت المسرحية الأولى أقرب ما تكون إلى تجربة (القصيدة الممسرحة) فأن المسرحية الثانية هي عمل درامي خالص.
كيف عامل المعد احسان التلال والمخرج غانم حميد هذين العرضين المسرحيين؟
تنهض فكرة العرض المسرحي الأول من لحظة معينة ومحدودة، تلك اللحظة التي تنطلق فيها اطلاقة القناص نحو عبد الله. وتنتهي في اللحظة التي تصل فيها هذه الإطلاقة إلى عبد الله وتجعل منه شهيداً. فأية مخيلة جريئة تلك التي حاولت أن تجمّد حركة الزمن هذه وتفتحها على سلسلة من الاستذكارات الهذيانية الحرة التي رسمت مشاهد من حياة البطل عبد الله اليومية الماضية وأحلامه المؤجلة والموؤدة.
في المسرحية الجديدة quot;الذي ظل في هذيانه يقظاًquot; استئناف للفكرة الدرامية السابقة ولكن على مستوى أشمل وجماعي. حيث يتجمد الزمن قبيل اللحظة التي يسقط فيها صاروخ معادٍ مفجراً سلسلة جديدة واسعة وحرة من هذيانات عبد الله وعلاقته المباشرة بالقناص الذي يتحول إلى رمز شامل لازمني، متبدل، وحاضر دائماً في كل زمان ومكان.
في العرض المسرحي الأول quot;هذيان الذاكرة المرquot; كنا أمام تجربة حسية محدودة ومعينة. فهناك حرب معينة وقناص معين وكان عبد الله الشهيد حاضراً بانتظار وصول الرصاصة التي أطلقها القناص نحوه. أما في العرض المسرحي الثاني quot;الذي ظل في هذيانه يقظاًquot; فقد اكتسب المشهد شمولية وترميزاً. فالحرب أصبحت رمزاً مجرداً لكل حرب في كل زمان ومكان، وأصبح القناص رمزاً شاملاً لكل قناص، وقاتلاً محترفاً يمارس مهنة القتل الفردي والإبادة الجماعية عبر التاريخ الحسي. عبد الله في هذه المسرحية يخرج من مساحة الحسي واليومي والتسجيلي إلى رحاب التاريخي واللازمني فهو دائماً ذلك الشهيد عبر التاريخ الذي يجد أمامه (قناصه) الخاص الحاضر دوماً لارتداء أزياء كل العصور. لكن عبد الله يظل في المسرحيتين يستثمر هذه البرهة الوجيزة المجمّدة من الزمن ndash; بين لحظة انطلاقة الرصاصة ووصولها ndash; لكي يهذي بذكرياته وأفكاره وماضيه ndash; برابط حيناً وبلا رابط حيناً آخر- ومن حركة حرة ومرنة توافق آلية فعل الهذيان سيكولوجياً حتى ليمكن الحديث عن (بنية هذيان) تتحكم في العرض المسرحي بكامله. وهي بنية لها ما لها وعليها ما عليها. فهي من ناحية حرة وغير مقيدة بحركة خطية للزمان أو بالتزام بالوحدات المكانية وبنمو الأفعال وسببيتها وهي من ناحية آخرى عرضة للترهل والتراكم والتنضيد غير المحدود وغير المنضبط بحركة درامية خطية متصاعدة وموحدة مما يؤدي إلى امكانية الإسراف في تنضيد مشاهد الاستذكار الهذياني بلا حدود، على حساب الاقتصاد والتركيز فيما هو جوهري ومترابط، وهذا ما حدث فعلاً وبشكل خاص في بعض مشاهد quot;الذي ظل في هذيانه يقظاًquot; حيث كان بالامكان حذف أو تركيز بعض المشاهد المستلة من الماضي وبالذات من مدة الطفولة والصبا ضماناً لوحدة العرض المسرحي وانضباطه.
لقد لمست بوناً هائلاً في الرؤية الإخراجية بين العرضين الأول والثاني فقد كانت الرؤية الإخراجية والتقنيات الموظفة في العرض المسرح الأول quot;هذيان الذاكرة المرquot; محدودة ومتواضعة.
ثمة قناص قابع في مكان عالٍ في المسرح وهناك عبد الله الذي ينتظر وصول الرصاصة وليست هناك اضافات اخراجية كبير. وظلت لغة الشعر هي المهيمنة. في مقابل خفوت الصراع الدرامي. وكانت هناك على الدوام حالة تفجع عميق تصل حتى السوداوية وتقترن أحياناً بعاطفية ميلودرامية متطرفة.
أما في العرض الحالي quot;الذي ظل في هذيانه يقظاًquot; فقد كشف المخرج عن نضج كبير، وعن فهم طيب لحاجات العرض المسرحي التجريبي. فلم يعتمد على وسائل أو تقنيات محدودة، وانما أدخل عناصر اخراجية وسينوغرافية واسعة ومتنوعة. ومنها استخدام حركة المجاميع وخلق التابلوهات الحية. ومرونة المرصد العالي المتحرك للقناص ومشاهد (الستوب كادر) اضافة إلى الإنارة والمؤثرات الصوتية وبناء الحبكات الثانوية والمشاهد الجزئية، والرقصات الايقاعية المنظمة، وتوظيف الحوض الذي ذكرنا بحوض المخرج ناجي عبد الامير في مسرحية (الخادمات) لجان جينيه، وتوظيف المشاهد الصامتة (البانتوميم) واستخدام اللافتة السياسية وقرع الطبول وحركة الجنود التي تكّون مفارقة مع حركة النادبات اللاطمات، يقظة الميت وعودته إلى الحياة ndash; التي تذكرنا بمسرحية (انهضوا أيها الموتى) لاروين شو ndash; وغير ذلك..
لقد اكتشفنا أثناء مشاهدة مسرحية quot;الذي ظل في هذيانه يقظاًquot; أننا أمام معد مسرحي ذكي، هو احسان علي التلال، يمتلك قدرة طيبة في التأليف والإعداد. وأهم من ذلك أننا أمام مخرج شاب واعد، هوغانم حميد. استطاع أن يكشف عن تطور مدهش في الرؤية الإخراجية وفي استخدام تقنيات العرض المسرحي.
واخيراً فقد كنا أمام فريق عمل متماسك أسهم في ضمان تكامل العرض المسرحي على مستوى الإضاءة والديكور والمؤثرات الصوتية وبقية عناصر السينوغرافيا وهو أمر نادر في هذه الأيام.
[انتهى مقال فاضل ثامر]




التعليقات