بعض الجهات الحكومية والصحافة الموالية للدولة في تركيا تحاول الربط بين العملية العسكرية لمقاتلي حزب العمال الكردستاني (ب ك ك) في اسكندرونة والتي ذهب ضحيتها ستة جنود اتراك وبين اسطول المساعدات الإنسانية الى غزة. العملية العسكرية تلك وقعت قبل ساعتين من بدء تحرك الأسطول بإتجاه غزة. الإدعاءات تتهم الجانب الكردي بعرقلة حركة الأسطول بالتنسيق مع اسرائيل.

الحرب بين المقاتلين الكرد والجيش التركي مضى عليها ربع قرن. خلال 25 عاماً كان الجيش التركي غارقاً في نعيم الإستفادة من التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلة المتطورة لاسيما في مجال طائرات التجسس بدون طيار. في نهاية هذه المدة الزمنية تلك وقعت حادثة واحدة، أي الهجوم على اسطول المساعدات، بالتزامن مصادفةً مع خلاف وقع بين تركيا واسرائيل لتصبح هذه الحادثة quot; دليلاً قاطعاً على التعاون الإستراتيجي بين حزب العمال الكردستاني واسرائيلquot; على حد زعم الحكومة التركية.

هذا يدل على مدى الإستهزاء والإستهتار بعقل ومنطق الإنسان وبالدرجة الأولى المواطن البسيط. المنطق والتفكيرالتركي إزاء أي أمر يتعلق بالكرد هو الأساس الذي جعل من القضية الكردية تصل الى درجةٍ تهدد بإنفجار حرب أهلية في تركيا.

السيد سزكين تانري كولو الرئيس السابق لمجلس الحقوقيين في دياربكر والناشط الكبير في مجال حقوق الإنسان قال في مقابلة صحفية: هناك 200 ألف عسكري تركي في المنطقة الكردية بشكل دائم. إذا ضربنا هذا العدد في 25 أي سنوات الحرب،فإننا نجد أن حوالى ستة ملايين عسكري قد أقاموا في تلك المنطقة ودخلوا في معارك مع القوات الكردية وفي ظروف قاهرة. هؤلاء الملايين من الجنود يحملون الحقد وروح الإنتقام ضد الكرد وذلك بسبب أهوال الحرب المعروفة التي خبروها، ثم ينشرون سموم تلك الأحقاد في مجتمعاتهم عند الإنتهاء من الخدمة العسكرية. هذه الأوضاع الشاذة التي خلقتها الحرب في ربع قرن أدت الى شحن الأجواء بالكراهية بين المكونين الكردي والتركي، حيث أن إشعال حرب أهلية بات متوقعاً في المستقبل لاسيما في غرب تركيا.

السبيل الوحيد لدرء حدوث مثل هذا السيناريو مرتبط بحزب العدالة والتنمية وحزب العمال الكردستاني. هذان الحزبان هما أكبر الخاسرين في حال إستمرار الأوضاع على ما هي عليه الآن. العدالة والتنمية سيفقد السلطة في الإنتخابات القادمة بالرغم من النجاحات الكبيرة التي حققها في قطاعي الإقتصاد والشؤون الخارجية، بينما خسارة حزب العمال الكردستاني ستكون في وصول العنصريين ورجال الدولة السرية الى الحكم وغياب فرص حل القضية الكردية سلمياً.

حزب العمال الكردستاني وقاعدته الجمايرية الواسعة ترى أن لاحل للقضية دون موافقة الزعيم الكردي عبدالله اوجلان المسجون في سجن إمرالي، حيث انه الوحيد الذي يمكنه إتخاذ القرارت الصعبة، بينما رجب طيب اردوغان يخشى من خسارة ناخبيه ذوي النزعة القومية الإسلامية.

كثيرون من أصحاب الرأي المحايد من الصحفيين ورجال الفكر وانصار منظمات المجتمع المدني يرون أن الأنسب هو إدخال السيد اوجلان على الخط بشكل غير مباشر، ومطالبة السيد اردوغان بالتحلي بالجرأة في إتخاذ مثل هذا القرارالصعب الذي يتعلق بمصير الكيان التركي ككل. بل هناك من يؤكد أن مثل هكذا قرار سيجلب المزيد من أصوات الناخبين المعتدلين الى جانب حزب اردوغان. الشعب سئم من حالة الحرب الطويلة وقوافل القتلى والمعاقين بالإضافة الى الخسائرالإقتصادية الهائلة.

العديد من حركات التحرر وزعماؤها وسموا بالإرهاب من قبل الخصم ولكن الحقيقة ظهرت لاحقاً. الصحافة التركية الليبرالية ترى أن لا فرق بين الزعيم الافريقي نلسون مانديلا سابقاً والزعيم الكردي عبدالله اوجلان حالياً.

لا أظن أن حزب العمال الكردستاني سينخدع بوعود اسرائيل حيث أن هم تل أبيب الوحيد هو عودة العسكر والدولة السرية في تركيا الى مواقفهم التي فقدوها في السنوات الماضية. السيد اردوغان وحزبه أيضاً يتحملون نفس المسؤولية إذما حدثت تحالفات جديدة غير مرغوبٍ فيها في حال عدم الجلوس مع السيد اوجلان وحزبه لحل أكبر مشكلةٍ أمام تركيا لتصبح دولةً كبرى.

الدماء تسيل.....والقرارصعب...ولكن لا بد للزعماء من تجرع السم كدواء أحياناً...

طبيب كردي سوري السويد
[email protected]