الفضائح على اختلافها مصدر مهم لاخبار الصحافة الغربية، وقيمة الفضيحة ترتفع في اعين الجماهير اذا ارتبطت بالسياسة وشخصياتها، اما في العالم العربي فلا يجـرؤ الصحافي على ارتكاب فضيحة سياسية الا بعد حصوله على ضوء اخضر او حماية من نافذين، او على الاقل دعم من شخصيـــات اجتماعية او اقتصادية لها وزنها واحترامها، وفي السياسة قد يكون موضوع الفضيحة تجاوز في استخدام السلطة ومن الامثلة فضيحة quot;ووترغيتquot; للرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون، او ربما تعلق باخلاق السياسيين كما حدث مع الرئيس بيل كلينتون ومونيكا لوينسكي.

الصحافة غالبا وفي دول كثيرة تركز على فضائح استغلال رجـال السياسة لسلطـــــاتهم و قضايا الرشوة والفساد الاداري، وكل ما يدخل في خانة العمل السياسي العام ولا تحشر انفها في خصوصياتهم الا نادرا او بفعل فاعل، والملفت ان الفضائح العامة للمسؤولين العرب قابلة لـquot;الترقيعquot; مهما بلغت ضخامتها، ولا يترتب عليها في معظم الاحيان استقالات او تحقيقات او اي تصرف يمنع تكرارها، وفضائح السياسة الغربية مثلما يقول جون تومسون في كتـــــابه: الفضيحة السياسيـــة (2000) ظاهرة صحية تكرس الوظيفة الرقابية للصحافة. وبالتالي فالفضيحة وسيلة من وسائل الضبط الاجتماعي، وهي في صورتها المتداولة غربيا، تهتم بالشخص المعروف وسمعته وسلوكياته، و لا تنظر في خطه السياسي او الايديولوجي او المصالح التي يدافع عنها، وفضيحة واحدة كافية لالغاء تاريخ طويل من الانجازات الكبيرة والمشرفة.

ايضا تعتبر النزاهة والامانة والاخلاق، مقاييس للحكم على صلاحية السياسيين في الديموقراطيات الغربية، بينما يؤخذ بالمزاج والمعــرفة والعلاقة وquot;فزعات الحبايبquot; كقيــــــم معتبرة وحاسمة في بعض حالات quot;التنصيبquot; للسياسيين العرب، والصحافة ضرورية لاثبات الفضيحة السياسية او الاجتماعية او الاقتصادية، ومن ثم تحريك الرأي العام والمؤسسات الرسمية والأهلية لمعالجتها اوالتعامل معها، وكــلام المجالس او مواقع الاعلام الاجتماعي والمنابر المشابهة على الانترنت، تأثيرها محدود، والفارق بينها وبين الصحافة مع ان الانتشار وارد في الحالتين، ان الثانية لها مصداقية ومصادر واضحة يمكن الرجوع اليها، ويعتقد جيمس لول وستيفن هانيرمان في:البحث عن فضيحة (1997) ان الفضائح لا تنشر لاثارة الجمهــــور فقط، وانمـــا تنطوي على ممارسة عمليــــة لمسؤوليات الصحافة كـ quot;سلطة رابعةquot; وفي رأيي، الفضيحة مناسبة لاختبار سقف الحرية المتاح في اي بلد، و درجة تقبل المجتمع السياسي او غيره للنقد، وحــدود المسموح والممنوع في الطرح الاعلامي، وفي الوقوف على quot;الفروقات العشرةquot; بين مثاليات السياسية وواقعها الرديء والبائس، ولعلها اضافة لما سبق محطة معقولة لرصد التناقضات التي تعيشها المجتمعات ايا كانت.

الفضيحة الصادقة والمحايدة طموح مشروع لاي صحافي او ناشط في المجال الإعلامي، والمشكلة ان تعريفهـــا غيـــــر ثابت، فما يصنف على انه فضيحــــة في ثقافة قد لا يكون كذلك في ثقافة اخرى، ومن الشواهد البديهية، علاقات النساء العاطفية خـــارج مؤسسة الـــزواج او قبلها تحديدا، وطــــريقة التعاطي معها في الشرق والغرب، ونشر الفضائح الجنسية للمشاهير مقبــول في اوربا و في الولايات المتحدة، الا ان التناول الامريكي لها يتم بحذر ولباقة، وبالذات مع المشهور من رجال او سيدات السياسة، والهامش في الحالة الامريكية قد يتسع اذا كانت القيمة الاخبارية للفضيحة مرتفعة، او فيها كشف لتجاوزات موثقة ويصعب السكوت عليها، وبشرط ان لا تكون اسرائيل طرفا فيها، في المقابل تمتاز بريطانيا بردود افعالها السريعة وعلى المستويين الرسمي والشعبي حول ما ينشر او ينقل من فضائح، وعدد لا بأس به من الوزراء فيها استقال بسبب فضيحة تخصه تناولها الاعلام، وبريطانيا لا تقبل المقارنة بامريكا تحت اي ظرف، ولا حتى بفرنسا او المانيا، والمذكورة اخيرا تعطي حصانة مغلظة لحياة السياسيين الخاصة ضد تدخلات الصحافة، والحصانة الالمانية لا تتوفر في بقية الديموقراطيات الغربية، والالمان في الحقيقة محسودون عليها، والمفروض ان تستفيد الدول العربية منها وتستخدمها كنموذج رائد وشماعة لشرعنة تكميم الافواه، و يرى العارفون بان السكوت افضل حل لادارة الفضيحة، لان الأخذ والرد ومحاولات الاقناع او التوضيح، في اعتقادهم، قد تمنح الصحافة فرصة طرح تفاصيل جديدة وحساسة، او اضاءة زوايا لم تكن على البال.

قبل الختام اقول بان الفضيحة ليست دائما نظيفة المقصد ومنزهة وتعمل لرعاية الصالح العام، والاعتقاد بهذا فيه quot;طيبة زائدةquot; و quot;عبطquot; و quot;بلاهةquot; لانها قد تستثمر لخدمة دول او احزاب او فئات، واهل السياسة ليسوا ملائكة ولا شياطين بل quot;ملاطينquot; وقد يمررون الفضيحة الى الاعلام للاساءة الى منافسيهم او المختلفين معهم او لرفع اسهمم وتسجيل نقاط موجعة ضد اخرين، والسابق معتاد ومتعارف عليه عربيا، والقاعدة العربية العتيدة تؤكد باستمرار انه كلما قل نفوذ او تأثير السياسي او المشهور كلما تراجع احترام الصحافة لخصوصياته او اخباره عموما والعكس صحيح...!


binsaudb@ yahoo.com