ما أن نشرت إيلاف مقالتيلماذا يخشى المسلمون من إخضاع الإسلام لمنهج البحث العلمي؟حتى إنهالت علي التعليقات من كل صوب ومن كل المتعصبين.. سواء المسلمين أو المسيحيين.. وكالعاده الثابته كل يجرّح في عقيدة الآخر.. ولكن أطرف ما وصلني على بريدي الإلكتروني الخاص.. تعليق من صحفي أعرفه.. يقول لي وبمنتهى الحده quot; الإسلام لا يخضع quot; وأنه لن يستقبل بريدي الإلكتروني بعد.. لأنه كلام عجائز.
لفت نظري في البعض من التعليقات التي قرأتها......
it is very dangerous to inspect Islam because if proved wrong we will lose our identity
بمعنى خطورة أي بحوث علميه في الإسلام.. لأنه إن ثبت خطؤه فسنفقد هويتنا..

سيدي القارىء..
ينقسم العالم الحالي إلى قسمين.. قسم يؤمن بنزول الأديان.. وقسم قليل لا يؤمن بالأديان.. ويعتقد أنها من صنع الإنسان الرجل وخياله في ظل ظروف معيشيه بدائيه عجزت عن التفسير المنطقي للظواهر الطبيعيه.. إضافة إلى مسؤوليته عن إطعام حواء في ظل هذه الظروف الصعبه.. دعته لإختراع الآله لتأمر حواء بما تشتهيه نفسه من تحجيمها وإستباحة ما يراه متناسبا مع مصلحته.. وسيطرته عليها..ولكن وفي القرن الحالي.. حين تعرّف الإنسان من خلال القنوات الفضيه على أن هذا العالم لا يقف عند حدوده الجغرافيه بل يتعداها إلى عالم متشاسع الأطراف يعج بشعوب مختلفه.. وأديان.. وطقوس.. كل يعتقد أنه الأوحد والأصلح و أكتشف العالم بأجمعه وجود ديانات متعدده تتفاوت فيما بينها تفاوتا كبيرا من حيث إختلاف الإله من بقعة إلى أخرى وإختلاف متطلباته وطقوس تعبده من شعب إلى آخر والأهم كيف تعايشت الأديان مع الثقافات والعادات بترابط يصعّب من الفصل بينهما ليصبح كلاهما متجذرا في نفوس معتقديه بأنه هويته في عالمه المحدود.

أما مدى صحة الأديان أو خطؤها فهو لا زال وسيبقى أمرا غيبيا مرتبطا بالإيمان الغيبي.. ومدى تجذّر الإيمان الروحي.. لكنني أؤمن بأن عمق تديننا في أي منها هو الذي يجب أن يدفعنا إلى تفهّم وإحترام الأديان الأخرى مهما تعارضت مع عقيدتنا وديننا.. وأن الأنبياء بدون إستثناء بشر مثلنا ولكن عظمتهم تكمن في الرساله الأخلاقيه التي حملوها لشعوبهم لأهداف نبيله تتصل بتنظيم المجتمعات وحقن الدماء بين البشر في ظروف حياتيه شاقه..

وفي الأديان الإبراهيميه الثلاث.. يبدو الأخذ من بعضها جليا واضحا..فيما عدا اليهوديه التي تعتبر الديانه الأولى.. تلتها الديانه المسيحيه والتي تعتبر مكمّله لليهوديه.. ثم الإسلام والذي يعتقد المسلمون أنه خاتم الرسالات الثلاث.. ومن المعروف بأنه كان في الجزيره العربيه قبل ظهور الإسلام عدة أديان..الحنيفيه والتي يعتقد الكثير من الباحثون بأن قصي بن كلاب الجد الخامس للنبي مؤسسها - اليهوديه - المسيحيه ndash; الصابئه ثم الدهريون.
ولا بد من أن يكون التأثر بهذه الأديان جميعها أثرى أو أفقر الهويه العربيه.. تبعا للتجربة الشخصيه للأفراد...
.. فلا أحد يستطيع إنكار أن القس ورقه بن نوفل عم السيده خديجه (رضي الله عنها وأرضاها ) كان المعلم الأول للنبي محمد quot;سلام الله عليه quot; وأنه ( النبي quot;سلام الله عليه ) لا بد أن تكون هويتة (سلام الله عليه ) قد تأثرت ببعض تعاليم المسيحيه واليهوديه التي كان ورقه بن نوفل خبيرا بهما.. وهو ما نراه واضحا في السور المكيه.. والتي تختلف إختلافا عميقا عن السور المكيه. إضافة إلى تأثر الإسلام بالديانات الأخرى التي كانت موجودة في الجزيره العربية.

أيضا ما لا يجب أن نغفله أنه وبرغم بعد المسافات في الماضي السحيق. إلا أن هذا البعد لم يمنع من شيء من التواصل الحضاري بين الشعوب عن طريق التجار والرحاله كما في رحلة النبي ( سلام الله عليه ) الأولى إلى بلاد الشام.. وكما هو متعارف عليه بأن السفر يؤدي إلى المعرفه ولو البسيطه بعادات وديانات الشعوب الأخرى ومن خلال رواية قصص تلك الشعوب لابد من تأثر الهويه الشخصيه بها إما سلبا أو إيجابا.. و الأخذ منها..
أيضا وجود حضارتين عريقتين بجوار أرض الجزيره (الرومانيه ndash; والفارسيه والتي منها سلمان الفارسي ) لا بد من أن يكون قد أثرى العرب والمسلمون فيما بعد ببعض المفاهيم والأفكار عن طريق سلمان الفارسي والذي قال عنه النبي سلمان منا أهل البيت.
من التحليل السابق نستطيع القول بأن الهويه لا تذوب وتتلاشى ولكنها وبالتأكيد تتأثر وترتقي بالمعرفه وبالعلم وتغتني بالإختلاط مع الشعوب الأخرى..خاصة في حالة الزواج المختلط والذي يحدث بكثره في القرن الحالي بين جنسيتين مختلفتين في حال نجاحه.. ومن خلال التعرف على ثقافة جديده يرتقي بالهويه الأصليه ويثري العلاقه الزوجيه.. والأهم أن المولودون من زواج مختلط يغتنوا باللغتين.. سنجد أن لديهم مرونه وقدره على التعامل مع الآخرين بمنظور إنساني أعمق..

إن الربط المطلق بين الهوية والديانه.يؤدي إلى إجحاف أحدهما بالأخرى في ظروف معينه.. خاصة إن وقفت هذه الهوية الدينيه المتزمته كعقبه في طريق التعايش في مجتمعات جديده.
وفي عالم اليوم لم تعد الهويه ثابته بل متجدده على الدوام تبعا لتغيّر الظروف البيئيه المحيطة بها..

ألا أنه ومن المؤكد أيضا أنه و حين يشعر الناس بأن إيمانهم مهدد.. فإن الخوف يدفع بعضهم إلى إختصار وإختزال كل المعاني الأخرى للهويه وإختصارها جميعها بالتأكيد والعودة القويه إلى الإنتماء الديني..بدون وعي بأن التعايش السلمي من جوهر الأديان..
إن التطور المتسارع في العشربن سنة السابقه.. قد جعل من العديد منا مهاجرين مضطرين أم راغبين بخيارنا هذه الهجره..وبالتالي تصبح مسؤولية فقهاء الدين سواء داخل الأوطان البعيده أم خارجها المشاركه بإخراج مهاجريهم من أسوار سجن الهويه المحدوده بتشجيعهم على الإندماج والإختلاط والتعرف إلى ثقافة البلد المضيف لأنه لا يتعارض مع قيم الدين الروحيه ولا مع جوهره..
في هذا القرن المنفتح الأطراف.. وفي ظل رخاء مادي مترافق مع أمان إجتماعي.. بدأت
تظهر إلى الوجود هوية جديدة تفوقت على كل ما عداها من الهويات سواء الهويه القوميه أو الهويه الدينيه.. وهي الهويه العالميه.. التي تحتضن جميع الهويات الأخرى معلية الرابط الإنساني بين كل الهويات المختلفه على أي إنتماء آخر..

قد تندثر الهويه الأصليه في بعض الحالات القصوى كما في حالات التهديد الوجودي أو التهديد الحياتي كما حدث حين هاجم الهندوس في الهند قرية مسيحيه وخيروا سكانها بين التحول إلى الديانه الهندوسيه أو الخروج من قريتهم..
أيضا لا أحد يستطيع إنكار أن العديد من شعوب الدول التي فتحها المسلمون و تحولوا إلى الإسلام تفاديا لدفع الجزيه.. ومع مرور الوقت إندثرت هويتهم الأصليه في هويه إسلامية جديده..
ولكن ومهما كانت قسوة تلك الحالات فسنجد قطعا من يحاول الإحتفاظ بشيء من هذه الهويه داخل أسوار الأمان التي يشعر بها كما في منزله.. فيبقى محافظا على شيء من هويته الأصليه.. في الموسيقى.. أو الأكل الخاص..وهي خاصيه إيجابية لجزء من مكونات الهويه.. أما مكونات الهويه الأخرى والتي تحمل كراهية الاخر.. وضد الآخر المختلف.. فهي قنابل موقوته يجب تفريغها وإلا فإن نتائجها الكارثيه ستصب علينا جميعا..
إن إعلاء الهويه الإنسانيه على أي هوية محدده سواء دينيه أم قوميه ستكون العلامه الفارقه للقرن المقبل.. فإما أن تتجه شعوب العالم إلى تعايش سلمي ينبع من إيجابيات الأديان.. وإما صراع هويات وأديان سيخرج منه الجميع خاسرا إن لم يكن ميتا!!!

باحثه وناشطه في حقوق الإنسان