لعل سمة ( النفاق ) الفاقع تظل من أبرز الصفات المتوارثة تاريخيا عن المواقف السياسية و الإجتماعية الفاصلة و الحاسمة في العراق، و يمكن إعتبار ذلك التصنيف الخالد الذي صنفه الشاعر الأموي الفرزدق للإمام الحسين ( رض ) حول موقف أهل الكوفة من قدومه بعد أن أستدعوه ليبايعوه و يقدموا له الولاء و النصرة بدلا من يزيد بن معاوية و القائل بأن أهل الكوفة (قلوبهم معك، وسيوفهم عليك)&وهو التحذير الذكي و الذي تحققت مصداقيته من خلال غدر أهل الكوفة بالإمام و أهل بيته و تعرضهم للتصفية الشاملة في مجزرة الطف الشهيرة، هو التصنيف الحقيقي و المعبر عن الطبيعة القاتلة لتلك المواقف المنافقة!
ورغم صحوة الضمير و محاولة التعويض عن الخذلان عبر حركة التوابين و المختار الثقفي إلا أن ماحصل من غدر قد لطخ وجه التاريخ!! و أضحى مثالا على الغدر و النفاق وعدم الإيفاء بالوعود، وليس غرضنا بالقطع نبش تلك الصفحات السوداء من التاريخ، بقدر مانود الإشارة إلى الإحتمالات و الترجيحات الغريبة التي أكدت و مبكرا إعادة فوز نوري المالكي و إئتلافه الفاشل عمليا في نيل غالبية الأصوات الشيعية العراقية!!
رغم أن السيد عمار الحكيم زعيم كتلة ( المواطن ) التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإيرانية في العراق، و التي تصرفت منذ البداية على إعتبار كونها البديل الرسمي و الشرعي المضمون لإئتلاف المالكي و حزبه الدعوي، وكانت تصريحات عمار الحكيم و تنظيراته و تحليلات كبار ورموز تنظيمه كباقر صولاغ و غيره تصب على إعتبار كتلة المواطن هي الفائزة بالأغلبية خصوصا و أنها تحالفت مع خصمها اللدود السابق التيار الصدري وقررا معا أيضا العمل من أجل منع عودة المالكي لولاية رئاسية ثالثة!! إلا أن حساب الحقل لاينطبق دائما على حساب البيدر في العراق، فطبقا لشهادات ميدانية و إستنادا لمعلومات خاصة من مواقع الأحداث فإن غالبية شيعة العراق قد صوتوا لصالح المالكي و إئتلافه و الطريف أنه حتى جماعة عمار الحكيم وممن يعملون في مكاتبه و يعلنون ولائهم له و يهيمون حبا بطلعته البهية و بندواته و محاضراته الأسبوعية قد صوتوا للسيد المالكي و خذلوا السيد الحكيم!! أمام الصناديق الإنتخابية وفي وقت الحشرة!! في خطوة ليست بغريبة ولا مفاجئة عن السياق العام لحملات التأييد الشعبي المنافق في العراق!
ولن نغوص بعيدا في التاريخ بل سنكتفي بالعودة للوراء لسنوات قليلة بعد صعود الزعامة الشعبية لرئيس وزراء العراق الأسبق وزعيم إنقلاب 14 تموز الدموي عام 1958 اللواء عبد الكريم قاسم، فحينما هجم عليه البعثيون و القوميون يوم 8 فبراير 1963 لخلعه و إعدامه، شهدت شوارع بغداد جموع شعبية هائلة من الشيوعيين و الفقراء و الكادحين خرجت بهدف الدفاع عنه و التصدي لدبابات الإنقلابيين و إفشال الإنقلاب؟، إلا أن إطلاقات قليلة من مدافع تلك الدبابات كانت كفيلة بتلاشي الجماهير وهروبها من الساحة وترك الميدان مفتوحا لأسر اللواء قاسم وإهانته و قتله و إعدامه في إحدى غرف تلفزيون بغداد في 9 فبراير 1963 لتنتهي تلك المجزرة و تبدأ مجازر دموية بشعة أخرى وقفت جماهير شيعة العراق سلبية أمامها!!، في نيسان/ إبريل عام 1980 تكرر المشهد التراجيدي لصفة الغدر و التلاشي التاريخية وذلك حينما لجأ نظام صدام حسين لإعتقال و إعدام المعارض البارز السيد محمد باقر الصدر و شقيقته آمنة الصدر دون أن تسجل أي حركة إحتجاج لذلك الفعل الذي تم بهدوء تام وفي ظل حالة تمزق وهروب للمعارضة الشيعية العراقية بعد أن ذهبت نداءات الصدر للثورة الشعبية عبثا، فالجماهير كانت و لا زالت تعيش في وضع مختلف، و تخضع لسلطة قوية و غاشمة فرغت للتو من تصفيات رهيبة ودموية وعاصفة داخل البيت البعثي الحاكم نفسه بعد متغيرات صيف 1979 التي أبعدت الرئيس السابق أحمد حسن البكر و أعدمت أكثر من 22 قياديا بعثي من الصف الأول وفي صفوف القيادتين القومية و القطرية و المكتب العسكري لحزب البعث ورسخت قيادة بعثية فردية جديدة على النمط النازي الشهير وحيث قائد واحد لشعب واحد!! وبرزت سطوة الرئيس السابق صدام حسين الذي قرر الصدام مع الحركة الدينية المدعومة من النظام الثوري الخميني الإيراني الذي كان يبشر بتصدير الثورة و إسقاط أنظمة الشرق مما عجل بحالة الصدام وحيث أعلنت الفصائل الشيعية العراقية المسلحة وتحت الضغط الإيراني المباشر حالة المواجهة الميدانية لإسقاط نظام صدام دون أن تمتلك القوة اللازمة و الشروط الموضوعية للعمل الجماهيري فسقطت بقسوة تحت قبضات النظام القوية، وهي قبضة لم تتردد عن تنفيذ الإعدام بالمئات من المعارضين ثم سرعان ما دخلت بمشروع الحرب العسكرية المباشرة ضد النظام الإيراني و بحسابات خاطئة و تقديرات كارثية لتتحول تلك الحرب الضروس إعتبارا من يوم 22/9/ 1980 لأطول حرب إقليمية منسية في التاريخ إستمرت لثمانية أعوام قاسية و مرهقة و مدمرة و إنتهت عام 1988 لتنتهي معها المعارضة الدينية العراقية بالكامل و تهرب لمنافي اللجوء و تتشتت بالكامل بعد أن تخلى النظام الإيراني عن جماعته وتركهم لمهب الرياح الدولية والتي شهدت متغيرات عاصفة مع جريمة وحماقة الغزو العراقي لدولة الكويت عام 1990 و التي غيرت كل قواعد و أسس اللعبة الإقليمية والدولية. ثم جاءت مرحلة إحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة عام 2003 حينما تبخرت جيوش ( القدس ) والجيش الشعبي التي كانت أعدادها بالملايين وهي تهتف لصدام حسين ثم فجأة إختفت لتظهر قوافل اللصوص من أهل ( فرهود الحواسم ) ليتصدروا الموقف أمام كاميرات الدنيا في حملة نهب مؤسسات الدولة العراقية!! تصرفات مخجلة من جموع منافقة مالبثت تشوه وجه التاريخ!.&
كل الملل و النحل و الأحزاب و العصابات الطائفية المتنافرة و المتصارعة في العراق اليوم تطلق إدعاءات النصر الإنتخابية وخصوصا جماعتي عمار الحكيم و التيار الصدري اللذان يعيشان في مرحلة تصور قدرتهما على إبعاد نوري المالكي و أئتلافه عن سدة السلطة ولكنهم سيفاجئون حتما بالنتائج النهائية التي ستكون صادمة للجميع، و الأهم من صناديق الإنتخاب هو موقف ورأي النظام الإيراني من مجمل تطورات الوضع العراقي، فسياسة قلوبهم معك وسيوفهم عليك ستكون المفاجأة الساخنة التي تنتظر عمار الحكيم وهو يمني النفس بأن يكون الرقم الصعب في السياسة العراقية!!.. ولكن جماهيره قد خذلوه قبل خصومه!! فتأملوا و راقبوا و تفرجوا على المهزلة العراقية الرائعة و الخالدة وهي تتجدد عبر العصور!!.&





التعليقات