«أرض الصومال»... بروفة الخطر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
«أرض الصومال» بيدق جديد في لعبة الخطر الدولي، حين أعلن بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، عن اعتراف تل أبيب باستقلال أرض الصومال، كدولة عن الوطن الأم، الصومال، كان ذلك إشارة حمراء تكسر مفهوم الدولة الوطنية، وتغرس بذور الانفصال دون كلفة، وتوزع الكيانات المختلقة، والموازية على جغرافيا واسعة، لا تبدأ بأفريقيا وحدها، لكن قد تشمل كل دول العالم، إذا ما أتيحت الفرصة، أو الرغبة أو تهيأت الظروف، أو حتى تم اختلاقها، هنا يتلاشى القانون الدولي، وتتلاشى معه سيادة الدول، وكأنها استعادة الاستعمار مرة أخرى، لكن دون فواتير باهظة، إنها لعبة الأمم الجديدة.
تعالوا بنا إلى قراءة سيرة أرض الصومال، المأساة بدأت منذ وقت طويل، ما قبل استقلال الصومال ذاتها، عام 1960، حين قسم البريطانيون، والإيطاليون الأراضي الصومالية بينهما، شمالاً وجنوباً، وسيطر كل طرف على جانب من هذه الأرض، فخلق ذلك تناقضاً بين أبناء الشعب الواحد، ورأت أرض الصومال أثناء حكم الاستقلال، أنها مهمشة من المركز، وسعت إلى التوتر مع السلطة الوطنية الصومالية، بزعامة محمد سياد بري، وتصاعدت في نهاية الثمانينيات، إلى ما يشبه حرباً أهلية، حتى سقطت السلطة نفسها عام 1991، ضمن سياق سقوط وانهيار الاتحاد السوفياتي، الذي كان آنذاك حليفاً لها.
منذ ذلك الوقت تحولت الصومال إلى «كانتونات»، وإلى أرض جاذبة للتنظيمات المتطرفة، ومكان آمن للقراصنة، مما دعا القوى الدولية إلى التدخل أكثر من مرة، عن حق، أو عن باطل، في هذا البلد العربي - الأفريقي المهم.
وكان أبرز هذه التدخلات تلك العملية الأميركية التي قادها الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون، وأطلق عليها عملية الأمل، التي انتهت بخسارة فادحة للجنود الأميركيين، على نحو ما نعرف من هذه العملية الفاشلة.
ومنذ ذلك الوقت تُرك الصومال لمصير غامض، وعندما أعلن إقليم «أرض الصومال»، الانفصال عام 1991، لم تعترف به العاصمة الصومالية، مقديشو، ولا أي حكومة تعاقبت في الصومال، ولم تعترف به أي دولة، لكن إثيوبيا، بهدف الإطلالة على البحر، ونحن كما نعرف أن إثيوبيا وقعت معه معاهدة لتسليم المجرمين، ومذكرة تفاهم في يناير (كانون الثاني) 2024، تمنح إثيوبيا التي صارت دولة حبيسة بعد انفصال إريتريا عنها، الوصول للبحر الأحمر، عبر ميناء بربرة، مقابل الاعتراف بأرض الصومال.
جاء نتنياهو من بعيد، ليكشف عن «بروفة الخطر»، ليس فقط على الصومال، إنما أولاً على القرن الأفريقي، والدول المطلة على البحر الأحمر، وكذلك على أفريقيا ذاتها، فكل دولة أفريقية لديها اختلالات بنيوية عميقة في تكوين المجتمعات، ناتجة عن سنوات الاستعمار المختلف، وبالتالي يمكن أن تتقدم أي «أرض»، بطلب للاستقلال بذريعة أو أخرى، فتتفكك الدول والمجتمعات، في لحظة تتربص فيها قوى عظمى باحثة عن الثروات، والمعادن النادرة، والسيطرة على الممرات الحساسة، ومنها مسألة «أرض الصومال» القريبة من باب المندب، والبحر الأحمر الذي يمر به 12 في المائة من التجارة العالمية، وقد يصبح القرن الأفريقي ودوله في مهب الريح، فاستقلال أرض الصومال، يعني تدخلاً دولياً غير قانوني بذريعة الاستثمار في الموانئ، أو حمايتها، أو حماية الممرات، مما يضعف سيادة دول القرن الأفريقي، بل يصل الأمر إلى تمزيقها وتحويلها إلى مجرد كيانات هشة.
الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»، يفتح أعيننا على هذه البروفة الخطيرة، والبروفات الأخطر التي تخرج الآن من الأدراج، في لحظة تذكرنا بما كتبه العقيد الأميركي رالف بيترز في المجلة العسكرية الأميركية، عن خرائط الدم عام 2006، حين رأى أن دول ما بعد الاستقلال من الاستعمار، تحتاج إلى إعادة ترتيب جديد، يقوم على دول وكيانات صغيرة، عرقية ودينية وطائفية، لكن أرض الصومال تختلف هنا عن رؤية رالف بيترز، فالتقسيم هنا يقوم على الاعتراف الدبلوماسي، من قوى عالمية، والاستثمار والاقتصاد، وهذا أخطر مما طرحه بيترز، لا سيما أنه يعتمد على سياسة الأمر الواقع، والضغط الناعم، بالتمرير على الدول الرافضة، مما يشكل زلزالاً لمفهوم الدولة الوطنية، ولمفهوم النظام الدولي القائم على القواعد، فثمة أكثر من خمسين دولة أفريقية، باتت لوحة تنشين لمثل ذريعة «أرض الصومال».
لكن تبقى هذه الأرض أخطر من أي مكان آخر، لجغرافيتها الحساسة، على «المخنق» الاستراتيجي المهم (باب المندب)، الذي تتطاير سهامه في أكثر من اتجاه، وقد يستدعى تدخل الأساطيل العالمية، في حالة حدوث أي عائق، يمنع سيولة التجارة العالمية في هذا الممر الحساس.
الصورة الآن في القرن الأفريقي، وما يدور خلف كواليس المختبرات، تدفعنا إلى ضرورة العمل على حماية البحر الأحمر، وممراته من قبل كل الدول المشاطئة له، وتمكين الصومال «الدولة الأم»، من استعادة كل أقاليمه ضمن دولة وطنية مركزية واحدة، لها رأس واحد، وقرار واحد، وقطع الطريق أمام «بروفة الخطر»، وكل البروفات المشابهة التي توجد الآن في مخازن المغامرين.